ماكرون والعقد السياسي الجديد للبنان

ليس من حقّ ماكرون الحديث عن عقدٍ جديد في لبنان، سياسيا كان أم ميثاقيا.

أي اتجاه للتغير في ظروف حالية يشعر فيها بعض اللبنانيين بالقهر ستعيد إنتاج الأزمة عند أي منعطف.

هل قصد ماكرون بالعقد السياسي الجديد تغيير الحكومة الحالية وتشكيل أخرى مختلفة برضا الأطراف اللبنانية كافة؟

أم قصد تغيير صيغة العقد الاجتماعي أو الميثاقي الذي أقام النظام اللبناني منذ عقود إلى نظام آخر، يعكس متطلبات المرحلة المقبلة؟

أم قصد رحيل الطبقة السياسية الحالية وإنتاج طبقة سياسية جديدة تلبّي تطلعات الشارع المنتفض منذ 17 أكتوبر الماضي وحاجاته؟

*     *     *

أنْ يزور الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، لبنان ساعات بعد انفجار مرفأ بيروت فهذا يعني أنّ لبنان وصل إلى مرحلة صعبة ومعقّدة، تنذر بما هو أكثر صعوبة وتعقيداً، وأنّ فرنسا ترى ذلك وتشعر به، وهي مهتمة به، ومعنيّة بتخفيف التوتر أو سحب فتيله، كما أنّها معنيّة بإيجاد الحلول لاعتبارات كثيرة.

ربما حمل الرئيس الفرنسي رسائل عديدة حاول التأكيد في أغلبها على أن فرنسا لن تترك لبنان وحيداً، وأنّها ستعمل على تنظيم مؤتمر دولي لدعمه بعد الكارثة التي حصلت جرّاء انفجار المرفأ، وإنْ لم يكشف، بشكل واضح، إذا ما كان هذا المؤتمر سيتعامل مع الحكومة الحالية أم لا، خصوصا أنّه أشار إلى أنّ المساعدات الفرنسية لن تقع في أيدي الفاسدين.

أهم وأبرز ما في زيارة ماكرون وفي رسائله، حديثه عن عقد سياسي جديد للبنان، من دون أن يكشف طبيعة هذا العقد، ولا كيفية إبرامه، ولا طبيعة المشاركين فيه وأطرافه، ولا وقته.

لقد ظلّ طرح ماكرون مبهماً وغير واضح، وربما تعمّد عدم الوضوح، حتى يظلّ الطرح حمّال أوجه كثيرة وعديدة. وهنا تبرز مجموعة أسئلة تحتاج إجابات، لأنّ الإجابات تحدّد كثيراً من معالم المرحلة المقبلة.

هل قصد ماكرون بالعقد السياسي الجديد تغيير الحكومة الحالية، وتشكيل أخرى مختلفة برضا الأطراف اللبنانية كافة؟ أم أنّه قصد تغيير صيغة العقد الاجتماعي، أو الميثاقي، الذي قام النظام اللبناني عليه منذ عشرات السنين إلى نظام آخر، يعكس متطلبات المرحلة المقبلة وحاجاتها؟ أم قصد رحيل كل الطبقة السياسية الحالية، وإنتاج طبقة سياسية جديدة تلبّي تطلعات الشارع المنتفض منذ السابع عشر من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي وحاجاته؟

كلّها أسئلة تحتاج إلى أجوبة واضحة، لأنّ كلّ واحدٍ منها بمثابة ملف قائم بذاته، دون تحقيقه عقبات وعقبات كثيرة.

لعلّ من حق ماكرون أن يطرح استضافة الأطراف اللبنانية في باريس حول طاولة حوار ونقاش تساعد لبنان على الخروج من الأزمة، لكن ليس من حقّه الحديث عن عقدٍ جديد، سياسياً كان أم ميثاقياً، لأنّ ذلك من حق اللبنانيين حصراً، خصوصا إذا كان ذلك يتصل بالميثاق الوطني أو ما نسمّيه العقد الاجتماعي.

وقد رفض قسم كبير وواسع من اللبنانيين أكثر من مرّة أيّ حديث عن مؤتمر تأسيسي جديد يعيد إنتاج النظام السياسي في البلد.

فكيف يطرح اليوم ماكرون العقد الجديد، وهل يأتي ذلك في ظل عجز لدى أغلب المكوّنات، وبالتالي قناعة لدى صاحب الطرح أنّ هذه المكوّنات لا تملك في ظل هذه الأوضاع والظروف سوى التسليم بما يمكن أن يُطرح؟ وبالتالي يكون ذلك بمثابة قناعة بأنّ المخرج للأزمة التي وصلت إلى عنق الزجاجة يكون عبر هذا المسار؟

يدرك الجميع أنّ المنطقة برمّتها تعيش حالة من الاختناق، وأنّ المبادرات للخروج من الأزمات تتحرّك أحياناً بدافع المصالح وأحياناً بدافع تجنّب المواجهات وتأجيلها. ولبنان جزء من المنطقة ومن أزماتها.

وهنا يمكن القول إنّ ماكرون ربما جاء بمشروع تتمّ فيه بعض المقايضات لصالح إحداث تعديل في بنية النظام السياسي اللبناني، في مقابل تقديم تنازلاتٍ تسهم في حفظ استقرار المنطقة وتوازناتها.

غير أنّ إنجاز هذا العقد السياسي أو الميثاقي الذي تحدّث عنه ماكرون يحتاج إلى توافقات داخيلة وخارجية تحفظ التوازنات الداخلية بين المكوّنات اللبنانية، والخارجية بين المؤثرين الإقليميين والدوليين، وإلاّ فإنّ نصيبه سيكون الفشل، وسيجد كثيرين يتصدّون له، ويعملون على إسقاطه، وهذا قد يدخل لبنان في دوّامة أزمات جديدة وحروب متناسلة.

الميثاق الوطني اللبناني حتى اليوم، ورغم الفجوات الموجودة فيه، ورغم الخلل في تطبيقه، ظلّت قيمته الأساسية أنه أنهى الحرب وأرسى توازناً في البلد (سوء تطبيق هذا التوازن أنتج نوعاً من الزبائنية التي حمت الفساد والإهمال)!

وإنّ أي اتجاه للتغير في ظل الظروف الحالية التي يشعر فيها بعض اللبنانيين بالقهر ستعيد إنتاج الأزمة عند أي منعطف.

* وائل نجم كاتب صحفي لبناني

المصدر | العربي الجديد