الأحد 26 يوليو 2020 07:03 م

عزلتان

أليست فرصة طيبة أن نستفيد من هذه العزلة لننصرف إلى أنفسنا وأفراد عائلاتنا وشؤون بيوتنا؟

ألم نكن قبلها نشكو ضيق الوقت واللهاث وراء مستلزمات الحياة وواجباتها، بحيث أهملنا تفاصيل كثيرة تستحق منا العناية؟

*     *     *

العزلة ليست واحدة. هناك، على الأقل، عزلتان: واحدة اختيارية وثانية إجبارية، والفرق بينهما كبير. البون شاسع بين عزلة تختارها أنت لحاجة في نفسك، أو للانصراف إلى مهمة ترغب في إنجازها، وعزلة إجبارية مفروضة عليك، والأسباب في هذا كثيرة.

لم نكن نخال، نحن «العائشين» بين قرنين: العشرين والحادي والعشرين، أن يأتي زمن نجد فيه أن الخشية من تفشي وباء هي التي ستقعدنا، أو تقعد كثيرين منا، في هذه العزلة الإجبارية.

منذ أن تفشي «كوفيد 19» والحديث عن العزلة يتكرر. قال قائلون: «أليست فرصة طيبة أن نستفيد من هذه العزلة لننصرف إلى أنفسنا وأفراد عائلاتنا وشؤون بيوتنا؟ ألم نكن قبلها نشكو من ضيق الوقت ومن اللهث وراء مستلزمات الحياة وواجباتها، بحيث أهملنا تفاصيل كثيرة تستحق منا العناية؟»

وردّ عليهم آخرون: «ليست هذه هي العزلة التي كنا ننشدها. مجرد الشعور بأنك مجبر على البقاء في بيتك اضطرارياً، كأنك في ما يشبه الإقامة الجبرية، كفيل بإفساد أي متعة متوخاة أو مرتجاة من العزلة».

لعلّ الكتاب والأدباء معنيون أكثر من سواهم بموضوع هذه العزلة، فهم ينشدونها دائماً كي يتفرغوا كلياً لإنجاز مؤلفاتهم، وشاعت في الشهور الماضية، الأنشطة الافتراضية التي ناقشت هذا الموضوع مستفتية آراء الكتاب في الأمر؛ أي عما إذا كانوا قد وجدوا في هذه العزلة فرصة لإنجاز المؤجل من مشاريعهم، وهنا أيضاً تفاوتت الأجوبة، وليس بعيداً عما ذكرناه أعلاه.

قبل عقود من الآن، يوم لم يكن هناك «كوفيد 19»، ولا ما يماثله، كتبت الفرنسية مارجريت دوراس، الشاعرة والكاتبة والمخرجة، تقول: «لا يجد المرء العزلة. العزلة توجد وحيدة».

ومتحدثة عن تجربتها في هذا المجال أوضحت: «أنا أوجدت عزلتي لأنني قررت أنه عليَّ أن أكون وحيدة؛ أن أبقى بمفردي من أجل الكتابة. كنت وحدي داخل البيت، حبست نفسي فيه. كان الخوف ينتابني بالتأكيد، وبعد ذلك أحببته. صار هذا البيت بيت الكتابة. كتبي تخرج من هنا، من هذا الضوء، من الحديقة، من الشعاع الذي تعكسه البركة، لقد كلفني كتابة ما أقوله عشرين عاماً».

حتى لحظة كتابتها هذا الكلام في قصتها القصيرة التي تحمل عنوان «الكتابة» كانت دوراس قد أنفقت إذن عشرين عاماً وهي في عزلتها تكتب ما كتبت، والمرجح أن الحال استمر معها كذلك، كي تُنجز ما أنجزت.

وهي في ذلك أعطت تفسيراً بدا لي مقنعاً: «حين يصرخ الكتاب مطالباً بإنجازه، يجد المرء نفسه مرغماً على الانحياز إلى صفّه».

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج - الشارقة