الثلاثاء 28 يوليو 2020 02:55 م

خطوة عُمانية رائدة

لا يشيد القمع جمهوريات خوفه إلا على رمال متحركة وكلفته على المواطن والمجتمع والدولة عالية.

يجرد القمع الحكام من قبول الشعب وينزع ثقته بأجهزة الدولة ويدمر هيبتها فلا استقرار لها بالمدى المتوسط والطويل إلا بالعدل.

تفتح عُمان صفحة جديدة مع مطالبين بالديمقراطية بالمنفى فتعيدهم للوطن والنشاط العام والإسهام الإيجابي بحاضرعا ومستقبلها.

قد يسيطر الحكام بالقمع على موارد البلاد لكنه يغتال الإبداع ويقتل روح المبادرة والشفافية والمساءلة والمحاسبة التي بدونها لا تتجاوز الأمم أزماتها.

*     *     *

تستطيع نظم الحكم أن تقمع بعض الناس طوال الوقت. إلا أنها لا تستطيع أن تقمع كل الناس طوال الوقت.

تستطيع نظم الحكم أن تقمع كل الناس جزءا من الوقت. إلا أنها لا تستطيع أن تقمع كل الناس طوال الوقت. قد يمكن القمع الحكام من البقاء، إلا أنه يدفع بهم من أزمة إلى أخرى ومن موجة غضب شعبي قائمة إلى موجات محتملة وقادمة في المستقبل.

قد يغرس القمع مشاعر الخوف بين الأغلبية البعيدة عن دوائر الحكم والنفوذ والثروة، إلا أنه تدريجيا يجردها من الخوف ما أن تعتاد على سلب الحرية والتعقب والتهديد. قد يغرس القمع مشاعر الخوف بين الأغلبية لبعض الوقت، إلا أنه يفرض على الحكام بارانويا الخوف طوال الوقت.

يجتاح الخوف الحكام ويسيطر على إدراكهم وفعلهم؛ الخوف من مؤامرات متوهمة ومتآمرين مزعومين، الخوف من غضب شعبي ظاهر وكامن، الخوف من تداعيات الظلم العصية على التقدير والتوقع.

قد يمكن القمع الحكام من صناعة الصورة النمطية «للرئيس مرهوب الجانب» وللحكم «الذي لا يخطئ» وللدولة ذات «الهيبة»، إلا أنه يجردهم اليوم وغدا من القبول الشعبي وينزع الثقة الشعبية عن مؤسسات وأجهزة الدولة التي يوظفونها ويقضي على هيبة الدولة التي لا استقرار لها على المدى المتوسط والطويل سوى بالعدل.

قد يسمح القمع للحكام وللمؤسسات والأجهزة المساندة لهم وللنخب المتحالفة معهم بالسيطرة على موارد المجتمع وتوجيهها إلى القطاعات التي يريدون تقديمها على غيرها.

إلا أن القمع يغتال طاقات الإبداع لدى المواطن ويميت روح المبادرة الفردية وينحر قيم الشفافية والمساءلة والمحاسبة التي دونها لم تتجاوز الأمم أزماتها أو تصنع تقدمها.

قد يغري القمع الحكام بالاعتماد عليه كأداة وحيدة لإدارة شؤون المواطن والمجتمع والسلطة على نحو يخلصهم من إزعاج المعارضين ويضمن طاعة الجموع، إلا أنه ينتج اختلالات كارثية في طبيعة العلاقة بين الناس والحكم التي تطغى عليها سمات الخوف والطمع، القبول نفاقا والرفض صمتا، ضجيج التأييد طلبا للمنافع وصمت العازفين تحايلا.

قد تتواطأ القوى الكبرى المؤثرة في الجماعة الدولية مع القمع الذي يحدث في مناطق من العالم ذات أهمية استراتيجية أو تتنوع صراعاتها والتهديدات التي تصدرها، إلا أن القوى الدولية ومهما توثقت تحالفاتها مع نظم الحكم غير الديمقراطية وباستثناء وحيد تمثله روسيا الاتحادية لن تمد يد العون لإنقاذ نظام غير ديمقراطي يتهاوى تحت وقع خطوات شعب تاق للحرية.

قد يحافظ القمع على حقائق الحكم والنفوذ والثروة دون تغيير وقد يخضع أغلبيات شعبية مظلومة ومضطهدة ومهمشة لإرادة الحكام وأجهزتهم وحلفائهم، إلا أنه أبدا لا يبني المجتمع الآمن والمستقر الذي نريده جميعا ولا الدولة الوطنية القوية التي نحلم بها.

لا يشيد القمع جمهوريات خوفه إلا على رمال متحركة وكلفته على المواطن والمجتمع والدولة عالية.

وفي عالمنا العربي، وتحديدا في منطقة الخليج، حسنا تفعل الحكومية العمانية بفتح صفحة جديدة مع المعارضين والمطالبين بالديمقراطية في المنافي أساسها إعادتهم إلى الوطن والسماح لهم بالنشاط العام ومن ثم بالإسهام الإيجابي في حاضر سلطنة عمان ومستقبلها.

* د. عمرو حمزاوي باحث بجامعة ستانفورد، أستاذ العلوم السياسية المساعد سابقا.

المصدر | القدس العربي