اتفاق الشراكة الصيني الإيراني: دروس عربية

الاتفاق كشف عقم مقاربات نظم الحكم العربية في السياسات الخارجية وتكلسها.

وجدت إيران في التنافس الصيني الأمريكي الذي يتحول لصراع شامل فرصة تاريخية يتوجب استغلالها.

عجز الأنظمة العربية عن الاستفادة بصراعات القوى العظمى وتحولات علاقات القوى داخل النظام العالمي.

هستيريا أصابت صناع القرار ونخب صهيونية تعد الاتفاق انقلابا على الواقع الجيوستراتيجي وتغييرا لقواعد الاشتباك بالمنطقة يهدد الكيان الصهيوني استراتيجيًا.

*     *     *

أكدت وسائل إعلام أمريكية وعالمية أن كلا من الصين وإيران تعكفان حاليا على اتفاق تعاون ضخم في المجالات الاقتصادية، الأمنية، والتكنلوجية؛ حيث إن الاتفاق الذي سيمتد العمل به لخمسة وعشرين عام يصل حجمه عدة مليارات من الدولارات.

المقاربة الإيرانية التي قادت إلى اتفاق التعاون تمثل درسا في ربط السياسة الخارجية بمقتضيات الأمن القومي الحقيقية، كان يتوجب على الدول العربية استيعابه للانفكاك من سياساتها القائمة على التبعية لهذا الطرف أو ذاك.

فقد وجدت إيران في التنافس الصيني الأمريكي الذي يستحيل شيئا فشيئا إلى صراع شامل فرصة تاريخية يتوجب استغلالها لتقليص تأثير حملة "الضغط الأقصى" التي تشنها الولايات المتحدة عليها بهدف إرغامها للموافقة على التوصل لاتفاق نووي جديد يهدف إلى تصفية مشروعيها النووي والصاروخي ويضمن انكفاءها وتقليص حضورها الإقليمي.

إن أحد المؤشرات التي تدل على حجم الاستفادة الإيرانية من الاتفاق المتبلور يتمثل في الهستيريا التي أصابت صناع القرار والنخب الصهيونية، التي تعد هذا الاتفاق انقلابا على الواقع الجيوإستراتيجي وتغييرا فجًّا لقواعد الاشتباك في المنطقة، بشكل يمثل تهديدا إستراتيجيا على الكيان الصهيوني.

فحسب التقديرات الصهيونية، فإن الاتفاق لن يمكن إيران فقط من تجاوز تأثير العقوبات الأمريكية أو على الأقل تقليص تأثيرها، بل إنه أيضا سيقود إلى تدشين علاقات أمنية وعسكرية وثيقة بين طهران وبكين وضمن ذلك إجراء مناورات مشتركة إلى جانب إرساء شراكات في مجال تطوير وإنتاج السلاح والمنظومات القتالية وتبادل المعلومات الاستخبارية.

في الوقت ذاته، فإن الاتفاق سيسمح باستعادة الجمهور الإيراني ثقته في نظام الحكم في طهران من خلال إحداث تحول على الواقع الاقتصادي وزيادة فرص العمل وتحسين مكانة العملة الإيرانية.

وذلك باعتبار أن الاتفاق ينص على زيادة الاستثمارات الصينية، سيما في القطاعات الاقتصادية المختلفة في طهران: القطاع المصرفي، الاتصالات، النقل، وخصوصا تدشين المطارات وخطوط السكة الحديدية؛ ناهيك عن أن الاتفاق يمنح إيران القدرة على تصريف نفطها، على اعتبار أنها ستقايض هذه الاستثمارات بتصدير النفط إلى الصين.

في الوقت ذاته، فإن التعاون العسكري بين بكين وطهران سيعزز من قدرات الجيش الإيراني من خلال فتح الباب أمام حصوله على معدات ومنظومات تسليح متطورة، سيما مع اقتراب انتهاء العمل بقرار مجلس الأمن الذي يحظر تزويد إيران بالسلاح، وهو القرار الذي سينتهي العمل به في أكتوبر القادم.

وإن كان الكيان الصهيوي يعتمد بشكل أساس على الدور الأمريكي في المنطقة، فإن الاتفاق الإيراني الصيني سيفضي إلى المس بمكانة واشنطن واقتصادها، على اعتبار أنه يمكن أن يؤدي إلى تعزيز مكانة العملة الصينية الرقمية" e-RMB " على حساب الدولار وتحسين قدرة الصين على تجاوز تأثير النظام المصرفي الأمريكي.

في الوقت ذاته فإن الاتفاق المتبلور سيعزز النفوذ الصيني في منطقة الخليج على حساب النفوذ الأمريكي من خلال توظيف ورقة العلاقة مع إيران، وهو ما قد يقنع نظم الحكم في الخليج بمحدودية جدوى الاعتماد على واشنطن.

ما تقدم يشي بعقم مقاربات نظم الحكم العربية في السياسات الخارجية وتكلسها وعجزها عن استبصار الفرص التي تمنحها النزاعات والصراعات بين القوى العظمى والتحولات التي تطرأ على علاقات القوى داخل النظام العالمي.

* د. صالح النعامي كاتب وباحث في الشأن الإسرائيلي.

المصدر | السبيل الأردنية