أُسَر في مواجهة الطوفان

تواترت أخبار المشاهير والفاشنيستات وعلاقتهم بجرائم غسل الأموال رغم أنها علاقة لم تتأكّد قضائياً بعد.

هل أصبحت تلك الفتاة من الذين أسهموا بسرعة شديدة في تغيير سلوكيات كثيرة في الجيل الجديد فعلاً؟

هل غرقت زميلتي القديمة وعائلتها بالأموال كما وعدتها ابنتها ما اضطرها إلى السكوت ونسيان الصداقات والزمالات القديمة؟

أم غرقت بهموم لم أفهم أسبابها والمبالغة فيها حتى تعرّفت بعالم مشاهير لا يفعلون إلا إقناع الشباب باستهلاك باهظ وشراء كماليات لا يتصوّرون الحياة بدونها؟

لا تكاد أسرةٌ تنجو من طوفان وجد الأهل أنفسهم عاجزين عن مواجهته ومعالجة آثاره المدمّرة على أبنائهم لهذا تجنب كثيرون مواجهته والاستفادة من معطياته المادّية.

*     *     *

تبقى حكايات الناس الحقيقية خير واعظ للنفوس ومفسّر للأحداث. ولذلك أعود إلى حكاياتي الشخصية أحياناً، لتفسير بعض ما يجري حولي. ومنها مثلاً حكايات مشاهير الناس التي طغت على يومياتنا أخيراً، ما بين مصدّق ومكذّب ومُبالغ ومهوّن. وفي كل حالةٍ تطلّ الحكايات الشخصية برأسها لتفسّر وتعظ.

في ظل ما يثار هذه الأيام عن مشاهير التواصل الاجتماعي في دول الخليج، من سلوكياتٍ مجرّمة على الصعد، الأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي، تذكّرت شكوى زميلة، قبل سنوات قليلة، مما طرأ على ابنتها المراهقة، ذات الوجه الصبوح والأناقة اللافتة، من تصرّفات جديدة وغريبة.

قالت لي الأم يومها إن ابنتها التي كانت في مرحلة الثانوية العامة أهملت دراستها لصالح هوايتها في وضع مساحيق التجميل على وجهها، ووجوه شقيقاتها الصغيرات وصديقاتها أيضاً.

وإن البنت أصبحت موهوبة فعلاً في فنّ وضع المساحيق التجميلية، إلى درجة أنها أصبحت تتلقى عروضاً من صاحبات محلات التجميل للعمل فيها، وهي في السابعة عشرة من عمرها.في تلك الأثناء، لم أكن قد سمعت بظاهرة "الفاشنيستات"، كما أصبحت تسمّى مدونات الموضة والتجميل ومشاهير التواصل الاجتماعي.

لذلك، استغربت من حجم القلق الذي كانت تشعر به زميلتي الأم، ودعوتُها إلى أن تسمح لابنتها بممارسة هواية تحبها ما دامت في حدود المعقول، ولن تؤثر بدراستها، خصوصاً أنها في السنة الأخيرة من سنوات المدرسة.

لكن كلامي لم يكن ليخفّف من قلق الأم التي فقدت السيطرة على تصرّفات ابنتها شيئاً فشيئاً لاحقاً. وعندما أتت بمجموع درجات في نهاية السنة لا يؤهلها لدخول الجامعة، كما هو مخطط لها، هوّنت الفتاة الطموح من الأمر، معلنة لوالدتها ولوالدها أيضاً أنها ستصبح "فاشنيستا"، وأنها ستغرقهم عندها بالأموال، كما لم يحلمان من قبل.

لا أعرف كيف انتهى الأمر بزميلتي وابنتها، بعد أن اختفت من حياتي، بسبب تركها المجال الصحافي كله، لكنني تذكّرتها وتذكّرت حكايتها مع ابنتها هذه الأيام، بعد أن تواترت أخبار المشاهير والفاشنيستات وعلاقتهم بجرائم غسل الأموال، على الرغم من أنها علاقة لم تتأكّد قضائياً بعد.

فهل أصبحت تلك الفتاة من هؤلاء الذين أسهموا، وبسرعة شديدة وانقلابية، في تغيير سلوكيات كثيرة في الجيل الجديد فعلاً؟

هل غرقت زميلتي القديمة وعائلتها الكريمة بالأموال، كما وعدتها ابنتها، ما اضطرها إلى السكوت ونسيان الصداقات والزمالات القديمة؟

أم غرقت بهمومها التي كنت لا أفهم أسبابها والمبالغة فيها، حتى تعرّفت لاحقاً بهذا العالم الذي يموج بمشاهير لا يفعلون شيئاً حقيقياً سوى إقناع الناس، وخصوصاً الشباب والشابات، بنمط استهلاكي مبالغ فيه عبر شراء سلع وكماليات يعلنون عنها، ويصوّرون الحياة ناقصةً من دونها؟

لا أدري بالضبط. لست متأكّدة مما يجري، فالقضايا طور التحقيق، والأخبار متواترة ومتناقضة أحياناً. وربما ليس من الحكمة الوصول إلى نتيجةٍ نهائيةٍ في هذا الشأن قبل أن تضع المحكمة كلمتها.

لكنني أصبحت أتفرّس في وجوه هؤلاء الفاشنيستات، بحثاً عن ملامح شبهٍ تعيد إليّ وجه الزميلة القديمة، ليس على سبيل الفضول وحسب، بل أيضاً لتكون مدخلي في فهم هذه الظاهرة، وخصوصاً فهم ما أحدثته على الصعيد الأخلاقي، في أسر خليجية كثيرة وجدت نفسها تواجه طوفاناً عاتياً من المفاهيم التي قلبت ما اتفقنا عليه من سلوكيات.

ولا تكاد أسرةٌ تنجو من تبعات هذا الطوفان الذي وجد الآباء والأمهات أنفسهم عاجزين عن مواجهته، ومعالجة آثاره المدمّرة على أبنائهم، وربما لهذا انخرط كثيرون منهم في تجنب مواجهته، والاستفادة الآنية من معطياته المادّية.

* سعدية مفرح كاتبة وصحفية وشاعرة كويتية.

المصدر | العربي الجديد