الخميس 23 يوليو 2020 02:50 م

مشاهير الدنس!

مشاهير أحدثوا دمارا في البنية النفسية والاجتماعية لأسرٍ كثيرة في الكويت وبلدان الخليج الأخرى

كيف يمكن لمن لا يعملون شيئا حقيقيا أن يتحصلوا على مبالغ لا أتخيل ضخامتها في أوقات قصيرة جدا.

قضية تورّط مشاهير وسائل التواصل بالكويت ظهر منها رأس جبل الجليد ولا نعلم كيف ستنتهي وهل سينجون منها؟

مشاهير بوسائل التواصل الاجتماعي يشاركوننا حياتنا اليومية بما يصوّرونه في هواتفهم من حياة بذخ شديد ومستفز يعيشونه.

مشاهير لا نعرف بماذا وكيف ولماذا اشتهروا على نحو مخيف أهّلهم ليصبحوا مؤثرين بشدة في سلوكيات الناس خاصة المراهقين.

*     *     *

لا أدّعي أنني أفهم كثيرا في قضايا غسيل الأموال، ولا كيف يمكن أن تتم مثل هذه العمليات في مسارات الاقتصاديْن، الوطني والعالمي.

وفي كل مرة تثار فيها قضية من مثل هذه القضايا أبدو على الهامش، وأحاول أن أفهم عموميات الحكاية من الأخبار التي تتعلق بها. وغالبا ما تكون محصلتي علامة تعجبٍ ضخمةٍ أزرعها بعد كل معلومةٍ أحصل عليها على هذا الصعيد.

نعم.. أفهم جيدا مدى خطورة عملية غسيل الأموال، وأعي أثرها المدمر، ليس على الاقتصاد الوطني فحسب، بل والعالمي أيضا. ولكن أيضا على حياتنا كلنا.

لكنني كنت دائما أتساءل كيف يمكن لأفرادٍ لا يعملون شيئا حقيقيا تقريبا، لكنهم يتحصلون على هذه المبالغ التي لا أتخيل ضخامتها، وفي أوقات قصيرة جدا.

تنتهي الحكايات غالبا بأحكام قضائية، على الرغم من أن كثيرين من المتهمين يفلتون من العقاب، بسبب أخطاء تشوب الإجراءات، أو ثغرات قانونية يستطيع المحامون الماهرون اقتناصها لصالح موكليهم من المتهمين بغسيل الأموال.

أثيرت، أخيرا، في الكويت قضية كبرى من هذا النوع، أبطالها هذه المرّة ممن يسمون المشاهير، ولا نعرف بالضبط بماذا وكيف ولماذا اشتهروا على هذا النحو المخيف، والذي أهّلهم لأن يصبحوا من أشد المؤثرين في سلوكيات الناس، وخصوصا المراهقين.

كل ما نعرفه أن هؤلاء المشاهير في وسائل التواصل الاجتماعي أصبحوا يشاركوننا في حياتنا اليومية، عبر ما يصوّرونه لنا في هواتفهم بطريقة مستفزّة جدا، فهم يصوّرون حياة البذخ الشديد الذي يعيشونه في الحل والترحال.

ويستعرضون أمامنا قصورهم الضخمة وشققهم الكثيرة في عواصم الدنيا، وسياراتهم التي يحتفظون بها في مواقف خاصة بهم، تشبه مواقف الأسواق الكبرى، بألوان وأشكال وعلامات مختلفة.

بالإضافة الى ما يرتدونه من أزياء وحقائب وساعات وأحذية، وما يقتنونه من عطور ومجوهرات وأشياء أخرى تبلغ أسعارها أرقاما خيالية، وكثير منها لم أكن أصدّقها أبدا.

ومن خلال هذه الاستعراضات الدائمة والمستفزة لمعظم المواطنين، وخصوصا من لا يملكون سوى رواتبهم، استطاعوا أن يصبحوا في رأس قائمة من يشكل السلوك اليومي للأفراد، ومن يستطيع أن يعيد برمجة هذا السلوك بشكل دائم، وفقا لما يصوّرونه، وما يعلنون عنه من سلع.

لقد تحوّلت الحياة كلها تقريبا من خلال هؤلاء إلى مجرد كومة هائلة من السلع الباهظة الثمن، والتي على الفرد أن يسعى إلى اقتناء ما يستطيع منها أو مقاومة شعور النقص المتولد من مراقبة المشهد، فهم يتصرفون بهذه الأشياء وكأنها من مستلزمات الحياة الضرورية، والتي لا يكتمل العيش العصري إلا بها.

وهو ما جعل منهم إيقوناتٍ للموضة، وما يسمى "لايف ستايل" بالنسبة للمراهقين، حتى أصبحت مهمة تربية الأبناء، في ظل وجود هذا النوع من التمادي في تلميع الحياة الاستهلاكية الفارغة من المعنى، والباهظة التكاليف، مهمة صعبة جدا بالنسبة للآباء والأمهات.

قضية تورّط مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي في الكويت في بداياتها، ولم نر منها سوى رأس الجبل، ولا نعلم كيف ستنتهي، وهل سينجون منها أم لا في النهاية، لكنني أعلم تماما ما أحدثوه من دمار في البنية النفسية والاجتماعية لأسرٍ كثيرة في الكويت والبلدان الخليجية الأخرى، حيث يمتد أثرهم الكبير جدا.

وهذه الأسر تحتاج إلى جهد كبير جدا، لكي تعيد تربية أبنائها على أن ما يرونه في حسابات هؤلاء المشاهير ليس سوى دنس حقيقي.. وأن الحياة أجمل وأنظف وأكثر قيمة بكثير مما يصوّرونه لهم!

* سعدية مفرح كاتبة وصحفية وشاعرة كويتية

المصدر | العربي الجديد