حتى وقت قريب، كانت هيمنة روسيا على أسواق الغاز الطبيعي في تركيا تبدو مطلقة ولا يمكن منازعتها.

ولكن في هذه الأيام، لم يعد الحال كما كان، وتحدث تغييرات كبيرة في خريطة استيراد الغاز في تركيا الذي تعد ثاني أكبر عميل للغاز الروسي بعد ألمانيا.

ووفقا لهيئة تنظيم سوق الطاقة في أنقرة، فقد استوردت البلاد 2.06 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال في مارس/آذار الماضي، بنسبة 52% من الغاز الذي تلقته أنقرة خلال هذه الفترة.

وتسلمت تركيا هذه الشحنات من خلال السفن وأعادت تحويلها إلى محطات تقع على سواحل البلاد.

ولفهم حجم ومدى التغير الحادث، يجدر بنا أن نشير إلى أن الغاز المسال شكّل نسبة 29% من واردات تركيا من الغاز في عام 2019.

وبدافع انخفاض الأسعار، تكثف شركة "بوتاش" الوطنية التركية مشترياتها من "سوناطراك" الجزائرية و"قطر غاز" و"ني إن إل جي" النيجيرية، من خلال عقود توريد طويلة الأجل.

وتشتري تركيا أيضا من السوق الفورية للغاز الطبيعي المسال، لاسيما من الشركات الأمريكية، وبالرغم من كل التوترات الدبلوماسية بين أنقرة وباريس، لم يكن لدى "بوتاش" مشكلة في توقيع اتفاق لمدة 3 أعوام مع "توتال" الشهر الماضي.

أخبار سيئة

ويعد صعود حصة الغاز الطبيعي المسال في تركيا أخبارا سيئة بالنسبة إلى روسيا، وتقليديا، قدمت "غازبروم" الروسية أكثر من نصف الغاز الداخل إلى تركيا.

ومع ذلك، انخفضت حصة الشركة في الأسواق التركية من 52% (28.69 مليار متر مكعب) في 2017 إلى 47% (23.64 مليار متر مكعب) في 2018، ثم إلى 33% فقط (15.9 مليار متر مكعب) في 2019.

وبينما يتحدث الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، والرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" عن مشروعات طموحة للطاقة، مثل مثل خط أنابيب "ترك ستريم" الذي تم افتتاحه مؤخرا، تعتمد الصناعات والأسر التركية بشكل أقل على الغاز الروسي.

ويعد تحول تركيا إلى الغاز الطبيعي المسال طبيعيا بالنظر لأسعاره المنخفضة والاستثمار في البنية التحتية للاستيراد والتخزين في الأعوام الأخيرة.

وتم تشغيل وحدتين لتخزين للغاز مؤخرا، واحدة في "أليجا" في إزمير في ديسمبر/كانون الأول 2016، والأخرى خارج "دورتيول" في "هاتاي" في فبراير/شباط 2018.

وهناك وحدة ثالثة مخطط لها على ساحل بحر إيجه التركي، وتعمل "بوتاش" أيضا على توسيع سعة التخزين، بهدف الوصول إلى 5.4 مليار متر مكعب بدلا 1.2 مليار متر مكعب في الوقت الحاضر، وهو رقم يناظر أقل من 3% من الاستهلاك السنوي في عام 2019.

وتسمح مشاريع تطوير التخزين، مثل مشروع بحيرة طوز بوسط الأناضول، بالكثير من المرونة، وتقدمت شركة "إنكا"، وهي مجموعة خاصة، مؤخرا بطلب للحصول على تصريح لبناء وحدة تخزين ومعالجة جديدة بالقرب من مدينة إزمير الساحلية.

وستكون تلك خامس منشأة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال في تركيا، وستمكن تركيا من شراء وتخزين المزيد من الغاز، سواء كانت شحنات الغاز الطبيعي المسال أو عبر خطوط الأنابيب، في الأوقات التي تنخفض فيها الأسعار، والعودة لضخها في الشبكة أثناء ذروة الطلب، كما هو الحال في فصل الشتاء عندما يبدأ موسم التدفئة في المدن الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة.

منافسة محتدمة

وتتجاوز الزيادة في الطلب على الغاز الطبيعي المسال حدود تركيا. ففي الجوار، كانت اليونان في حالة فورة شراء أيضا، وفي الربع الأخير من عام 2019، استوردت شركة "ديبا"، الشركة الوطنية اليونانية، 1.2 مليار متر مكعب، بزيادة 3 أضعاف مقارنة بالفترة نفسها من عام 2018.

وبشكل عام، تلقت اليونان 2.8 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال، و2.4 مليار متر مكعب من الغاز الروسي من خلال خط الأنابيب، في عام 2019.

وفي نفس العام، باعت "ديبا" شحنة صغيرة من الغاز الطبيعي المسال إلى "بولغار غاز" البلغارية، وهي أول صفقة لها عبر الحدود.

وتتعاون اليونان وبلغاريا أيضا في مشروع وحدة تخزين قبالة ميناء ألكسندروبوليس في الجزء الشمالي الشرقي من البلاد.

وفي شهر يناير/كانون الثاني، أكدت شركة "بولغار ترانس غاز"، مشغل الشبكة البلغارية، عزمها على شراء حصة 20% في "غاز تريد"، الشركة التي تقف وراء المشروع.

وتمتلك "ديبا" حصة 20% من المشروع، ومن المتوقع أن تقفز "روما غاز" الرومانية إلى الساحة أيضا. وأبدت الولايات المتحدة اهتماما أيضا بالمشروع، وكان ذلك أحد بنود جدول الأعمال خلال اجتماعات الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" مع رئيس الوزراء البلغاري "بويكو بوريسوف" في البيت الأبيض.

وارتفعت المشتريات اليونانية من الموردين الأمريكيين للغاز الطبيعي المسال في النصف الأول من عام 2020 كذلك.

بالإضافة إلى الغرب، تكشف كرواتيا قريبا عن محطة معالجة للغاز في جزيرة كرك في البحر الأدرياتيكي في أوائل العام المقبل بسعة 2.5 مليار متر مكعب سنويا.

وقد انتهزت الشركات الفرصة وقامت بحجز المنشأة بالكامل حتى نهاية عام 2023، ويحظى الغاز الطبيعي المسال بشعبية كبيرة في جنوب شرق أوروبا.

نفوذ إضافي

ويعني الغاز الرخيص لتركيا نفوذا إضافيا في المفاوضات مع روسيا.

وتحصل"بوتاش" على 16 مليار متر مكعب سنويا من الغاز الروسي عبر "بلو ستريم"، وهو خط أنابيب يعمل تحت البحر الأسود منذ عام 2005، ومن المقرر أن ينتهي هذا العقد في نهاية عام 2025.

وستحاول أنقرة دون أدنى شك استخلاص شروط أفضل من الروس، مثل الحصول على خصم على السعر أو تخفيض حصص الدفع، والتي تبلغ حاليا 80% من قيمة عمليات الشراء السنوية المتعاقد عليها.

وقال نائب وزير الطاقة، "ألب أرسلان بايراكتار"، في فبراير/شباط، إن "توفر الغاز الطبيعي المسال الفوري منخفض السعر، وتراجع الطلب على الغاز، إشارة إلى موردي خطوط الأنابيب الحاليين أنهم بحاجة إلى أن يكونوا مرنين".

وبالإضافة إلى روسيا، ترتبط تركيا بصفقة قياسية مع أذربيجان، وهي عقد بقيمة 6.6 مليار متر مكعب ينتهي في أبريل/نيسان 2021.

وسيتم تجديد عقد مدته 3 أعوام مع قطر لشراء الغاز الطبيعي المسال في نهاية العام، ولكن من المرجح أن يؤدي التحالف الدبلوماسي والأمني ​​بين أنقرة والدوحة إلى تسهيل المحادثات.

باختصار، تمضي تركيا قدما في تنويع روابط الطاقة الخارجية وتعزيز نفوذها، ويعمل هذا لصالح أنقرة في علاقتها بروسيا أيضا، نظرا لتعقيد تلك العلاقة.

لكن هذا قد لا يكون كافيا لتركيا لتحقيق طموحها طويل الأمد لتصبح قوة طاقة إقليمية، حيث يتسبب الركود الاقتصادي في البلاد إلى تراجع الطلب على واردات الهيدروكربونات.

وانخفض استهلاك الغاز في تركيا من 53.5 مليار متر مكعب في 2017، إلى 49.3 مليار متر مكعب في 2018، إلى 44.9 مليار متر مكعب في 2019، وهو الرقم الأدنى خلال الأعوام الـ5 الماضية.

ومع الركود الناجم عن فيروس "كورونا"، لا يبدو عام 2020 واعدا أيضا، بالرغم من التقييمات المتفائلة للحكومة.

المصدر | دميتار بتشيف | معهد الشرق الأوسط - ترجمة وتحرير الخليج الجديد