تدهور سريع فى مختلف علاقات أمريكا بالصين

لم تعد الصين قوة اقتصادية فقط بل تعمل على تحديث جيشها أيضا.

تضاعفت الترسانة الصينية النووية والصاروخية وتم تحديث جيش التحرير الشعبى الصينى.

يتسارع تدهور العلاقات الأمريكية الصينية ولم يعد مقتصرا على الحرب التجارية بين الدولتين.

اتخذت واشنطن مؤخرا موقفا حازما من حقوق دول بحر الصين الجنوبى الاقتصادية لن يكون من تبعاته إلا تأجيج الصراع مع بكين.

تنافس الصين بشراسة الهيمنة الإقليمية والعالمية الأمريكية وحازت أحد أفضل برامج الحرب السيبرانية عالميا وتبني بناء قدرات بحرية عسكرية واسعة.

*     *     *

تشهد العلاقات الأمريكية الصينية تدهورا سريعا غير مسبوق لم يعد مقتصرا على الحرب التجارية بين الدولتين والتى كانت محور توتر علاقات البلدين خلال عامى 2018 و2019.

واتخذت واشنطن قبل أيام موقفا حازما حول حقوق الدول الاقتصادية فى بحر الصين الجنوبى لن يكون من تبعاته إلا تأجيج الصراع مع بكين.

ويمثل الموقف الأمريكى الجديد نقطة تحول كبيرة فى سياسة واشنطن تجاه بكين؛ حيث لم تعد الولايات المتحدة بمقتضاه لاعبا محايدا فى نزاع الصين مع جيرانها من الدول المشاركة فى بحر الصين الجنوبى كفيتنام والفلبين وماليزيا وإندونيسيا.

وأكد بومبيو أن بلاده «ستتعامل مع سعى بكين للحصول على الموارد فى بحر الصين الجنوبى المتنازع عليه بوصفه أمرا غير مشروع»، وهو ما يعكس توترا متسارعا فى علاقات الدولتين.

وأصدر وزير الخارجية مايك بومبيو بيانا رسميا يوم الإثنين الماضى أكد فيه رفض واشنطن كل الإجراءات الصينية فى بحر الصين الجنوبى.

*     *     *

بدأت الصين في منافسة شرسة على الهيمنة الإقليمية أو العالمية للولايات المتحدة، كما وسعت بكين قدراتها بإنشاء واحد من أفضل برامج الحرب السيبرانية فى العالم، كما بدأت منذ سنوات طويلة فى بناء قدرات بحرية عسكرية واسعة،.

فى ذات الوقت تضاعفت ترسانتها من الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية، إضافة إلى إصلاح وتحديث جيش التحرير الشعبى الصينى، ولم تعد الصين قوة اقتصادية فقط، بل تعمل على تحديث جيشها فى ذات الوقت.

ودفعت جائحة فيروس كورونا المستجد وتبعاتها المتسارعة خلال الأشهر الخمسة الأخيرة إلى توتر غير مسبوق فى علاقات واشنطن ببكين، بدأ من اتهام إدارة ترامب للصين بالتستر على الفيروس بما سمح بانتشاره عالميا.

وشهدت الأيام الأخيرة خروج عدد من أركان إدارة الرئيس دونالد ترامب لمهاجمة الصين فى صورة علنية غير مسبوقة، ونسق مجلس الأمن القومى ووزارة الخارجية ومكتب التحقيقات الفيدرالى ووزارة العدل، حملة هجومية شديدة ضد الصين فى العاصمة واشنطن.

وتحدث مستشار الأمن القومى مايكل أوبراين الشهر الماضى أمام حشد من حكام الولايات فى ولاية أريزونا وقال إن «الحزب الشيوعى الصينى يهدف إلى السيطرة على مواطنيه وعلى مواطنى الدول الأخرى، فهذا هدف أسمى للشيوعية التى يؤمنون بها». وحذر أوبراين من سعى الصين للتأثير على الشعب الأمريكى وطريقة حياته.

ثم تحدث وزير الخارجية مايك بومبيو خلال مشاركته فى قمة كوبنهاغن للديمقراطية عقدت عن بعد، وقال إن على أوروبا الاختيار بين الحرية وبين الطغيان.

وحذر بومبيو الأوربيين من أن الحزب الشيوعى الصينى يريد إجبارهم على الاختيار بين الولايات المتحدة والصين.

وعبر بومبيو عن رغبته أن يرى ويسمع «المزيد من التصريحات العامة من أوروبا حول موضوع التحدى الصينى بوضوح حتى لا يترك أى مجال للالتباس فى الاختيار بين الطغيان والحرية».

أما مدير مكتب التحقيقات الفيدرالى كريستوفر راي فقد أكد الأسبوع الماضى أن جهازه استطاع «كشف الأساليب الفنية التى تحاول الصين بها التآمر على البلاد»، وحذر راى الشعب الأمريكى من «أن حياته وأمنه وصحته معرضون للخطر بسبب ممارسات الصين».

وأشار راى إلى أن مكتب التحقيقات الفدرالى يفتح كل 10 ساعات تحقيقا يتعلق بممارسات الصين. وينتظر أن يتحدث وزير العدل وليام بار خلال أيام عن أبعاد أخرى فى سياسات الصين غير القانونية ضد المواطنين الأمريكيين.

*     *     *

صعدت واشنطن من مواقفها تجاه عدة قضايا خلافية تجمعها بالصين، وبعيدا عن الحرب التجارية بين الدولتين، تعتبر من أهم هذه القضايا؛ قضية مسلمى الإيغور، وقع قبل أيام الرئيس ترامب «قانون سياسة حقوق الإنسان تجاه الإيغور» الذى مرره الكونغرس الشهر الماضي.

ويقضى بفرض عقوبات على مسئولين صينيين متورطين فى انتهاكات لحقوق الإنسان ومحاولات استئصال الهوية الدينية للأقلية المسلمة فى مناطق شينجيانج فى أقصى غرب الصين. ومرر مجلسا الكونغرس قرارات معادية لموقف الصين من أقليتها المسلمة بما يشبه الإجماع.

وفرضت واشنطن الأسبوع الماضى عقوبات على عدد من قادة الحزب الشيوعى فى منطقة شينغيانغ لمسئوليتهم عن حملات الاعتقال ضد مسلمى المنطقة.

تايوان وملاحة بحر الصين الجنوبى

وفى مطلع الشهر قامت حاملتا طائرات أمريكيتان بمناورات عسكرية فى بحر الصين الجنوبى، وقال البنتاجون إن «تلك الجهود تدعم التزامات الولايات المتحدة الدائمة فى الدفاع عن حق جميع الدول فى الطيران والإبحار والعمل فى أى مكان يسمح به القانون الدولى». ويشير بيان البنتاجون إلى استعداد واشنطن ونيتها الدفاع عن حلفائها.

هونغ كونغ

منح قانون الأمن القومى الذى فرضته الصين على هونج كونج بيكين سلطات قضائية وأمنية واسعة على ما يخالف اتفاق الانسحاب البريطانى من الجزيرة.

وتبنى مجلسا الكونغرس، النواب والشيوخ، مشروعات قوانين تفرض عقوبات على الصين على خلفية هذا القانون المثير للجدل والذى يهدد ترتيبات الحكم الذاتى لهونغ كونغ بما يشبه الإجماع.

من جانبه توعد الرئيس ترامب رسميين صينيين مسئولين عن تدهور وضع إقليم هونج كونج بعقوبات شديدة.

حظر تطبيقات إلكترونية صينية

تنوى إدارة ترامب وضع خطط وقواعد تنظيمية تحظر على حكومة الولايات المتحدة شراء السلع أو الخدمات من أى شركة تستخدم منتجات خمس شركات صينية على رأسها شركة هواوى.

وصرح بومبيو بأن الصين تضغط على الكثير من الدول لكى تسمح بفتح أسواقها أمام شركة هواوى ومنتجاتها المتعددة، اعتبر أن الشركة، التى أسسها النظام الشيوعى، «تمثل أداة تجسس لصالح الدولة الصينية».

وطبقا للمستشار التجارى للبيت الأبيض بيتر نافارو ينتظر أن يتخذ الرئيس ترامب «إجراء قويا» ضد تطبيق تيك توك، وربما غيره، خلال أيام.

*     *     *

أشارت استراتيجية الأمن القومى الأمريكى بداية عهد دونالد ترامب صراحة إلى أن الصين تسعى إلى تحدى قوة ونفوذ ومصالح الولايات المتحدة، فى محاولة للإضرار بأمن ورخاء الشعب الأمريكى.

كما أشارت استراتيجية الدفاع الوطنى الصادرة من البنتاجون منتصف عام 2018 بوضوح إلى الصين على أنها «منافس استراتيجى يسعى لتحديث قواته المسلحة لضمان سيطرته الإقليمية على المحيط الهادى وجنوب آسيا، ومقارعة نفوذ الولايات المتحدة العالمى».

من هنا يرى بعض الخبراء العسكريين أن احتواء الصين سلميا الآن من شأنه فقط تأجيل موعد المواجهة عدة سنوات. ومع قرب حلول الانتخابات الأمريكية، تكشف الأيام والأسابيع القادمة حدود التوتر المتزايد فى علاقات الدولتين وهل يتم التصعيد أم تتم التهدئة بينهما.

* محمد المنشاوي كاتب صحفي في الشؤون الأمريكية من واشنطن.

المصدر | الشروق المصرية