أدت الأزمات الاقتصادية والصحية إلى تقويض شهية دمشق لهجمات عسكرية كبيرة جديدة، بعد أن خلقت معارضة في مناطق كانت تعد آمنة في السابق.

يشير ذلك إلى أن حكومة "الأسد" ستحاول تعزيز سلطتها داخل المناطق الموالية قبل تجديد الجهود لشن عمليات عسكرية واسعة.

ويعطي ذلك تركيا فرصة على المدى القريب لترسيخ نفسها في شمال سوريا، وفي المقابل سيساعد على حفظ توازن "قوات سوريا الديموقراطية" بين الولايات المتحدة الحليفة ودمشق المنافسة.

معارضة وسط الموالين

ويخلق الوضع الاقتصادي المتأزم معارضة في الأماكن التي كانت تعتبرها دمشق آمنة، مما يقوض الموارد السياسية والأمنية اللازمة لنشر القوات.

يعاني لبنان، الذي يعتبر الشريك التجاري الأساسي المتبقي لسوريا، من انهيار اقتصادي، وهذا يعني أن وصول سوريا إلى الدولارات -الذي كان يتم عادة عبر المصارف اللبنانية- قد انخفض بشكل كبير.

ساهمت الأزمة الاقتصادية في لبنان في تراجع قيمة الليرة السورية التي كانت قيمتها قبل الحرب تعادل 50 دولارا، لكنها الآن تقترب من 3500، مما أدى إلى ارتفاع تكلفة السلع اليومية التي كان من الصعب الحصول عليها أصلًا بسبب عزلة سوريا الدولية.

كما زادت معدلات البطالة عن النسبة الحالية المقدرة بـ40% بسبب عمليات الإغلاق المرتبطة بجائحة "كورونا"، خاصة في دمشق.

ووقعت احتجاجات مناهضة للنظام في يونيو/حزيران في درعا التي يسيطر عليها النظام، وفي معقل الدروز في السويداء، والذي كان محايدًا في السابق إزاء أفعال النظام، حيث ركز الناشطون بشدة على الأزمة الاقتصادية.

تعزيز الاستقرار الداخلي

لدعم الوضع المالي للبلاد؛ استهدف النظام شخصًا من الداخل وهو "رامي مخلوف"، ووجد المليونير العلوي الموالي للنظام نفسه هدفا لحملة تدعو لوضع ثروته تحت سيطرة الدولة.

أعرب "مخلوف" عن معارضته، مما خلق سابقة جديدة للاحتجاج على الإجراءات الاقتصادية للنظام وأجبر دمشق على التركيز على إعادة تنظيم هياكل قوتها الداخلية بدلاً من التمحور حول مواجهة الولايات المتحدة أو تركيا.

ولكي يحافظ النظام على استقراره، سيركز على قمع الاحتجاجات وإعادة ترتيب الموالين داخل الحكومة وتعزيز علاقتها مع موسكو، مما سيؤدي إلى إرجاء الهجمات الجديدة ضد تركيا أو الولايات المتحدة على المدى القريب.

ظهرت بالفعل تقارير تفيد بأن النظام يعتقل بعض القادة الناشطين في السويداء، بالرغم من امتناعه حتى الآن عن الإجراءات الأمنية واسعة النطاق التي شوهدت من قبل في مواقع احتجاج أخرى.

وسيؤدي استخدام هذه القوات إلى تقليص القوات اللازمة لخوض مواجهات عسكرية تستهدف التواجد التركي أو الأمريكي.

سيعيد النظام ترتيب صفوفه من الداخل من خلال النظر في تغييرات وزارية وإبعاد شخصيات معينة لتيسير الطريق أمام إعادة انتخاب "بشار الأسد" في عام 2021، وقد تم تغيير رئيس الوزراء بالفعل.

دأب النظام السوري في الماضي على اللجوء للتعديلات الوزارية لتخفيف الضغط الشعبي وتأمين دعم الموالين له، وقد فعل ذلك بشكل متكرر في 2011 و 2012 خلال الأيام الأولى من الحرب الأهلية.

وخلال هذه التعديلات، من غير المرجح أن يخاطر النظام بمواجهات عسكرية يمكن أن تضر بصورته إذا سارت الهجمات بشكل سيء.

فرصة مهمة لتركيا

ستحاول دمشق أيضاً تعزيز علاقاتها مع موسكو بعد استياء روسيا من عمليات النظام ضد تركيا في إدلب في فبراير/شباط، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن روسيا تحتفظ بنفوذ كبير على قوات النظام السوري.

ولهذا من المحتمل أن يتوقف النظام عن الاستفزازات الكبيرة ضد تركيا والولايات المتحدة، حيث أن موسكو -التي لا تزال تقوم بدوريات مشتركة مع تركيا وتبقي خط التهدئة مفتوحًا مع الولايات المتحدة- لا تريد التصعيد ضد أي من القوتين في سوريا في هذا الوقت.

يمكن أن تستغل تركيا الهدوء العسكري لتعميق نفوذها في الشمال السوري حيث بدأت تشجع على استخدام الليرة التركية بدلا من الليرة السورية في محاولة لتعزيز روابطها الاقتصادية مع مناطقها العازلة.

وقد توسعت أنقرة في إصدار جوازات السفر التركية للسوريين في هذه المناطق حيث تحاول تقويض نفوذ حزب العمال الكردستاني.

وفي الوقت نفسه، سيكون لدى تركيا أيضًا المزيد من الوقت لبناء المزيد من المؤسسات، من المستشفيات إلى الجامعات والمدارس وقوات الأمن، التي تقدم خدمات عامة للسوريين في المناطق العازلة، ولكن ذلك سيتوقف على حجم التمويل التركي المتاح.

وخلال الفترة الأخيرة، حاولت "قوات سوريا الديمقراطية" تقوية علاقاتها مع النظام كخطة بديلة في حال نفذت واشنطن تهديدها المتكرر بالانسحاب. لكن "قوات سوريا الديموقراطية" تفضل الشراكة مع الولايات المتحدة مما يسمح لها بالاستقلال السياسي، على العلاقات مع النظام السوري الذي من المرجح أن يعيد التأكيد على المركزية السياسية في الشمال الشرقي إذا نال الفرصة.

ومع تركيز النظام السوري على الاستقرار الداخلي، فمن غير المرجح أن تواجه "قوات سوريا الديمقراطية" ضغطًا سياسيًا كبيرًا من دمشق للابتعاد عن الولايات المتحدة.

وفي الوقت الذي يعزز فيه النظام علاقته مع روسيا، من غير المحتمل أن يقوم باستفزاز كبير ضد القوات الأمريكية بهدف إقناع الولايات المتحدة بالانسحاب.

وبما إن النظام السوري يعاني من أزمة اقتصادية، فإنه لا يستطيع تقديم فوائد اقتصادية ملموسة لـ"قوات سوريا الديموقراطية"، مما يقوض أي توجه نحو توسيع الروابط بين الاثنين.

المصدر | رايان بول - ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد