الأربعاء 29 يوليو 2020 05:48 ص

أعرب الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو جوتيريش" مؤخراً عن قلقه بشأن النزاع الدائر في ليبيا بين حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من قبل الأمم المتحدة والجيش الوطني الليبي بقيادة الجنرال العسكري السابق "خليفة حفتر" الذي كان يشغل منصبه هذا في عهد "معمر القذافي".

وصرح "جوتيريش" في 8 يوليو/تموز أن تدخل القوى الخارجية في الصراع أصبح "غير مسبوق".

تدخل خارجي متصاعد

غرقت ليبيا في صراع منذ الإطاحة بـ"القذافي" في عام 2011، ما ترك القبائل والميليشيات المتصارعة تتنافس لملء الفراغ في السلطة.

رأى "حفتر" آنذاك فرصة يمكن التقاطها، بعد نفي لمدة 20 عامًا في الولايات المتحدة، فعاد إلى ليبيا في عام 2011، وحشد دعم الميليشيات في شرق البلاد، حيث أراد أن يصبح في ليبيا مثل "السيسي" في مصر، معلناً نفسه قائداً للجيش الوطني الليبي في عام 2014.

كلا الطرفين المتحاربين في ليبيا تدعمهما دول خارجية، فهناك الأمم المتحدة وإيطاليا وقطر وتركيا إلى جانب حكومة الوفاق الوطني.

أما الإمارات والسعودية ومصر وفرنسا وروسيا، فيساندون "حفتر"، وتمتع "حفتر" بدعم عدد من الدول الأجنبية قبل أن يبدأ هجومه الكبير على العاصمة الليبية طرابلس في 4 أبريل/نيسان 2019، قبل أيام فقط من الموعد المقرر لمؤتمر سلام بوساطة الأمم المتحدة.

شن "حفتر" هجمته على حكومة الوفاق الوطني والجماعات المسلحة التابعة لها من غرب ليبيا، بدعم من وحدات الجيش الوطني الليبي، والجماعات المسلحة من داخل ليبيا، وآلاف المرتزقة من سوريا ودول أفريقية أخرى، والإمارات، وروسيا.

انتهاكات صارخة

يفصّل التقرير العالمي لعام 2020 الصادر عن "هيومن رايتس ووتش" بشأن الوضع في ليبيا تفاصيل سلسلة من انتهاكات حقوق الإنسان، قام بها بشكل رئيسي الجيش الوطني الليبي بقيادة "حفتر" والقوى المساندة له.

تحملت منازل المدنيين والبنية التحتية العبء الأكبر من هجمات "حفتر"، وحتى نوفمبر/تشرين الثاني 2019، قتلت قواته أكثر من 200 مدني، وأصابت أكثر من 300، وشردت أكثر من 300 ألف شخص أجبروا على الفرار من منازلهم بسبب العنف.

شنت قوات "حفتر" غارات جوية في أكتوبر/تشرين الأول 2019 أسفرت عن جرائم حرب والمزيد من الضحايا المدنيين، كما شنت قواته غارات جوية على مركز احتجاز للمهاجرين و 21 منشأة صحية على الأقل.

في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2019، ضرب ما يسمى بالجيش الوطني الليبي ناديًا لركوب الخيل في طرابلس، ما أدى إلى إصابة 6 أطفال وقتل عدة خيول.

حققت الأمم المتحدة في الأمر، وخلصت إلى أن النادي لم يكن هدفاً مشروعاً لأنه لم تكن هناك أصول عسكرية أو بنية تحتية عسكرية في الموقع.

وفي 14 أكتوبر/تشرين الأول 2019، قتلت قوات "حفتر" 3 فتيات صغيرات في منزلهن، وأصابوا أمهن وأختهن، فيما زعموا أنه كان هجومًا على مجمع عسكري.

أفادت منظمة الصحة العالمية أن هجوم طرابلس تضمن 37 هجوما على مرافق طبية، ما أسفر عن مقتل 11 عاملا في المجال الصحي وإصابة 33 من العاملين في المجال الصحي والمرضى.

على الرغم من الحظر الذي فرضه مجلس الأمن الدولي عام 2011 على بيع الأسلحة للقوات الليبية، والذي تم تجديده لاحقًا في يونيو/حزيران 2019، أوردت الأنباء أن مصر زودت الجيش الوطني الليبي بمعدات عسكرية، كما زُعم أن الإمارات زودت الجيش الوطني الليبي بطائرات مسيرة مسلحة تم استخدامها لضرب مواقع الجماعات المتحالفة مع حكومة الوفاق في طرابلس ومصراتة.

وأفادت تقارير إخبارية أن فرنسا قدمت دعماً سياسياً لـ"حفتر"، بينما قدمت روسيا مئات المرتزقة، بما في ذلك القناصون، من خلال مجموعة خاصة مرتبطة بالكرملين.

على الجانب الآخر، تلقت حكومة الوفاق الوطني طائرات مسيرة مسلحة من تركيا واستخدمتها لضرب مواقع الجيش الوطني الليبي وعرباته المدرعة.

وتزعم "هيومن رايتس ووتش" أن الجماعات المسلحة، التي ينتمي بعضها إلى الجيش الوطني الليبي، نفذت عمليات إعدام خارج نطاق القضاء واختطفت وعذبت وأخفت أشخاصاً.

بعد أكثر من عام على هجوم طرابلس، نجحت قوات حكومة الوفاق في صد "حفتر" والجيش الوطني الليبي، لكن في مايو/أيار، بعد عدة انتصارات لحكومة الوفاق، ظهرت لقطات فيديو لمقاتلين متحالفين مع الجيش الوطني الليبي يرتكبون انتهاكات فاضحة لحقوق الإنسان.

ويظهر عدد من مقاطع الفيديو المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي مقاتلي الجيش الوطني الليبي وهم يعذبون السجناء ويمثلون بالجثث ويضايقون المدنيين خلال الهجوم على طرابلس.

وفي أحد مقاطع الفيديو، يتم التمثيل بجسد مقاتل أسير من قوات حكومة الوفاق، وفي الوقت نفسه، يحذر مقاتلو الجيش الوطني الليبي من أن أي شخص يقاتل إلى جانب حكومة الوفاق سيحصل على نفس المعاملة.

دعت "هيومن رايتس ووتش" مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى إنشاء بعثة تحقيق فورية وتقصي للحقائق خلال جلستها في يونيو/حزيران للتحقيق في هذه الفظائع وغيرها.

أثناء انسحاب ميليشيات "حفتر" من العاصمة طرابلس، قامت بوضع ألغام أرضية بشكل عشوائي في الأحياء السكنية، ما أدى إلى مقتل عشرات المدنيين العائدين إلى منازلهم.

كما أوردت الأنباء اكتشاف حكومة الوفاق لـ8 من المقابر الجماعية، بعد استعادتها السيطرة على ترهونة، وهي منطقة في الغرب كانت تحت سيطرة "حفتر" سابقًا.

مرحلة جديدة مقلقة

حتى وقت قريب، وقف قادة الأمم المتحدة وقادة العالم إلى حد كبير صامتين، لكن الأمين العام للأمم المتحدة يشير الآن أن النزاع يدخل مرحلة جديدة، تشمل "تسليم معدات متطورة وعدد متزايد من المرتزقة المشاركين في القتال".

هناك "حوالي 10 آلاف مرتزقة سوريين يعملون في ليبيا، أي ضعف العدد الذي كانوا عليه قبل 6 أشهر"، وفقًا لما قاله وزير الشؤون الخارجية الإماراتي "أنور قرقاش".

وحذرت مصر من أنها قد ترسل جيشها في حالة حدوث محاولة مدعومة من تركيا للسيطرة على سرت، وهي مدينة في منتصف الطريق بين طرابلس في الغرب وبنغازي في الشرق، وتقع على بعد حوالي 600 ميل من الحدود المصرية.

وعبر "جوتيريش" عن قلقه بشأن "الحشد العسكري المثير للقلق حول المدينة، والمستوى العالي من التدخل الأجنبي المباشر في النزاع في انتهاك لحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن، والالتزامات التي تعهدت بها الدول الأعضاء في برلين".

وناشد كلًا من رئيس الوزراء "فايز السراج" و"حفتر" الموافقة على وقف إطلاق النار وبدء محادثات السلام.

وثقت الأمم المتحدة ما لا يقل عن 102 حالة وفاة بين المدنيين و254 إصابة بينهم أيضًا في الفترة من أبريل/نيسان إلى يونيو/حزيران 2020، بزيادة 172% مقارنة بالربع الأول فقط من هذا العام، وقد نزح أكثر من 400 ألف شخص حتى الآن.

ومع تزايد التدخل الأجنبي وارتفاع عدد الضحايا المدنيين، يتساءل الكثيرون عما إذا كانت ليبيا ستصبح سوريا التالية.

الفرق بين الجانبين هو أن حكومة الوفاق الوطني هي الحكومة المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، ومعظم قواتها -إن لم يكن كل قواتها- من الليبيين الذين يسعون من أجل التحرر والديمقراطية لوطنهم.

ومن ناحية أخرى، فإن مقاتلي الجيش الوطني الليبي يتكونون في الغالب من ميليشيات ومرتزقة أجانب تستوردهم قوى أجنبية ويدفعون مقابل خدماتهم.

أما قائد الجيش الوطني الليبي "خليفة حفتر"، فهو جنرال سابق متمرد تموله بالكامل دول تخشى الحكم الديمقراطي على أعتابها.

المصدر | إليزابيث آر. رايس | إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد