الاثنين 13 يوليو 2020 04:21 ص

تركيا ومفارقات تحويل «آيا صوفيا» إلى مسجد

أسبانيا حوّلت مسجد قرطبة المعلم التاريخي الشهير إلى كنيسة!

إسرائيل «العلمانية» تسعى لفرض رؤية «الدولة اليهودية» على العالم!

أبوظبي منشغلة بقضايا «التسامح» مع الإسرائيليين الذين يهددون المسجد الأقصى.

اليونان تمنع إنشاء أي مسجد للمسلمين على أراضيها، رغم أن عددهم أكثر من ثلاثة ملايين!

مطلوب من خصوم تركيا تقديم سياسات أخرى لشعوبهم وللمنطقة ليكون لهم مصداقية.

*     *     *

أثار إقرار الرئيس التركي رجب طيب اردوغان حكما قضائيا بتحويل المعلم التاريخي الكبير، آيا صوفيا، إلى مكان لعبادة المسلمين، ردود فعل سياسيّة ودينية عالميّة طغى على معظمها الطابع الرافض للقرار.

وتراوحت تلك الردود بين الهجوم العنيف على اردوغان شخصيّا، وعلى تركيا عموما، وبين الإدانة والغضب وإبداء الأسف والحزن، كما أدى الحدث إلى تأجيج التوتر، الذي لم يتوقف منذ قرون، مع اليونان وجهات سياسية ودينية غربيّة وعربية.

كانت «آيا صوفيا»، كما هو معروف تاريخيا، الكاتدرائية الأشهر خلال حقبة الإمبراطورية البيزنطية، وتحوّلت بعد فتح القسطنطينية (التي صار اسمها منذ ذلك الحين الأستانة ثم اسطنبول) عام 1543 على يد السلطان العثماني محمد الفاتح إلى مسجد إلى أن قرر الزعيم التركي الراحل مصطفى كمال تحويلها عام 1934 إلى متحف.

وبالتالي فقد شهد المعلم التاريخي عدّة تحوّلات تشير إلى خلفيّات تاريخية لا تقتصر على قضايا السياسة والدين.

كان سقوط القسطنطينية لحظة فاصلة في تاريخ العالم، تبدّى، لمئات السنين، على شكل صراع بين الممالك الإسلامية والمسيحية، ورغم تبدّل المواقع والتحالفات داخل المعسكرين المتحاربين على القسطنطينية نفسها حيث كانت والدة محمد الفاتح مسيحيّة، وكان بعض حلفائه من الجنويين مسيحيين، فإن الفتح اعتبر انتصارا لامبراطورية مسلمة بشكل أرعب العالم المسيحيّ، الذي قام بعد 51 عاما بانتزاع غرناطة، آخر الممالك الإسلامية في شبه الجزيرة الإيبيرية (اسبانيا)، وطرد المسلمين (واليهود) منها، مسجّلا بدوره لحظة تاريخية فاصلة تبعها الفتح الأوروبي لقارة أمريكا الجديدة ونهب مصادر الثروة الهائلة فيها لتبدأ مرحلة صعود كبير لأوروبا (المسيحية) وانكسار لا ينتهي للعالم الإسلامي.

طرح اردوغان القرار ضمن صيغة دينية حيث اعتبره «بداية جديدة للمسلمين في كافة أنحاء العالم من أجل الخروج من العصور المظلمة»، ولكنّه اختار لفتحه ذكرى سياسية وهي 24 تموز/يوليو اليوم الذي أقرّت فيه معاهدة 1923 التي رسمت، بضغط من أوروبا، الحدود الحاليّة لتركيا، وتنازلت فيها عن مطالبها بجزيرة قبرص وجزر دوديكانيسيا، ومصر والسودان، والعراق وسوريا، وعن امتيازاتها في ليبيا، كما رسمت حدودها مع سوريا الحالية.

يستند القرار إذن، رغم السرديّة الخطابية الدينية التي وضعها فيه اردوغان، والتي انتقدها أعداؤه باعتبارها شعبوية ودعاية انتخابية آنيّة، إلى خلفيّة تاريخيّة سياسيّة شديدة الأهمّية ليس لاردوغان وحزبه، بل لمعنى تركيا ضمن محيطها الإقليمي، ودورها العالمي، الذي نرى آثارا واضحة عليه فيما يحصل في سوريا والبحر المتوسط وليبيا، وفي مواجهة قوى عنيفة في مناهضتها للمشروع التركيّ، بدءا من اليونان، التي تعتبر نفسها وريثة الإمبراطورية البيزنطية، والتي لا يمكن للأتراك نسيان أن جيوشها وصلت خلال الحرب العالمية الأولى إلى أنقرة، وروسيا التي كانت موعودة بالقسطنطينية، وإسرائيل التي تتحالف مع مصر والإمارات لمنع امتداد نفوذها في المنطقة.

تتعدد اتجاهات الرؤية إلى القرار، حسب المصالح السياسية والاتجاهات الأيديولوجية، ولكن ذلك لا يمنع من ملاحظة المفارقات الكبيرة التي تحوط المتخاصمين على المسألة، ومن ذلك أن اليونان تمنع إنشاء أي مسجد للمسلمين على أراضيها، رغم أن عددهم أكثر من ثلاثة ملايين، وأن إسرائيل «العلمانية» تسعى لفرض رؤية «الدولة اليهودية» على العالم، وأن اسبانيا حوّلت مسجد قرطبة، وهو معلم تاريخي شهير أيضا، إلى كنيسة، وأن الإمارات وحلفاءها مشغولة بقضايا «التسامح» مع الإسرائيليين الذين يهددون المسجد الأقصى.

باختصار: مطلوب من خصوم تركيا تقديم سياسات أخرى لشعوبهم وللمنطقة كي يكون لكلامهم مصداقية ومعنى.

المصدر | القدس العربي