السبت 1 أغسطس 2020 07:55 ص

الكاظمي بين الحياد والوساطة

هل تصلح زيارة الكاظمي المنتظرة للرياض ما أفسدته زيارته لطهران؟

هل كانت النتائج ستتغير لو أن جولة الكاظمي بدأت في غير طهران؟

«زيارة الكاظمي لإيران تستهدف توطيد العلاقات الثنائية وليس القيام بوساطة».

رفض الإيرانيون بشدة دعوة «الحياد» وأكدوا عزمهم تثبيت قواعد الاشتباك مع أمريكا عبر العراق.

لم يستطع الكاظمي احتواء توتر إيران فهي ترفض بالمطلق مبدأ حياد العراق في صراعها ضد أمريكا وتريد العراق طرفاً أساسياً بـ«محور المقاومة».

*     *     *

لم يستطع أي من الطرفين الإيراني، والعراقي، إخفاء شدة التوتر التي حكمت فعاليات زيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي لإيران يوم 21 يوليو/ تموز الجاري، وهي أول زيارة يقوم بها خارج العراق ضمن جولة جرى الحديث أنها ستشمل دولاً أخرى.

هذا التوتر كانت له نتائجه السلبية على زيارة الكاظمي، وكانت له أيضاً أسبابه، ما دفع إلى التساؤل: هل كانت النتائج ستتغير لو أن جولة الكاظمي بدأت في غير طهران؟

كان تخطيط الكاظمي أن تبدأ الجولة فعلاً بالرياض، وكتبت الصحف السعودية يوم الأحد، 19 يوليو/ تموز الجاري، أن رئيس الوزراء العراقي «سيصل إلى السعودية، غداً الاثنين (20/7/2020) في زيارة رسمية تلبية لدعوة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان».

وأكد ذلك قحطان الجنابي السفير العراقي لدى السعودية، وحدد أهداف الزيارة بأنها ستركز على تطوير العلاقات العراقية- السعودية، وتعزيزها في جميع المجالات، إلى جانب تطوير علاقة العراق بمحيطه العربي، وجيرانه.

وأشار الجنابي إلى وصول وفد عراقي برئاسة نائب رئيس الوزراء ووزير المالية علي علاّوي، السبت (18/7/2020)، لبدء اجتماعات مجلس التنسيق السعودي- العراقي.

كل هذا يعني، بل ويؤكد، أن كل ترتيبات أن يبدأ الكاظمي جولته بزيارة الرياض كانت مجهزة ومرتبة من دون أدنى شك، والمؤكد أيضاً أن هذا الترتيب لجولة الكاظمي أن تبدأ بالرياض ثم طهران كانت له انعكاساته السلبية في إيران على الأقل، من منظور المكانة المعنوية التي تحرص عليها إيران.

الأمر اللافت والمثير للاهتمام أن محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني وصل إلى بغداد، يوم الأحد (19/7/2020)، أي في اليوم نفسه الذي كان من المفترض أن يزور فيه الكاظمي الرياض.

زيارة ظريف في هذا الوقت تثير هي الأخرى تساؤلاً مهماً بخصوص السبب الحقيقي لتأجيل زيارة الكاظمي للسعودية..وهل كانت زيارة ظريف ولقائه مع رئيس الحكومة السبب في تغيير وجهة جولة الكاظمي؟

السؤال مهم لأنه يأخذنا إلى جوهر المشكلة التي سببت التوتر الذي حاق بزيارة الكاظمي لإيران، حيث كان القادة الإيرانيون، سواء المرشد علي خامنئي، أو رئيس الجمهورية حسن روحاني، واضحين في رفض مسألة «حيادية السياسة العراقية»، التي تحدث عنها الكاظمي.

وقوله في مؤتمره الصحفي مع روحاني إن «العراق مهتم بألا يصبح ساحة معركة بين إيران، والولايات المتحدة»، وأن شعب العراق «يريد علاقات طيبة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية مبنية على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لكلا البلدين».

ورغم أن الكاظمي كان حريصاً على أن يؤكد، في الوقت نفسه على أن «العراق لا يمكن أن يكون، ولن يسمح، أن يكون هناك أي تهديد للجمهورية الإسلامية من الأراضي العراقية» إلا أنه لم يستطع احتواء التوتر الإيراني، لأن طهران ترفض بالمطلق مبدأ حيادية العراق في الصراع الذي تخوضه ضد أمريكا، وهي تخطط لأن يكون العراق طرفاً أساسياً في ما تسميه بـ«محور المقاومة».

أفسد الكاظمي بطرح هذه الحيادية مع عرض المهمة الأهم لزيارته، وهي أن يكون العراق وسيطاً بين إيران والمملكة العربية السعودية، في حل المشاكل الخلافية.

حديث الوساطة العراقية بين الرياض، وطهران، حديث ممتد أكده عادل عبد المهدى رئيس الحكومة العراقية السابق في مداخلته أمام البرلمان العراقي عقب الاغتيال الأمريكي للجنرال قاسم سليماني، بنفيه ما ردده الأمريكيون لتبرير عملية الاغتيال بأنه، أي سليماني «جاء إلى العراق للتخطيط لعمليات إرهابية ضد القوات الأمريكية في العراق».

وأكّد أن سليماني «جاء إلى العراق يحمل رسالة إيرانية للرد على رسالة سعودية هادفة لتحقيق انفراج في أوضاع المنطقة».

كانت هناك العديد من الإشارات الإيرانية والسعودية تدور في إطار «البحث عن تهدئة»، أبرزها حديث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع قناة «سي. بي. إس» الأمريكية (30/9/2019) الذي قال فيه «إننا نفضل الحل السياسي مع إيران، ومنفتحون على كل المبادرات السياسية لإنهاء الحرب في اليمن».

وكذلك قول علي لاريجاني، وقت أن كان رئيساً لمجلس الشورى الإيراني (البرلمان) في حديث تلفزيوني (1/10/2019) إن إيران «ترحب برغبة السعودية في حل الخلافات عبر الحوار، وإن أبواب إيران مفتوحة لذلك، والحوار السعودي- الإيراني يمكنه حل الكثير من مشاكل المنطقة الأمنية والسياسية».

طرح الكاظمي دعوة «حيادية العراق» أفسده مسعى العراق للقيام بدور الوساطة بين الرياض وطهران، وهي الوساطة التي كان يمكن أن ترتب نتائج شديدة الأهمية، إن حدثت، لمسعى العراق في الحفاظ على حياديته، لأن نجاح الحوار السعودي- الإيراني، عبر وسيط عراقي كان يمكن أن ترتب اختراقاً عربياً مهماً داخل العراق لموازنة النفوذ الإيراني، لكن بالربط بين دعوة «الحيادية» ومسعى الوساطة جعل الإيرانيين يرفضون «الحيادية»، ويرفضون «الوساطة» العراقية.

فقد كتبت صحيفة «إيران ملي» الإصلاحية أن «زيارة الكاظمي لإيران تستهدف توطيد العلاقات الثنائية، وليس القيام بوساطة»، كما رفض الإيرانيون بشدة دعوة «الحيادية»، وأكدوا عزمهم على تثبيت قواعد الاشتباك مع الولايات المتحدة عبر العراق.

اختتمت زيارة الكاظمي لإيران بتأكيد اهتمامات إيرانية بتوطيد العلاقات الثنائية وإعلان الرئيس روحاني أن إيران، والعراق «تأملان في زيادة حجم التبادل التجاري بينهما إلى 20 مليار دولار سنوياً»، ويبقى السؤال الأهم هو: هل يمكن أن تصلح زيارة الكاظمي المنتظرة للرياض ما أفسدته زيارته لطهران؟

* د. محمد السعيد إدريس باحث بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام

المصدر | الخليج - الشارقة