السبت 18 يوليو 2020 01:25 م

أثار إعلان (إسرائيل) عن خطة ضم 30% من الضفة الغربية المحتلة الكثير من القلق بين أصدقائها في الحكومات الغربية والمنظمات اليهودية، فضلا عن النقاد؛ بسبب الآثار السلبية المحتملة التي لن تلحق بالشعب الفلسطيني فقط، ولكن بـ(إسرائيل).

ويشعر هؤلاء بالقلق من فقدان شخصية (إسرائيل) "اليهودية والديمقراطية" المزعومة، ويخشون أن تضطر إلى التضحية بواحدة من أجل الأخرى.

أما بالنسبة لأصدقاء (إسرائيل) العرب، بما في ذلك السلطة الفلسطينية والأردن والعديد من دول الخليج، فإنهم قلقون من وفاة "حل الدولتين".

وقال العاهل الأردني الملك "عبد الله الثاني" لأعضاء الكونجرس الأمريكي: "أخشى أن يؤدي الضم إلى تطرف الفلسطينيين وتمكين المتطرفين العنيفين. وستستفيد حماس من الضم". كما أعرب عن قلقه من أن الضم سيؤثر سلبا على جهود (إسرائيل) المستمرة "لبناء علاقات في المنطقة".

  • لا تداعيات حقيقية

ويتعارض رد الفعل هذا مع الموافقة الضمنية التي أظهرها كل أصدقاء (إسرائيل) الغربيين والعرب، وحتى الأمم المتحدة، إلى "الدولة اليهودية" لعقود، على الرغم من ضمها غير القانوني للأراضي منذ قيامها في مايو/أيار 1948.

وفي ذلك العام وحده، ضمت (إسرائيل) نصف الأراضي المخصصة للفلسطينيين بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 1947.

وضمت (إسرائيل) فيما بعد القدس عام 1967، وبشكل رسمي أكثر عام 1980، ومرتفعات الجولان السورية عام 1981.

وصحيح أن الأمم المتحدة والعديد من الدول أدانت بعض أو كل عمليات الضم هذه، لكن لم يكن هناك أي تداعيات سلبية على (إسرائيل) نتيجة لذلك.

وانطلاقا من القرار 181، الذي لا يزال حتى يومنا هذا الأساس القانوني الوحيد لإقامة دولة يهودية في فلسطين، شرعت الميليشيات الصهيونية في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1947، بعد يوم من تمرير القرار، في غزو أكبر قدر من فلسطين وطرد العديد من الفلسطينيين من أرضهم قدر استطاعتهم.

وبحلول نهاية الغزو، كان الصهاينة قد احتلوا جميع الأراضي المخصصة لهم بموجب القرار 181، إضافة إلى نصف الأراضي المخصصة للفلسطينيين. كما احتلوا القدس الغربية، التي وضعها القرار 181 تحت ولاية الأمم المتحدة.

وبشكل عام، بدلا من الاستيلاء على 55% من فلسطين بموجب القرار، احتل الصهاينة أكثر من 78%. وقد شكل ذلك مشكلة عندما قدمت (إسرائيل) طلب عضوية إلى الأمم المتحدة في الذكرى الأولى للقرار 181.

واستعرض مجلس الأمن الطلب، واعتمد القرار 69 في مارس/آذار عام 1949، الذي أوصى بأن تقبل الجمعية العامة (إسرائيل) كدولة "محبة للسلام".

وكان التصويت 9 مقابل 1، مع معارضة مصر فقط. وامتنعت المملكة المتحدة عن التصويت، كما فعلت بشأن القرار 181 عام 1947.

  • رفض تعويض اللاجئين

وكانت الجمعية العامة مترددة في قبول (إسرائيل) قبل الرد على استفسارات الدول الأعضاء بشأن انتهاكاتها لقرار الأمم المتحدة.

ويتعلق ذلك برفض (إسرائيل) إعلان الحدود الرسمية، واحتلالها نصف الأراضي المخصصة للدولة الفلسطينية، واحتلالها للقدس الغربية، ورفضها السماح للاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم داخل الأراضي التي أقامت عليها (إسرائيل) نفسها، إلى جانب رفضها تعويض هؤلاء اللاجئين عن الممتلكات المفقودة، على النحو المنصوص عليه في القرار 194، الصادر في 11 ديسمبر/كانون الثاني 1948.

كما أنشأ القرار 194 لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة والخاصة بفلسطين، التي كانت خلال هذه الفترة تتفاوض مع (إسرائيل) حول ترسيم حدودها.

ورد سفير (إسرائيل) "أبا إيبان" المولود في جنوب أفريقيا، على هذه الاستفسارات في 5 مايو/أيار 1949. وأكد للجمعية العامة أن مسألة الحدود يمكن حلها من خلال "عملية التعديل السلمي للأحكام الإقليمية المنصوص عليها في القرار 181"، مضيفا أن "التعديل لا ينبغي أن يتم من خلال التغييرات التعسفية المفروضة من الخارج، ولكن من خلال الاتفاقات التي يتم التفاوض عليها بحرية من قبل الحكومات المعنية".

إضافة إلى ذلك، أصر "إيبان" على أنه لا يمكن تسوية "مشكلة اللاجئين" قبل تسوية قضية الحدود من خلال مفاوضات منفصلة مع كل دولة عربية، وأن (إسرائيل) لن تكون قادرة على التفاوض بفعالية دون أن تصبح أولا عضوا في الأمم المتحدة.

وفيما يتعلق بالقدس، قال "إيبان" إن "(إسرائيل) كانت تفضل الولاية القضائية للأمم المتحدة لولا المقاومة المسلحة للدول العربية ورفض الأمم المتحدة السيطرة على المنطقة".

وزعم أن "(إسرائيل) ستتعاون مع الأمم المتحدة رغم ذلك للسيطرة على جميع الأماكن المقدسة في المدينة، التي يقع معظمها في القدس الشرقية المحتلة من قبل الأردن".

وبناءً على هذه التأكيدات، اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بـ(إسرائيل) عضوا في 11 مايو/أيار 1949، بأغلبية 37 صوتا مقابل 12 صوت، وتم اعتماد القرار رقم 273.

لكن القرار نص على وجوب التزام (إسرائيل) بالقرارين 181 و194. وامتنعت 9 دول، بما في ذلك المملكة المتحدة، عن التصويت.

  • "التعديل" الإقليمي

وفي اليوم التالي، عقدت لجنة التوفيق مؤتمرا في "لوزان" حضرته (إسرائيل) ومصر والأردن ولبنان وسوريا، رفضت خلالها (إسرائيل) إعادة أو تعويض اللاجئين الفلسطينيين، واقترحت ضم جميع الأراضي التي احتلتها بشكل غير قانوني كشكل من أشكال "التعديل".

ورفضت الدول العربية ذلك، مدركة أن "الاقتراح الإسرائيلي تضمن ضما وليس تعديلات إقليمية".

وفي الواقع، اعتبرت (إسرائيل) الأراضي التي احتلتها من الدولة الفلسطينية المتوقعة، وأراضي القدس التابعة للأمم المتحدة، جزءا من (إسرائيل)، بالرغم أن الوثيقة الدولية الوحيدة التي منحت (إسرائيل) أي شكل من أشكال الشرعية كانت الحدود المنصوص عليها في القرار 181.

لهذا السبب، وبالرغم من الضغوط المتزايدة من الولايات المتحدة، كانت بريطانيا مصممة على عدم الاعتراف بـ(إسرائيل)؛ بحجة أنها لن تفعل ذلك إلا بعد "تحديد حدود الدولة بوضوح".

وأدى ذلك بممثل الولايات المتحدة في الأمم المتحدة إلى القول بأنه عندما حصلت بلاده على الاستقلال في عام 1776، لم يتم استكشاف الأرض بشكل كامل، ولا أحد كان يعرف أين ستنتهي المطالبات الأمريكية وأين تبدأ مطالبات الدول الأوروبية.

ويبدو أن مستعمرات المستوطنين الأوروبيين البيض هي نفسها، سواء تم إنشاؤها في القرن الثامن عشر أو القرن العشرين.

ولم يأتِ الاعتراف البريطاني بحكم الأمر الواقع بـ(إسرائيل) إلا في 30 يناير/كانون الثاني 1949، لكنه حصل نتيجة لمساومة صعبة مع الولايات المتحدة.

ورفضت الولايات المتحدة، تحت الضغط الصهيوني، الاعتراف باستقلال الأردن عن بريطانيا في مايو/أيار 1946، على افتراض أن الصهاينة لم يقرروا بعد كم من الأردن قد يرغبون في احتلاله.

ومع ذلك، كان البريطانيون بحاجة لحماية الدولة الأردنية وزعيمها الملك "عبد الله الأول"، الذي توصل إلى تفاهم مع الإسرائيليين لإبقاء الأجزاء الشرقية والوسطى من فلسطين، التي استولى عليها جيشه بقيادة بريطانيا في نهاية الحرب.

  • إنقاذ الأردن على حساب فلسطين

وكانت اللجنة العربية الفلسطينية العليا أنشأت بالفعل حكومة عموم فلسطين في غزة في سبتمبر/أيلول 1948، وتم الاعتراف بها من قبل دول الجامعة العربية، بما في ذلك مصر وسوريا ولبنان والسعودية، ولكن ليس الأردن.

وقد ادعت اللجنة الفلسطينية ولاية قضائية على كل فلسطين الانتدابية.

ونظم الملك "عبد الله الأول"، وهو عدو تقليدي للحكم الذاتي الفلسطيني، مؤتمرين، أحدهما في عمّان في أكتوبر/تشرين الأول، والآخر في "أريحا" في 1 ديسمبر/كانون الأول 1948، في وسط فلسطين، بمشاركة طوعية أو بالإكراه من شخصيات فلسطينية. وأعلن المؤتمر "عبد الله الأول"، "ملكا على كل فلسطين".

وبحلول يناير/كانون الثاني 1949، أراد البريطانيون ضمان السيطرة الدائمة للملك "عبد الله" على الأردن ووسط فلسطين، التي أصبحت فيما بعد "الضفة الغربية"، وبالتالي كانوا بحاجة إلى اعتراف الولايات المتحدة بالأردن باعتباره ثمن اعترافهم بـ(إسرائيل)، وهي صفقة تم فيها التضحية بالفلسطينيين مقابل إنقاذ الأردن من الصهاينة. وهكذا اعترف البريطانيون بـ(إسرائيل) واعترفت الولايات المتحدة بالأردن في اليوم التالي.

وفي وقت لاحق من ذلك العام، في 5 ديسمبر/كانون الأول 1949، قام رئيس الوزراء الإسرائيلي "ديفيد بن جوريون" بضم القدس الغربية من جانب واحد، وأعلن أن (إسرائيل) لم تعد ملزمة بالقرار 181، ليس فقط فيما يتعلق بالأراضي الفلسطينية التي احتلتها، لكن أيضا سيطرة الأمم المتحدة على غرب بيت المقدس. وأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 303 بعد 4 أيام، معلنة أن القدس ستوضع تحت نظام دولي دائم.

ورفضت (إسرائيل) القرار. وفي 14 ديسمبر/كانون الأول، تم نقل مكاتب "بن جوريون" والكنيست إلى القدس الغربية. وقال "بن جوريون": "كانت القدس وستظل دائما عاصمة لـ (إسرائيل)".

  • ضم القدس

وفي الوقت الذي غزت فيه (إسرائيل) بقية فلسطين عام 1967، كان السياق الدولي أكثر ملاءمة لاستمرار الضم.

وشرّع قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 242، الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني 1967، والذي قبلته الدول العربية، الضم الإسرائيلي غير القانوني لنصف الدولة الفلسطينية كصفقة منتهية، كما فعلت الأمم المتحدة، التي طالبت "بانسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية من الأراضي المحتلة في الصراع الأخير".

ولم يشر القرار إلى احتلال (إسرائيل) للأراضي الفلسطينية والأراضي الخاضعة لسيطرة الأمم المتحدة في "النزاعات" السابقة.

وبعد حرب عام 1967، طالبت (إسرائيل) بمدينة القدس "موحدة"، ووسعت الحدود البلدية للقدس الغربية لتشمل القدس الشرقية، ووضعت المدينة بأكملها تحت السيادة الإسرائيلية.

وفي عام 1980، ضم الكنيست المدينة رسميا، معلنا كل القدس عاصمة لـ(إسرائيل).

وفي أغسطس/آب 1980، أدان قرار الأمم المتحدة رقم 478 عملية الضم واعتبرها "لاغية وباطلة". ومع ذلك، توسعت القدس نفسها التي ضمتها (إسرائيل) منذ ذلك الحين على حساب الضفة الغربية، من 6 كيلومترات مربعة، الذي كان حجمها تحت السيطرة الأردنية، إلى 300 كيلومتر مربع، وربما تصل إلى 25 إلى 40% من الضفة الغربية.

وفي عام 1981، ضمت (إسرائيل) مرتفعات الجولان السورية، مع المزيد من قرارات الأمم المتحدة التي تدين الضم.

وأخيرا، في عام 2002، بنت (إسرائيل) جدار الفصل العنصري على أراضي الضفة الغربية؛ حيث استولت على 10% أخرى من الضفة الغربية، التي تقع الآن على الجانب الإسرائيلي من الجدار.

ولم يكن لأي من أعمال الضم هذه أي تداعيات على علاقات (إسرائيل) مع أصدقائها الغربيين. وحتى أصدقائها العرب الجدد، بما في ذلك مصر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، فقد أبرموا معها اتفاقات سلام، دون مطالبة بإلغاء أي من عمليات الضم، السابقة أو اللاحقة.

وأرست بريطانيا صداقة وثيقة مع (إسرائيل)، إلى حد إطلاق غزو مشترك، إلى جانب فرنسا، لمصر، عام 1956، فيما سمي بـ"العدوان الثلاثي". ولم يثر البريطانيون مرة أخرى قضايا الحدود أو الضم.

  • التهجير والاحتلال

إذن، لماذا تشعر الحكومات الغربية والعربية والمنظمات اليهودية الموالية لـ(إسرائيل) بالقلق فجأة من ضم "نتنياهو" لـ30% من الضفة الغربية التي تحتلها (إسرائيل) بالفعل منذ 5 عقود، بما يتماشى مع "صفقة القرن" التي أعلنها الرئيس "دونالد ترامب"؟

ويبدو أن أولئك الذين يعارضون الضم بسبب دعمهم لما يسمونه "الديمقراطية" الإسرائيلية ينسون أن هذه الديمقراطية مزعومة، مع عشرات القوانين التي ترسّخ التمييز ضد غير اليهود.

ومنذ عام 1976، حافظت (إسرائيل) على هذه "الديمقراطية" المزعومة من خلال المزيد من التهجير والضم والاحتلال. فلماذا، إذن، الشعور فجأة بتأنيب الضمير والألم الأخلاقي تجاه مجرد ضم آخر؟

وإذا كان القلق يتعلق بأن يصبح اليهود الإسرائيليون أقلية، فقد كانوا بالفعل أقلية لأعوام، دون أن تؤثر أعدادهم على صورة (إسرائيل) "الديمقراطية" أو "اليهودية".

وإذا كان استمرار حرمان الفلسطينيين من حقوقهم في الضفة الغربية والقدس هو المشكلة، فإن انعدام المساواة في الحقوق بين المواطنين الفلسطينيين والإسرائيليين في (إسرائيل) لم يقوض أبدا صورة (إسرائيل) "الديمقراطية" لدى أصدقائها.

فهل يمكن أن يكون إضفاء الطابع الرسمي على هذه البنية غير القانونية للعنصرية والفصل العنصري الإسرائيلي، بدون الغطاء التجميلي المعتاد، هو ما يقلق حلفاء (إسرائيل)؟ وهل سيشعرون بتحسن إذا رافق ضم (إسرائيل) طرد أكبر عدد من الفلسطينيين؛ الأمر الذي يعيد السيادة الديموغرافية اليهودية ويعيد تأكيد طابعها اليهودي و"الديمقراطي" المزعوم؟

إذا كان الأمر كذلك، فهذا في الواقع ما يقلق السلطات والمحللين الأردنيين، وقد أعرب الكثيرون منهم عن قلق أكبر بشأن ما قد يصيب الأردن، وليس الفلسطينيين، نتيجة لمزيد من الضم، الذي يعني المزيد من اللاجئين الفلسطينيين في الأردن.

وتقوم (إسرائيل) على طرد السكان الأصليين وسرقة الأراضي، وهو الوصف الصحيح لما يسمى رسميا بـ"الضم". لكن لا شيء من هذا يضمن ديمومة (إسرائيل).

وتماما مثلما يخشى المعارضون الغربيون والعرب من أن (إسرائيل) لن تنجو من الضم التالي، فإن "نتنياهو" مقتنع بأن الضم يضمن وصول (إسرائيل) إلى عيد ميلادها المائة.

ويبدو أن لا أحد يدرك أن تأسيس (إسرائيل) نفسها كمستعمرة للمستوطنين على أرض مسروقة عام 1948 كان يعني حكما بلعن مستقبلها منذ البداية.

المصدر | جوزيف مسعد/ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد