الثلاثاء 4 أغسطس 2020 06:03 ص

«ما بعد كورونا» المؤجّل تكرارًا

تغييرات (إيجابية) أوحت بها أزمة وباء كورونا خاصة في العقليات السياسية ما لبثت أن تلاشت.

صراعات الدول الكبرى لم تزد حدّةً وسخونةً فحسب بل تنذر بـ«حروب» يبدو بعضها غير تقليدي.

السباق إلى اللقاح يُخاض بكل وسائل علمية واستخبارية فلا شك أن مَن يتوصّل إليه أولاً، يحقّق التفوّق ومكاسبه.

تكمن الخيبة الكبرى في أن حرارة الصيف لم تساهم في قتل فيروس كورونا أو حصر توسّعه بل حصل العكس!

*     *     *

هو العيد الثاني الذي شهده المسلمون في ظل التباعد الاجتماعي، وسط ظروف مماثلة لأبناء الديانات كافة، خلافاً لما تعنيه الأعياد عادةً من طقوس اجتماع واحتفال.

هو الوباء الذي لا يرحم، ولا يمكن التهاون معه، ولا الإهمال، فرض قيوده وقواعده حتى على موسم الحجّ، فخفّض العدد من ثلاثة ملايين حاج قبل عام، إلى نحو عشرة آلاف هذه السنة، مكممين، متباعدين، وتأمّن معهم استمرار أداء الفريضة.

وفي عموم العالم الإسلامي، حيث يتقلّب انتشار فيروس كورونا صعوداً وهبوطاً، لم تُقَم صلاة الأضحى المبارك وفقاً للتقليد في المساجد، أو سُمح بها على نطاق ضيّق.

وهو أول صيفٌ منذ عقود لا أثر فيه لسفر وسياحة تتخمان المطارات والطائرات، ولا لإجازات ينتظرها الصغار والكبار للتغيير والاستكشاف.

الكل يقول إن حياته انقلبت رأساً على عقب، وفي كل المجالات، وما كان يظنّه مستحيلاً، كهذا المكوث الطويل في المسكن، أصبح مألوفاً، بل الخيار الوحيد لحماية الذات والآخرين في آن.

وتكمن الخيبة الكبرى في أن حرارة الصيف لم تساهم في قتل الفيروس أو حصر توسّعه، بل حصل العكس، وهناك توجّس الآن من الخريف، فالشتاء، عندما يبدأ التخالط بين الفيروس المستجد والإنفلونزا المعروفة.

تُظهر مراجعة أرقام الإصابات، منذ بداية تقليص الحظر والإقفال، أن الوتيرة «الكورونية» أصبحت مليونية أسبوعياً. استطاع الوباء في زخم الموجة الأولى أن يصيب ما يقرب من تسعة ملايين شخص، بين أواخر فبراير ومنتصف يونيو، ليقفز في موجته الثانية الحالية إلى نحو ثمانية عشر مليوناً.

الخبر الجيّد أن أكثر من أحد عشر مليوناً تعافوا، وهذا مؤشّر إلى تحسّن جهود الوقاية والعلاج تدريجياً، وتطوّر وعي الناس وتكيّفهم مع العادات الجديدة، وحتى إدراكهم أن الوباء باقٍ لفترة قد تطول أكثر من المتوقّع. ومع ذلك، كان من الملاحظ أخيراً أن الشباب كانوا أكثر نقلاً للفيروس، والأرجح بسبب التهاون أو الإهمال.

كل ذلك أُخذ في الاعتبار لإتاحة الخروج من الحجر الذاتي، مع توقّع ازدياد الإصابات، ذلك أن الإغلاق أضر كثيراً باقتصادات العالم.

وكانت الحكومات قد بدأت تتحدّث عن «ما بعد الوباء» واستعداداتها له، وبعض منها بميزانيات تحفيزية (الاتحاد الأوروبي أقر 750 مليار يورو، بريطانيا اعتمدت مبدئياً 350 مليار جنيه استرليني، والحديث في الولايات المتحدة عن تريليونيات الدولارات).

لكنها مضطرّة للاعتراف بأنها لا تعرف بدقّة متى يبدأ الـ«ما بعد»، لأن الفيروس لا ينفك يرجئه بانسلاله المستمر في حياة البشر.

الشيء الوحيد الذي يقرّ به الجميع هو استحالة تصوّر مسار العالم مع الوباء، لو لم تتوفّر التقنيات الحديثة للتواصل التي أتاحت لنسبة كبيرة من الناس مواصلة العمل عن بُعد. فلولاها لما عُقدت عشرات المؤتمرات لتسهيل إدارة الشؤون الدولية، وبفضلها أمكن تجنّب كمٍّ كبير من المشاكل اللوجستية والأمنية.

ما يؤسَف له أن التغييرات (الإيجابية) التي أوحت بها أزمة الفيروس، خصوصاً في العقليات السياسية، ما لبثت أن تلاشت. فالصراعات بين الدول الكبرى لم تزد حدّةً وسخونةً فحسب، بل تنذر بـ«حروب» يبدو بعضها غير تقليدي.

ولعل أهمها حالياً السباق إلى اللقاح، إذ يُخاض بكل الوسائل العلمية والاستخبارية وغيرها، فلا شك أن مَن يتوصّل إليه أولاً، يحقّق التفوّق ومكاسبه.

* عبد الوهاب بدرخان كاتب صحفي لبناني

المصدر | الاتحاد الظبيانية