قبل أسبوع واحد من تخفيف الحكومة المصرية القيود التي تم وضعها لاحتواء وباء "كورونا"، ألقى رئيس الوزراء "مصطفى مدبولي" باللوم على غياب "عدد من الأطباء" عن وظائفهم في المستشفيات كسبب للزيادة الأخيرة في عدد حالات الوفاة الناجمة عن الوباء.

وتعرض تصريح الوزير، الذي انتقدته نقابة الأطباء المصرية وأطباء وناشطون آخرون عبر الإنترنت، للعلاقة المثيرة للجدل بين الدولة المصرية والأطباء منذ بداية تفشي الفيروس في فبراير/شباط.

وقالت النقابة في بيان بعد خطاب رئيس الوزراء: "منذ بداية الوباء، قدم الأطباء المصريون أعظم الأمثلة على التضحية في العمل، تحت الضغط الهائل للظروف الصعبة، ونقص معدات الحماية الشخصية في بعض المستشفيات، والهجمات المستمرة على الفرق الطبية".

وكانت النقابة، وهي واحدة من النقابات المهنية المستقلة القليلة المتبقية في البلاد، رأس الحربة منذ بداية الوباء في مواجهة اتهامات الحكومة، حيث طالبت بحماية الأطباء، وأبلغت عن الاعتقالات في صفوفهم، وقدمت بيانات دقيقة حول أعداد الوفيات بين أعضائها.

ويأتي هذا في الوقت الذي تبذل فيه الدولة المصرية جهودا لرفع الروح المعنوية للفرق الطبية من خلال الدعاية التليفزيونية والتغطية الإخبارية، واصفةً الأطباء بـ"الجيش الأبيض"، تماشيا مع المشاعر القومية المفرطة التي طغت على وسائل المرئية في البلاد منذ عام 2013.

ومع ذلك، في الواقع، بعيدا عن الرسائل التي ترعاها الدولة، التي تُظهر المهنيين في قطاع الصحة وهم يلوحون بالأعلام المصرية، أعرب الأطباء مرارا وتكرارا عن مخاوفهم من نقص المعدات وعدم كفاية تدابير السلامة وإمكانية تجاوز سعة المستشفيات، موجهين انتقادات حادة لطريقة تعاطي الحكومة مع الأزمة.

الوقائع مقابل الخطابات

خارج مباني مستشفى إمبابة وسط القاهرة، واصلت العديد من منافذ بيع الطعام العمل بعد ساعات من حظر التجوال لخدمة المرضى، والأسر التي تنتظر خارج المستشفى، والأطباء الذين يعملون على مدار 12 ساعة.

ومن بين هؤلاء "حنان"، طبيبة الباطنة التي أخذت استراحة لشراء الطعام والحصول على أقنعة جديدة من سيارتها.

وقالت "حنان": "لا نتعرض فقط للضرب والإهانة، ولكننا أيضا نفتقر لوسائل الحماية، ونحصل على رواتب منخفضة، ونُترك وحدنا لمحاربة فيروس لا نعرف عنه الكثير، ورغم ذلك، نجن متهمون بالتسبب في زيادة أعداد الوفيات".

وكان مواجهة النقص الحاد في معدات الوقاية الشخصية أحد أكثر المطالب الثابتة التي دعت إليها نقابة الأطباء، في الوقت الذي قامت فيه الحكومة المصرية بإرسال معدات الوقاية إلى إيطاليا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة والسودان.

وقالت "حنان" إنها تشتري معدات الوقاية الشخصية الخاصة بها من السوق السوداء أو عبر الإنترنت من البائعين على "فيسبوك"، حيث يتم تزويدها هي وزملائها من قبل الحكومة بكميات غير كافية من المعدات الأقل جودة.

وتسبب عمل "حنان" في إصابة زوجها وطفليها بالمرض، حيث أوضحت قائلة: "بسبب نقص معدات التعقيم، أرسلت ملابسي لغسلها في المنزل، الأمر الذي تسبب في إصابة عائلتي بالعدوى".

وأُصيب أكثر من 3 آلاف طبيب وطبيبة وفقا للنقابة، التي قالت أيضا إن نحو 134 من الأطباء ماتوا بعد الإصابة بالفيروس.

ومع ذلك، زعمت وزارة الصحة، في عدة مناسبات، أنها اعتمدت بروتوكولا وقائيا لحماية الأطباء من الإصابة بفيروس كورونا عن طريق توفير أدوات الحماية وتدريبهم على استخدام المعدات الوقائية، مضيفة أن أي عامل في المجال الطبي يعاني من أعراض الفيروس يتم إجراء اختبار "PCR" له، وأنه تم تخصيص 20 سريرا من أسرة الحجر الصحي للعاملين الطبيين في كل مستشفى في جميع أنحاء البلاد.

وقال "سمير"، وهو واحد من الأطباء الذين أصيبوا بالفيروس في مستشفى المنيرة: "كان من المثير للدهشة والمضحك أن نسمع رئيس الوزراء يتهم الأطباء بالتسبب في زيادة عدد الوفيات، مع الأخذ في الاعتبار نقص المعدات، ناهيك عن نقص التدريب وأسرة المستشفيات". وقال "سمير" إنه طلب إجراء الفحص، لكن دون جدوى.

وبحكم انتمائه إلى عائلة ميسورة الحال، تمكن "سمير" من تحمل تكاليف الذهاب إلى مستشفى خاص للخضوع للفحص وتلقي العلاج. وقال: "أنفقت عائلتي حوالي 40 ألف جنيها مصريا (2500 دولار) حتى الآن. ولك أن تتخيل حجم المعاناة التي يمكن أن يتكبدها عامل مستشفى أو ممرضة حال إصابتهم بالوباء".

وتظل الاعتداءات والتحرشات البدنية أحد المخاطر القاسية التي يواجهها الأطباء وتتجاهلها الدولة. ويقول "عمرو"، طبيب الباطنة في مستشفى المطرية، إن عائلة مريض مات هاجمته. وأضاف: "تنشر الدولة الأخبار كما لو كنا (الأطباء) وحدنا المسؤولين عن علاج المرضى فيما نحن ضحايا أيضا"، مضيفا أن مثل هذه التصريحات المضللة ستدفع الأطباء إلى التخلي عن وظائفهم.

مخاوف أمنية

يعد "عمرو" واحدا من العديد من الأطباء غير الراضين الذين انتقدوا ظروف العمل غير الآمنة، وعدم كفاية التدريب على مكافحة العدوى، ونقص معدات الوقاية الشخصية، وعدم الحصول على الرعاية الصحية الحيوية الكافية.

وهو يخشى أن يعبر عن غضبه عبر وسائل التواصل الاجتماعي خوفا من أن يلقى مصير زملاء آخرين جرى اعتقالهم واتهامهم بنشر أخبار كاذبة، أو جرى تهديدهم بالإحالة إلى المحاكمة أو التحقيق الإداري.

ووثقت منظمة العفو الدولية الاحتجاز التعسفي لـ 8 من العاملين في مجال الرعاية الصحية، من بينهم 6 أطباء وصيادلة، بين مارس/آذار ويونيو/حزيران، حيث تم اتهامهم إما "بنشر أخبار كاذبة" أو "دعم الإرهاب".

وأفادت وكالة "أسوشيتد برس" في وقت سابق أنه تم القبض على ما لا يقل عن 10 أطباء و6 صحفيين منذ بداية تفشي المرض.

وقال "إسماعيل"، خبير المختبرات الطبية من مدينة المنصورة في دلتا مصر (شمال): "أي معارضة أو ميل إلى الانتقاد، حتى بشكل فردي، يتم سحقها". وأكد "إسماعيل" أن مدير المستشفى الذي يعمل فيه قام بأخذ "سكرين شوت" لمنشور كتبه على أحد وسائل التواصل انتقد فيه عدم إجراء مسحات للأطباء المخالطين.

وقال: "تمت إحالتي للتحقيق، وهددني أمن المستشفى بإمكانية اعتقالي". ومنذ ذلك الحين، غير "إسماعيل" محل إقامته.

وأضاف أن زميلة كبيرة مصابة بمرض السكري وتعاني من الربو رفضت العمل في مستشفى للحجر الصحي خوفا على سلامتها، قبل أن يتم تهديدها بقطع راتبها وتأخير ترقياتها لإجبارها على الرضوخ.

وفي شمال سيناء، أصيب "سالم"، أخصائي تقويم العظام، بالوباء فقرر عزل نفسه، لكنه تلقى مكالمة هاتفية من مسؤول في جهة أمنية طلب منه الذهاب إلى العمل.

وأكد "سالم" عبر الهاتف: "تم إخباري خارج الاستجواب (بشكل غير رسمي) أنه كان بإمكاني أن أمثل أمام المحكمة لو لم أستمر في العمل".

ويتحول مستشفى العريش إلى منطقة عسكرية كلما وقع هجوم مسلح في شمال سيناء. ويعمل "سالم" في قسم الطوارئ هناك منذ 3 أعوام، وهي تجربة يصفها بأنها "صادمة".

وقال: "لقد كنا هناك نعمل لأجل بلادنا في أصعب الظروف، وهذه هي الطريقة التي يشكروننا بها؟ يهددوننا بالسجن؟"

وطالبت نقابة الأطباء النائب العام "حمادة الصاوي" بالإفراج عن أطباء تم اعتقالهم بسبب انتقادهم لدور وزارة الصحة في مواجهة الوباء وتصريحات رئيس الوزراء. كما طالبت النقابة بحضور ممثل قانوني منها أثناء عمليات الاستجواب.

رد فعل عنيف

بعد وفاة الطبيب "وليد يحيى"، البالغ من العمر 32 عاما، الذي لم يتمكن من الحصول على سرير في مستشفى الحجر الصحي في القاهرة، ألقت النقابة باللوم في نقص معدات الحماية والأسِرة على الحكومة، محذرة من أن النظام الطبي قد "ينهار".

وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، ناقش العديد من الأطباء علانية إمكانية الإضراب عن العمل.

وأدت هذه الدعوات إلى الإضراب إلى قيام وسائل الإعلام الموالية للدولة باتهام الأطباء الناقدين بأنهم "عملاء" لجماعة الإخوان المسلمين و "أدوات لخدمة مخططات الجماعة الإرهابية".

وبعد وفاة "يحيى"، هدد أكثر من 18 طبيبا بالاستقالة، متهمين المستشفى بعدم توفير ما يكفي من إجراءات السلامة.

وقال أحد الأطباء الـ 18، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، إنهم تم وصمهم بالتطرف واتهامهم بالانتماء للإخوان، وتم تهديدهم بـ "اقتحام منازلهم".

وقال مصدر في فرع نقابة الأطباء بالقاهرة إن "الإضراب لم يكن خيارا محتملا، لأن التداعيات الأمنية المترتبة عليه ستكون قاسية للغاية"، مضيفا أن الحملة المستمرة على الأطباء تمنع اتخاذ أي تحرك منظم.

وأشار المصدر إلى المضايقات التي واجهتها النقابة عندما أعلنت أنها ستعقد مؤتمرا صحفيا لمناقشة "التحديات التي تواجه الأطباء وما هو مطلوب في الفترة المقبلة".

وفي حين أنه قد لا يتعين على الحكومة أن تقلق على الفور بشأن وجود إضرابات منظمة، أكد عضو في نقابة الأطباء أن الدولة "يجب أن تكون قلقة للغاية بشأن إمكانية امتناع الأطباء عن العمل، ليس فقط لأنهم مريضون ومصابون، ولكن أيضا لأن الأمر لا يستحق كل هذا العناء".

وأضاف عضو النقابة أن "الأطباء غير محميين بدنيا، وغير آمنين ماليا، ويتعرضون للتحريض. وإذا استمر هذا الوضع، فما الذي يجبرهم على الخروج للعمل؟".

المصدر | شهدي مراد/معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط - ترجمة وتحرير الخليج الجديد