الثلاثاء 4 أغسطس 2020 05:03 م

غالبا ما دار النقاش حول إرث الملك "سلمان بن عبدالعزيز" مستندا إلى مفارقة مبنية على تناقض واضح بين السياسات الإصلاحية والقمعية.

وأثرت كلتا السياستين على مجموعة واسعة من الأمراء البارزين وعموم المواطنين على حد سواء. وربما يكون أكثر ما لا ينسى هو حبس أفراد العائلة المالكة ذوي النفوذ في الفنادق والسجون الـ5 نجوم منذ عام 2018.

  • عائلة مالكة محطمة

سيغادر "سلمان" الحكم قريبا وسيبقى المنزل الملكي مُحطّما دون إصلاح. فقد رسخ نجله المتشدد "محمد بن سلمان" للأساليب الأكثر إهانة معتمدا المؤامرات ضد منافسيه وعشائرهم الممتدة، وهو عمل قد يطارده في المستقبل إذا تولى أمر العرش بعد زوال والده من المشهد.

وقبل عهد "سلمان"، اعتبر العديد من المراقبين أن الحكام السعوديين لديهم شرعية قوية ذات طبيعة تقليدية، مدعومة بعقد اجتماعي فعال بين الأمراء والعامة.

واستفاد كلاهما من دعم النفط الضخم وخدمات الرعاية الاجتماعية. ويُعتقد أن المملكة فريدة من نوعها لأن "آل سعود" الحاكمين حافظوا فيها على تقاليد التوافق بين أقوى العشائر والأمراء.

وحافظت العائلة الحاكمة على شبه وحدة واتفاق كانا ضروريين للحفاظ على هذا النظام الاجتماعي والسياسي غير المستقر، ممتدا عبر أجيال من النسل الملكي.

وإضافة إلى معاداة الأعضاء المؤثرين في العائلة الملكية، يبدو أن مملكة "سلمان" نفرّت أيضا حلفاءها الاجتماعيين التقليديين؛ أي المجموعات الدينية التي كانت دائما تدعم القيادة، بجانب الجماعات شبه المستقلة التي تأرجحت تاريخيا بين الرضوخ والمعارضة.

وترفض هذه الجماعات الآن بشدة جميع سياسات "سلمان" المتواضعة. وتم طرد أولئك الذين تمردوا من حين لآخر. أما أولئك الذين حظوا بالرعاية من حين لآخر فهم في السجن الآن. وفر آخرون من البلاد بحثا عن ملاذ آمن.

  • الكثير من الأعداء

ولم يتم تجاهل المجموعات القبلية التي أبدت ولاءها للملك وسارعت دائما لتقديم يمين الولاء فحسب، بل تم إذلالها أيضا. وكثيرا ما تتعرض للعنف ضد الأرواح والممتلكات.

وفي مملكة "سلمان"، من الحويطات في الشمال إلى عتيبة في الوسط، يتم تجاهل شيوخ القبائل وأفرادها أو استبعادهم تماما على أنهم بقايا من ماضٍ بعيد.

ووعدت مملكة "سلمان" برعاية المواطن الشاب الجديد بدلا من بقايا الماضي القبلي. وأصبح الدعاة المحنكون مثل "سعود القحطاني"، اليد اليمنى لولي العهد والذراع العالمي للتوعية؛ حيث يتم الترويج لهم وحمايتهم.

وفيما يتعلق بالقضاء على الصحفيين المزعجين في الخارج مثل "جمال خاشقجي" أو تخويف أولئك الذين بقوا في المملكة، أصبح الدعاة مجرد رجال دين يطيعون الأوامر دون جدال.

  • مستقبل كئيب

وفي حين تواصلت مملكة "سلمان" مع النساء ووعدت بتمكينهم، تم سجن أولئك اللواتي يطمحن إلى التحرر الحقيقي في السجون في جميع أنحاء البلاد. وعين "سلمان" وابنه العديد من النساء في مناصب عالية، وسمحا لهن بالقيادة وزيادة الظهور.

ومع ذلك، ارتعدت مملكة "سلمان" حين طالبت الناشطات بحقوق حقيقية، خارج عجلة القيادة أو ملعب كرة القدم.

وأثبتت النتائج غير المقصودة لتمكين المرأة بالمعنى الحقيقي أنها خطيرة ومتقلبة للغاية بالنسبة للنظام لتحملها.

وكان التعامل مع الشباب رهيبا بنفس القدر. وسهلت مملكة "سلمان" عن غير قصد نزوح الشباب والشابات الذين يفضلون وضع طالبي اللجوء في الخارج على إسكاتهم، أو الأسوأ من ذلك، الحبس داخل المملكة الصحراوية الغنية.

ولم تكن دور السينما وحلقات السيرك كافية لشراء ولائهم. وضد إرادتها، أنتجت مملكة "سلمان" جالية سعودية كبيرة هربت تحت أنف الملك مباشرة.

وس يترك "سلمان" المملكة لابنه بعد أن أصبحت صورتها صورته. ويستند إرثه إلى الوعد ببداية عهد جديد من الانفتاح والازدهار والتنوع الاقتصادي والفرص الوافرة للاستثمار والسياحة.

والأمر متروك لابنه لترويج هذه الرواية، ليس فقط عن المملكة الجديدة، لكن قبل كل شيء عن نفسه كوريث للعرش.

وعملت تمثيليات ولي العهد الشاب على خلط التقييم الجاد مع دعاية العلاقات العامة، والتفكير بالتمني، وتلاعبت بالمعلومات حول الدولة، وكل ذلك تم تصميمه من قبل مساعدي ولي العهد وأباطرة وسائل الإعلام، وقبلته وسائل الإعلام الخارجية في ظاهره.

وتمثل مملكة "سلمان" شكلا متطرفا من الاستقطاب الاجتماعي؛ حيث لا تستفيد سوى مجموعة صغيرة من الموالين من السخاء الملكي. وقد جعل هذا النظام الملكي عاملا مثيرا للانقسام يعجّل بالانشقاقات والعداء، على حساب الوحدة.

ومع انخفاض عائدات النفط اللازمة لإسكات الأصوات المعارضة المحتملة، ومع التهديدات المستمرة من المخاطر العالمية مثل "كورونا"، فإن مستقبل مملكة "سلمان" لم يكن أبدا أكثر قتامة مما هو عليه اليوم. ومن المشكوك فيه أن يكون ولي العهد قادرا على تصحيح هذا السجل وتحقيق الرضا المحلي بعد وفاة والده.

المصدر | مضاوي الرشيد / ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد