خطة للسلام أم لتجدد الصراع؟

الخطة الأمريكية لا تستجيب لأي من المطالب الفلسطينية وأبسطها حقهم في دولة مستقلة كاملة السيادة.

الخطة الأمريكية أحدثت انقلاباً فعلياً على كل مرجعيات التسوية السلمية، بل وعلى تعهدات الإدارات الأمريكية السابقة.

منظمات يهودية أمريكية حذرت من خطورة هذه الصفقة على السلام في المنطقة، وعلى مصير «الإسرائيليين» أنفسهم.

نحن مع رفض صفقة ترامب وطرح خطة فلسطينية لا تكتفي بتقديم بنودها بل تكشف عيوب الخطة الأمريكية ونواقصها أمام العالم.

هل غاب عن تفكير إدارة ترامب أن فرض الحل أحاديا على جانب يعترف له العالم بحقوقه المسلوبة يخلق ظروفاً لبيئة جديدة من العداوات بدلاً من نشر السلام؟

*     *     *

الخطة الأمريكية المسماة «صفقة القرن»، لا تنبئ بمكوناتها، وبكل ما سبقها، ولحق بها من إجراءات أمريكية، بأن نتيجتها ستكون للسلام «الإسرائيلي»- الفلسطيني، بل إنما يمكن أن نطلق مرحلة جديدة من الصراع.

وحسب رؤية «الإسرائيليين» الذين اعترضوا على بعض ما جاء في خطة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، فإن وصفها بأن غايتها السلام، هو أمر يتوقف على شرط وجود خطة بديلة تقابلها، تجعل الفلسطينيين شريكاً حقيقياً في تلك العملية، التي يفترض أنها تخص طرفين، أحدهما من يحتل الأرض، والثاني الطرف الخاضع للاحتلال.

وأن الجانب الأمريكي كان، وسيظل وسيطاً، وليس من يفرض رؤيته، في تجاهل لوجود الطرف الآخر. فالخطة الأمريكية لا تستجيب لأي من المطالب الفلسطينية، وأبسطها حقهم في دولة مستقلة، كاملة السيادة، وبالتالي فهي لن تجلب للطرفين السلام، وتلك رؤية بعض من «الإسرائيليين».

الوضع إذاً، يتطلب من الفلسطينيين أن يعلنوا للعالم رؤيتهم، بشكل تفصيلي يتضمن خطة تحقق سلام فعلي، مستنداً إلى القانون الدولي، وقرارات الأمم المتحدة، وتوافق دول العالم، خاصة الدول الأوروبية، على الأسس المتفق عليها لجلب السلام، خاصة مبادئ حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة.

وكما قالت الكاتبة «الإسرائيلية» والعضو السابق «بالكنيست» عن حزب العمل إينات ويلف، فإن خطة ترامب الحالية لن تجلب سلاماً، أو رخاء للفلسطينيين.

فهل غاب عن تفكير الإدارة الأمريكية أن فرض الحل من جانب واحد، على الجانب الذي يعترف له العالم بحقوقه التي تم تجاهلها، قد يخلق ظروفاً لإيجاد بيئة جديدة من العداوات، بدلاً من نشر السلام؟

إن ما يحدث من زحف خطة ترامب خطوة، وراء أخرى، بطمس أولويات الحق الفلسطيني، يسهله لها ما تجده أمامها من عدم مواجهتها بخطة مضادة تتحرك إقليمياً، وعالمياً.

فالخطة الأمريكية أحدثت انقلاباً فعلياً على كل مرجعيات التسوية السلمية، بل وعلى تعهدات الإدارات الأمريكية السابقة، التي التزمت أمام شعبها وأمام العالم بتحملها مسؤولية الوسيط النزيه.

طبقاً للمسمى الذي وصفت به دورها، الذي حددته بأن الحل سيكون من خلال مفاوضات، يشارك فيها الجانبان «الإسرائيلي»، والفلسطيني، وليس من خلال حل تفرضه أمريكا، وأن الوضع النهائي للقدس لن يتقرر إلا في مفاوضات الوضع النهائي بين «إسرائيل» والفلسطينيين.

ومضمون الخطة يعتبر انقلاباً على مبدأ قديم ومستقر ومعلن للسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، منذ الرؤساء هاري ترومان، وايزنهاور، وكيندي، ونيكسون، وجيرالد فورد، وكارتر، وريجان، وكلينتون، ويقرر الالتزام بأمن «إسرائيل» كأولوية للسياسة الخارجية، لكن من دون الالتزام بتوسعها في الأراضي العربية.

وعبّر عن هذا الالتزام مسؤولون أمريكيون في مؤتمر للشرق الأوسط عقد في واشنطن عام 1998، شارك فيه عدد كبير من المسؤولين في إدارات سابقة، ويومها قال السفير ريتشارد باركر الذي كان يدير المؤتمر، إن الولايات المتحدة ظلت منذ عام 1949، تتمسك بموقف رفض احتلال الأراضي عن طريق القوة.

وشاركه هذا المعنى غيره من المسؤولين المشاركين في المؤتمر، بقولهم إن الولايات المتحدة تتبنى منذ أكثر من خمسين عاماً، سياسة محددة بأنها ضد الاحتلال.

نحن مع رفض صفقة ترامب. ونحن أيضاً مع طرح خطة فلسطينية لا تكتفي بتقديم بنودها، بل أيضاً تظهر العيوب التي اشتملت عليها الخطة الأمريكية، وتكشف نواقصها أمام العالم.

ولا مانع من أن تضيف إليها رؤية منظمات يهودية أمريكية حذرت من خطورة هذه الصفقة على السلام في المنطقة، وعلى مصير «الإسرائيليين» أنفسهم.

ومنها منظمات: «جي ستريت»، و«إسرائيل بوليسي فورام»، و«أمريكيون من أجل السلام الآن»، وتجمعات لشباب يهود بجامعات أمريكية.. وحتى تدوّي أجراس إنذارها في أمريكا، وفي العالم، دعما للسلام، وليس لتجديد الصراع.

* عاطف الغمري كاتب صحفي مصري

المصدر | الخليج - الشارقة