الأربعاء 29 يوليو 2020 09:57 ص

اندلعت جائحة "كورونا" في الصين في أسوأ وقت ممكن بالنسبة للإمارات، حيث كانت العلاقات بين الإمارات والصين في وضع ممتاز قبل التفشي.

فقد كانت الشراكة الثنائية بين البلدين في طريقها للتحول إلى شراكة جيواقتصادية وجيوسياسية، مدعومة بالتبادل الاقتصادي المتزايد.

تعد الإمارات الشريك الاقتصادي الرائد لبكين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع وجود أكثر من 4 آلاف شركة صينية تعمل في الدولة، ومنذ عام 2015، حققت التجارة الثنائية نموًا سنويًا بنسبة 10% تقريبًا، لتصل إلى ما مجموعه 35 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من عام 2019.

يمثل النفط الخام والغاز الطبيعي معظم صادرات الإمارات (وكذلك معظم صادرات المنطقة) للصين، لكن العلاقات الثنائية تعمقت إلى ما هو أبعد من ذلك منذ زيارة الرئيس "شي جين بينغ" للإمارات في عام 2018.

تمثل الإمارات بالنسبة للصين أولاً وقبل كل شيء مركزًا حاسمًا لإعادة التصدير إلى المنطقة الأوسع، حيث تمر حوالي 60% من صادرات الصين عبر موانئ الإمارات.

وتتجلى أكبر الإمكانات التي قد تحققها هذه الشراكة في في مجال التجارة البحرية ومبادرة الحزام والطريق الصينية.

موانئ دبي العالمية بين الصين والإمارات

في العقود الأخيرة، استثمرت الإمارات بكثافة في الابتكار الرقمي، كجزء من استراتيجيتها للتنويع، كما استثمرت في الخدمات المالية ولوجستيات النقل والسياحة.

ويعتبر حجر الزاوية في هذا التحول هو إنشاء "موانئ دبي العالمية"، وهي الشركة العالمية الرائدة في إدارة الموانئ وتطوير البنية التحتية والتي ترتبط بالعائلة الحاكمة في دبي.

غالبًا ما تتقاطع العمليات الخارجية لـ"موانئ دبي العالمية" مع السياسة الخارجية لإمارة أبوظبي، خاصة منذ عام 2009، عندما تعزز التعاون بين أبوظبي ودبي بشكل كبير، عبر خطة إنقاذ أبوظبي لدبي.

ومن خلال توجيه الاستثمارات لتطوير وتحديث الموانئ في جميع أنحاء العالم؛ برزت موانئ دبي العالمية كأداة جيواقتصادية وجيوسياسية قيمة لتعزيز العلاقات السياسية بين أبوظبي والدول المضيفة.

لكن الشركة العملاقة تواجه الآن أكبر مشروع بنية تحتية تم تصميمه على الإطلاق، وهو طريق الحرير البحري، أي الممر البحري لمبادرة الحزام والطريق والممتد من الصين إلى أفريقيا وأوروبا.

تحرص كل من الشركة والإمارات على المشاركة، ففي عام 2018، وقع سوق أبوظبي العالمي مذكرة تفاهم مع بورصة شنجهاي، لإنشاء "بورصة الحزام والطريق" لتكون بمثابة منصة دولية لجمع رأس المال لدعم المشاريع ذات الصلة بمبادرة الحزام والطريق.

ولولا جائحة الفيروس التاجي، لاستضافت دبي قمة مبادرة الحزام والطريق لعام 2020 في أبريل/نيسان.

بدأت "موانئ دبي العالمية" العمل بالفعل على العديد من الموانئ على طول طريق الحرير البحري، بما في ذلك 4 في الصين نفسها، وقد بذلت جهودًا كبيرة لتوسيع هذه الشبكة.

وبفضل الامتيازات الممتدة للعقود الطويلة والممنوحة إلى "موانئ دبي العالمية"، تتحكم الإمارات أو تتمتع بامتياز الوصول إلى المرافق الساحلية في جنوب اليمن -بما في ذلك جزيرة سقطرى ذات الموقع الاستراتيجي- وإريتريا وأرض الصومال وبونتلاند والسودان ومصر وليبيا وقبرص وأماكن أخرى.

سيسمح تعزيز الإمارات لموقعها في شرق البحر الأبيض المتوسط بربط سلسلة الموانئ، التي تمتد من ميناء جبل علي في دبي إلى قلب أوروبا، وبالتالي إعادة الاتصال بممرات الحزام والطريق الأخرى.

وستحول هذه الاستراتيجية الطموحة الإمارات إلى زعيمة الفرع الإقليمي من مبادرة الحزام والطريق وتعزز مكانة الدولة كشريكة للصين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ويقول المؤرخون والدبلوماسيون الإيطاليون الذين يراقبون الاستراتيجية، إن دولة الإمارات أصبحت تشبه نسخة عربية حديثة من جمهورية البندقية خلال عصر النهضة؛ أيّ أنها دولة تجارية تبسط نفوذًا بحريًا وسلطة ذكية، ولكن هناك عقبات كثيرة في طريق النجاح.

خيار واحد

جاءت العديد من جهود دولة الإمارات للعب مثل هذا الدور الرئيسي في مبادرة الحزام والطريق في الأصل استجابة لخوفها من استبعادها من المشروع بالكامل.

ووفقا لخطط بكين الأولية، كان ينبغي أن يمتد الممر البحري لمبادرة الحزام والطريق بعيدا عن دولة الإمارات.

فقد كان الميناء الرئيسي في المحيط الهندي (ولا يزال) هو "جوادار" الباكستاني، الذي يقع على بعد 400 ميل من الإمارات.

بنت بكين ميناء "جوادار" بالكامل تقريبًا من الصفر، وهو ميناء استراتيجي بشكل خاص لأنه يسمح للصين بتجاوز بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه ومضيق ملقا الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة.

أما في الخليج، فقد راهنت الصين على ميناء "الدقم" العماني، ومن المتوقع أن تصبح منطقة التجارة الحرة بميناء "الدقم" أكبر منطقة في الشرق الأوسط.

يختلف "الدقم" عن موانئ الإمارات في كونه يسمح للصين بتجنب مضيق آخر محفوف بالمخاطر، وهو مضيق هرمز، والذي يتأثر بالسياسة بين الولايات المتحدة وإيران والتوترات بين السعودية وإيران.

منافسة شرسة

ومن المقرر أن يعبر أحد ممرات الأراضي التابعة لمبادرة الحزام والطريق عبر إيران، التي وقعت اتفاقية شراكة مدتها 25 عامًا مع بكين، وعملت دول خليجية أخرى مثل قطر والكويت بجد لجذب الاستثمارات الصينية، لذا فإن الإمارات أمامها منافسة شرسة في المنطقة.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن للصين نفسها أن تنظر إلى الإمارات كمنافس يهدد بشكل مباشر مكانتها في صناعة النقل البحري، وقد تجلى ذلك بشكل خاص خلال نزاع بين الاثنين حول ميناء جيبوتي الاستراتيجي في 2018.

وفي فبراير/شباط من ذلك العام، ألغت حكومة جيبوتي من جانب واحد امتيازًا مدته 30 عامًا تم منحه لموانئ دبي العالمية لإدارة وتشغيل محطة حاويات "دوراليه".

وبعد ذلك بفترة وجيزة، عُرضت "دوراليه" على مجموعة "تشاينا ميرشانتس القابضة" الصينية ذات الوزن الثقيل في مجال الخدمات اللوجستية وإدارة الموانئ.

ونتيجة لذلك، تقاضي موانئ دبي العالمية الآن المجموعة الصينية، مع كون فرص النجاح ضئيلة، وأظهر الخلاف الجيبوتي أنه بينما تحرص الإمارات على رسم خطوط حمراء لئلا تصبح شريكا خاضعا لبكين، فإن المنافسة ليست خيارا.

هناك عقبة أخرى أمام الدبلوماسية الإماراتية تتمثل في أن البلاد تفتقر إلى استراتيجية متسقة بالكامل، ففي حين يبدو أن "موانئ دبي العالمية" في وضع أفضل للشراكة مع الصين، فقد اعتمدت الإمارات أيضًا على موانئ أبوظبي، وهي شركة موانئ إماراتية أخرى، مرتبطة بالعائلة الحاكمة في أبوظبي.

وُلدت هذه الشركة المملوكة للدولة حول "ميناء خليفة"، وهو منشأة بمليارات الدولارات تخدم مدينة أبوظبي وتقع على بعد 25 ميلاً فقط من "جبل علي" في دبي.

في عام 2019، ضاعفت موانئ أبوظبي تقريبًا حجم الحاويات المتداولة في "ميناء خليفة" بعد أن وقعت اتفاقية مع شركة "MSC" وامتيازًا مع شركة "COSCO Shipping Ports"، الصينية الرائدة في إدارة الموانئ.

هذه المنافسة الداخلية على حصة في مبادرة الحزام والطريق بين الشركتين ليست أمرا جديدا على هذه الدولة الفيدرالية الصغيرة، التي تفتخر بـ7 عائلات حاكمة مختلفة، ويمكن أن تقوض هذه المنافسة فعالية البلد ككل، خاصةً أن مواجهة وباء "كورونا" استنفد الموارد المالية وشدد المنافسة.

وأخيرًا، هناك عقبة جديرة بالملاحظة أمام تقدم الإمارات، وتتمثل في كيفية ضمان أمن هذه الأصول الساحلية، التي تقع غالبًا في البلدان غير المستقرة والتي تعاني من الصراعات.

وإذا كان هذا بالفعل يمثل تحديًا كبيرًا للصين، التي تعمل على تطوير شبكتها من شركات الأمن البحري الخاصة، فسيمثل تحديًا أكبر بالنسبة لدولة صغيرة مثل الإمارات.

صحيح أن الجيش الإماراتي أثبت فعاليته في القتال، لكنه ركز بشكل عام على عمليات خاصة للتغلب على افتقاره إلى الموارد البشرية، وكثيرًا ما اعتمد على المتعاقدين الأجانب (خاصة الغربيين أو الأمريكيين اللاتينيين) لدعم قواته.

ومع ذلك، فإن الاعتماد على المتعاقدين الأجانب لحراسة الأصول الساحلية الاستراتيجية من شأنه أن يعرض الإمارات لمخاطر كبيرة، مثل المخاطر التي تسببها الثقة في القوات المحلية لتوفير الأمن في ظروف غير مستقرة.

أثار طريق الحرير البحري سباقاً للحصول على الاستثمارات الصينية في الخليج، وتمكنت الإمارات أن تكون الرائدة في ذلك، بسبب مكانتها القوية في مجال الخدمات اللوجستية البحرية. ومع ذلك، فإن السباق لم ينته بعد.

فمع استمرار احتدام التنافس بين الولايات المتحدة والصين، من المرجح أن تخضع الشراكة الإماراتية الصينية للاختبار سياسيًا، فبالرغم من التراجع الأمريكي، تبدو بكين غير راغبة في الانخراط في سياسات وصراعات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

فضلت الصين المشاركة مع دول الخليج على وجه التحديد لأنها -على عكس العديد من دول المنطقة الأخرى- تتمتع بدرجة من الاستقرار السياسي، ولكن، من ناحية أخرى، لا يوفر هذا النهج الصيني غير التدخلي إزاء دول الخليج بديلاً حقيقيا عن الولايات المتحدة، وبالتالي، لن تخاطر ممالك الخليج بعلاقاتها مع واشنطن للحفاظ على استراتيجياتها مع الصين.

وفي نهاية المطاف، يبدو أن الجغرافيا السياسية أصبحت الأساس في الخليج مجددًا.

المصدر | تشينزيا بيانكو | ميدل إيست إنستيتيوت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد