السبت 11 يوليو 2020 07:30 م

أطلقت الانتفاضة العربية عام 2011، وظهور الديمقراطية في مصر، حملة من التدخلات العسكرية والانقلابات والحروب الأهلية التي لم تهدأ رغم مرور عقد من الزمن.

وكان مصير أهداف هذه الحملة إما الموت أو السجن أو النفي. وهو ما حدث للإخوان في مصر وتنظيمي "القاعدة" و"الدولة الإسلامية" في سوريا والعراق. وفي حين تختلف هذه القوى في أهدافها وأساليبها، إلا أنها متشابهة في أعين الثورة المضادة.

الأب الروحي

كانت التيارات الإسلامية بكل أشكالها، سياسية أو جهادية، جزءا من انتفاضات عام 2011. لكن في الوقت الراهن، لا يبدو أن هذه القوى تستطيع استدعاء مئات الآلاف إلى الشوارع، وإسقاط الأنظمة، كما فعلت من قبل في تونس ومصر واليمن.

ومع ذلك تستمر جذوة الثورة المضادة، التي انطلقت شرارتها مع الانقلاب العسكري على الرئيس المصري المنتخب "محمد مرسي" عام 2013.

وأنتجت هذه الموجة من الثورة المضادة دكتاتوريين حقيقيين، مثل "محمد بن سلمان" في السعودية، و"عبدالفتاح السيسي" في مصر، و"خليفة حفتر" في ليبيا، وكلهم يحتقرون الانتخابات الحرة، ويعيشون مثل الفراعنة، ويمهدون الطريق لتوريث السلطة لعائلاتهم وأبنائهم.

لكن هناك شيء واحد مشترك بشكل واضح بينهم جميعا، وهو أنهم مدينون لرجل واحد قام إما بتمويل صعودهم إلى السلطة أو تسليحهم أو توجيههم.

هذا الرجل هو المنظم للانقلاب في مصر، وهو اللاعب الرئيسي في الحرب الأهلية في ليبيا، وهو يواصل الاستحواذ على الموانئ ليصبح لبلاده وجود في القرن الأفريقي، وقد دفع السعوديين إلى حرب في اليمن، وروج لابن الرئيس اليمني الراحل "علي عبدالله صالح"، ثم تخلى عن تلك الاستراتيجية لتشجيع الانفصاليين الجنوبيين، وكان له دور فعال في إطلاق الحصار على قطر، وقدم الأمير السعودي الشاب غير المعروف لعائلة "ترامب"، وساعد في الإطاحة برجل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في الرياض.

تقريبا لا يوجد موطئ قدم في المنطقة ليس فيه "محمد بن زايد"، ولي عهد أبوظبي، رغم أنه نادرا ما يلقي خطبا أو يُجري مقابلات، وعندما تصادفه بشكل غير رسمي، تجده شخصا ودودا ويتحدث بلطف.

وفي مناسبات نادرة تحدث فيها إلى الصحافة، كما فعل مع "روبرت وورث" من صحيفة "نيويورك تايمز"، صور نفسه على أنه رجل الإطفاء الذي يخترق حرائق الغابات الخطيرة لإنقاذ الأرواح.

وقد نجحت هذه الرواية إلى حد كبير في إقناع الجمهور الغربي.

ومع مرور الوقت، وسع "بن زايد" نطاق رؤيته وأهدافه. ولم يعد "إحباط التهديد الإسلامي الذي يلوح في الأفق"، كما يصفه، هدفا كافيا لتفسير طموح ونطاق وتكلفة أحلامه.

وكمراقب داهية، كان "بن زايد" قادرا على رؤية انهار الدور التنظيمي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وباستخدام دهائه السياسي، وجيوبه العميقة، كان "بن زايد" قادرا على التلاعب ببيت "ترامب" الأبيض، المكتظ بالشخصيات الجشعة والمتغرطسة، متسببا في فوضى غير مسبوقة في عملية صناعة القرار في واشنطن.

وفيما يبدو، فإن "بن زايد" أقنع نفسه أن الشرق الأوسط بات بحاجة إلى حاكم جديد، وأن الوقت قد حان للخروج من الظل والتصرف كزعيم.

بيان المهمة

كان مقال الرأي الذي كتبه سفير "بن زايد" في واشنطن، "يوسف العتيبة"، في صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، تحذيرا ظاهريا لـ(إسرائيل)، من أن الضم يهدد العلاقات بين البلدين.

وذكّر "العتيبة"، الذي كتب مقاله باللغة العبرية، الجمهور اليهودي، بأنه عربي ودود، وهو "أحد السفراء العرب الثلاثة الذين كانوا متواجدين في البيت الأبيض عندما كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اقتراحه للسلام في الشرق الأوسط في يناير/كانون الثاني".

وفي الواقع، لم تكن الرسالة بهذا المعنى، ولم تكن بالتأكيد رسالة بلسان الفلسطينيين. ولا تواجه دولة الإمارات في الحقيقة مشاكل مع الاحتلال الإسرائيلي، وقد أرسلت في نفس التوقيت علنا طائرتين مليئتين بمعدات الحماية الشخصية إلى مطار "بن جوريون"، وأجرت عددا من الصفقات التجارية رفيعة المستوى مع (إسرائيل) لتأكيد عزمها على تطبيع العلاقات.

لقد ولت أيام إخفاء خروج الطائرات من أبوظبي إلى مطار "بن جوريون" من خلال المرور فوق الأردن، فلم يعد الزوجان المحبان بحاجة للاختباء مجددا وراء الأشجار. وكذلك لم تكن رسالة "العتيبة" تتحدث بلسان حال الأردن، الدولة العربية التي تعتبر ضم الضفة الغربية تهديدا وجوديا.

ولكن كما اتضح لاحقا، كان مقال "العتيبة" رسالة من اليهود الليبراليين في أمريكا إلى اليهود اليمينيين في (إسرائيل). وكان العقل المدبر لهذه الخطوة هو الملياردير الأمريكي الإسرائيلي "حاييم سابان"، وفقا لتقرير نشره موقع "أكسيوس". وقالت "كارولين جليك" المستشارة السابقة لـ"نتنياهو"، إن الرسالة كانت من بنات أفكار "سابان".

على أي حال، لم يكن للرسالة علاقة تُذكر بالرأي العام العربي. ومع ذلك، فقد احتوت على رسالة أخرى أكثر أهمية؛ حيث أظهرت بيان مهمة "بن زايد" في فقرتين رئيسيتين كتبهما "العتيبة".

وكتب "العتيبة": "كونهما أكثر الجيوش قدرة في المنطقة، ويحملان مخاوف مشتركة بشأن الإرهاب والعدوان، ويتمتعان بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، يمكن للإمارات و(إسرائيل) تشكيل تعاون أمني أوثق وأكثر فعالية".

وفي موقع آخر كتب: "بصفتهما أكثر اقتصادين تقدما وتنوعا في المنطقة، فإن العلاقات التجارية والمالية الموسعة بينهما يمكن أن تسرع النمو والاستقرار في جميع أنحاء الشرق الأوسط".

وفي هذه الجمل، لا تدّعي الإمارات أن لديها جيشا أقوى من جيوش كل من مصر والسعودية فحسب، بل تدّعي أيضا أنها تمتلك أقوى الاقتصادات وأكثرها تنوعا في العالم العربي.

ويعد هذا مصدر فخر كبير لولي عهد دولة خليجية صغيرة، لكن يبدو أن "إسبرطة الصغيرة" أصبح لديها طموحات كبيرة.

الشريك الأصغر لـ(إسرائيل)

عبر مقارنة نفسها عسكريا بـ(إسرائيل)، همشت الإمارات حلفاءها في السعودية ومصر. لكن هذا قليل الأهمية بالنسبة إلى "محمد بن زايد" الذي يريد تحويل دولته إلى (إسرائيل) أخرى في المنطقة.

ويعد كلا البلدين صغيرا من حيث الحجم ومن حيث عدد السكان أيضا. وكلاهما مجتمعان معسكران بعمق. وفي حين أن عسكرة المجتمع الإسرائيلي تعد أمرا معروفا نسبيا، فإن المسودة التي قدمها "بن زايد" حول التجنيد الإجباري للرجال الإماراتيين في عام 2014، تبقى أقل شهرة.

في الوقت نفسه، يتمتع كلا البلدين بامتدادات عسكرية واقتصادية تذهب إلى ما وراء حدودهما وصولا إلى قلب أفريقيا. وكما أظهرت (إسرائيل) أن لديها ذراعا طويلا يمكن أن يصل إلى "عنتيبي"، ظهرت الإمارات ذراعها الطويل في ليبيا وتركيا وسوريا، وهي دول بعيدة عن الخليج.

ولدى كلا البلدين سكان لا يعارضون خدمة المصالح الغربية، ولديهما أعداء مشتركون، هم الإسلام السياسي وتركيا وإيران.

ولدى البلدان أيضا استراتيجية مشتركة للسيطرة على المنطقة. ويعد أكبر تحديين إقليميين للإمارات و(إسرائيل) هما تركيا وإيران على التوالي.

وتضع أبوظبي نفسها في مواجهة الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" وجها لوجه، وقامت الإمارات بتمويل محاولة انقلاب "جولن" عام 2016، كما قامت بتقديم المال إلى "بشار الأسد" لكسر وقف إطلاق النار الذي تفاوضت عليه موسكو وأنقرة في إدلب.

وعندما هاجمت طائرات مجهولة بطاريات الدفاع الجوي التركية في "قاعدة الوطية" الليبية التي تم استعادتها حديثا، كتب "عبدالخالق عبدالله"، مستشار الديوان الملكي الإماراتي، تغريدة قال فيها: "الإمارات لقّنت تركيا الدرس الذي تستحق نيابة عن كل العرب الشرفاء"، رغم أنه حذف تغريدته لاحقا.

لكن (إسرائيل) نفسها لا تزال في الخلفية. وتعتبر (إسرائيل) الجيش التركي تهديدا رئيسيا. وفي يناير/كانون الثاني من العام الماضي، قال "يوسي كوهين"، رئيس الموساد، في اجتماع لدبلوماسيين من السعودية والإمارات ومصر عُقِد في عاصمة خليجية، إن (إسرائيل) تعتبر الجيش التركي تهديدا أكبر من إيران. لكن (إسرائيل) نفسها لا تواجه تركيا. وبالمثل، لا تواجه الإمارات إيران.

وعلى الصعيد الإقليمي، تعمل الإمارات و(إسرائيل) جنبا إلى جنب، ويغطي كل منهما ظهر الآخر. لكن هذا لا يعني أن التحالف بينهما مستقر أو طويل المدى. وقد تجد (إسرائيل) بالفعل أنه من المفيد اللعب على "الأنا" الخاصة بـ"محمد بن زايد" لخدمة مصالحها الخاصة في إبقاء الفلسطينيين تحت الاحتلال الدائم.

لكن مصالحها الوطنية تأتي أولا.

وأثار خطاب "العتيبة" رد فعل حيوي من بعض الكتاب الإسرائيليين. وقال كاتب إسرائيلي في صحيفة "إسرائيل هيوم": "لا أحد يقدم أي خدمة لأي شخص. وإذا كنا نتحدث بالفعل عن موضوع المصالح المتبادلة، فإن الجانب الأقوى في هذه الشراكة هو إسرائيل وليست الإمارات".

وأردف قائلا: "الاقتصاد الإسرائيلي أقوى بكثير من اقتصادات النفط في الخليج العربي"، قبل أن يتساءل: "من يعتقد العتيبة أنه يخشى تهديداته فيما يبيع النفط بسعر 37 دولارا للبرميل؟.

وكما هو واضح، لا يمكن أن يكون هناك سوى زعيم واحد للمنطقة، ولا تعتزم (إسرائيل) مشاركة هذا الدور مع عربي لديه أفكار تتجاوز واقعه.

أما المشكلة الثانية في مهمة "بن زايد" فهي حلفاؤه العرب السنة. وعندما يدرك السعوديون والنخب العسكرية المصرية أن مصالحهم الوطنية والتجارية صارت مهددة، فإنهم سيبدأون في النظر إلى مغامرات "بن زايد" بشكل مختلف.

ويمنح الاتفاق البحري الذي وقعته تركيا مع الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس، يمنح مصر وصولا أكبر إلى الثروة البحرية مما كان يمكن لها أن تحصل عليه في اتفاق مع قبرص واليونان، ومع ذلك، نددت مصر بالاتفاق التركي الليبي باعتباره غير قانوني.

وبالمثل، فإن تقسيم الإمارات لليمن ودعمها للانفصاليين الجنوبيين لا يصب في مصلحة الرياض، التي تهتم أساسا بالحفاظ على الأمن على طول حدودها الجنوبية وضمان وجود نظام موالٍ لها في صنعاء.

دروس التاريخ

ومن الواضح أن (إسرائيل) لا تنخدع بتعبيرات الدعم التي يقدمها قادة الإمارات، وهو يدركون أن أبوظبي بالنسبة لهم تقع في نفس المرتبة التي يحتلها المجلس الانتقالي الجنوبي بالنسبة إلى الإمارات.

ويبشر التاريخ بفشل مشروع "بن زايد"، فقد أصبحت كل دولة عربية عملت مع (إسرائيل) أو اعترفت بها أضعف وأكثر انقساما اليوم نتيجة لذلك.

وينطبق هذا على مصر والأردن، وكلاهما اعتبر نفسه رائدا للدبلوماسية ذات يوم، قبل أن يخسرا نفوذهما تدريجيا عاما بعد عام.

ولم تحقق أي من الدولتين المعجزة الاقتصادية التي وُعِدت بها كثمن للتطبيع، وظل الصراع الفلسطيني مستعصيا كما كان دائما، وأصبحت فلسطين التاريخية أضعف وأصغر من أي وقت مضى.

ويتداعى الأردن، الذي عمل بشكل وثيق مع (إسرائيل) أكثر من أي دولة عربية أخرى، ويقف اليوم على حافة الإفلاس الاقتصادي والانهيار الاجتماعي.

ولم تعد مصالحه الاستراتيجية في الضفة الغربية والقدس يُنظر لها، في الوقت الذي تعطي فيه الحكومة الإسرائيلية الأولوية لأصوات المستوطنين اليمينيين.

وتطرح حركة فتح، التي اعترفت بـ(إسرائيل)، على نفسها الأسئلة نفسها، حول الفوائد التي جنتها الحركة من أوسلو، ومدى جدوى عملية السلام، وهو نقاش يجعل الحركة أكثر قربا من منافسها التقليدي، حركة حماس.

تحالف مصيره الفشل

ويخبرنا الواقع أن التحالف بين (إسرائيل) والإمارات محكوم عليه بالفشل. فهو مجرد تحالف بين الأفراد وليس الشعوب. وتعد مغامرات ومؤامرات "بن زايد" ملكه وليس ملكا لأمته.

ويعارض الشارع العربي بشدة الاعتراف بـ(إسرائيل) حتى يتم إيجاد حل عادل للفلسطينيين، يضمن أراضيهم وحقهم في العودة إلى ديارهم.

ويعد مشروع "بن زايد-إسرائيل" بمثابة السم بالنسبة إلى المنطقة. ففي الواقع لا تتصالح (إسرائيل) مع جيرانها، ولكنها تستغل فقط الحمقى منهم.

وقبل الحرب الأهلية في سوريا وليبيا، لم يكن لدى تركيا سياسة خارجية تدخلية، والآن، باتت أنقرة تتدخل بشكل موسع خارج حدودها.

وبالمثل، كان نفوذ إيران محصورا في بعض الأقليات الشيعية في الدول العربية السنية، ولكنها باتت الآن تتمتع بوجود قوي في نصف دول المنطقة.

ولم تهدد إيران يوما الهيمنة العسكرية لـ(إسرائيل)، وتبقى طهران، من وجهة نظر الموساد، خصما يمكن احتواؤه، لكن من تهدد طهران أمنهم حقا هم حكام الرياض وأبوظبي.

ونتيجة لذلك، فإن مهمة تظل "بن زايد" مستحيلة، وكلما أدرك حلفاؤه العرب ذلك أسرع، كلما تمكنوا من منع عقد ثانٍ من الحروب الإقليمية.

المصدر | ديفيد هيرست - ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد