حلت الكارثة بلبنان ودمرت نصف العاصمة بيروت، وخلقت مشهدا مروّعا مع أكثر من 150 قتيلا وآلاف الجرحى، وما زالت الأرقام في تزايد.

في دقيقة واحدة فقط، دمر أكبر انفجار في تاريخ الشرق الأوسط نصف العاصمة اللبنانية، فضلا عن ميناء بيروت.

لكن المأساة هذه المرة لم تكن نتيجة حرب بين (إسرائيل) و"حزب الله"، ولم تكن كذلك نتيجة هجوم إرهابي، بل أعوام من الإهمال من قبل الحكومة اللبنانية.

وكانت البلاد تواجه بالفعل أزمة اقتصادية ناجمة عن 3 عقود من السياسات الاقتصادية الفاشلة، وسوء إدارة الموارد، وفساد النظام السياسي الذي تم تصميمه على أسس طائفية.

ولم يكن استثمار المليارات من الدولارات من الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي على مدار 30 عاما كافية لإصلاح اقتصاد البلاد أو بناء البنية التحتية أو حتى توفير الطاقة للمدن اللبنانية.

دول الخليج تهيمن على السياسة اللبنانية

ولا يعد الخليج بعيدا عن هذا الفشل. فمنذ اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، كانت دول الخليج جزءا من النزاعات الداخلية والخارجية، وعمليات السلام، وكذلك إعادة الإعمار.

وبينما كان دور قطر الرئيسي هو التوسط في اتفاق الدوحة عام 2008، الذي أنهى واحدة من أسوأ الأزمات السياسية في تاريخ لبنان، كان الدور الأبرز للسعودية في السياسة اللبنانية هو التوسط في اتفاق الطائف عام 1989، الذي أنهى الحرب ووضع أسس النظام السياسي الحالي.

وأضفى اتفاق سلام الطائف الطابع المؤسسي على الانقسامات الطائفية في البلاد، التي يعتبرها الشعب اللبناني أهم سبب وراء انتشار الفساد والمحسوبية في البلاد.

وفي غضون ذلك، بدأ دور إيران في لبنان يتنامى بعد الثورة الإسلامية عام 1979، وأصبحت راعية "حزب الله" و"حركة أمل" الذين يسيطران بشكل مباشر أو غير مباشر على الحكومة والرئاسة والبرلمان. ويعطي هذا إيران اليد العليا بين القوى الخارجية المؤثرة في صنع القرار في بيروت.

وازداد الضغط من بعض دول مجلس التعاون الخليجي على لبنان لإنهاء دعم "حزب الله" العسكري لحلفاء إيرانيين آخرين في سوريا واليمن مع صعود الأمير السعودي "محمد بن سلمان" إلى السلطة كوزير للدفاع ثم وليا للعهد.

وفي عدة حالات، في 2016 و2017 و2018، دعت السعودية والبحرين والإمارات والكويت مواطنيها إلى مغادرة لبنان، مبررة ذلك بتزايد نفوذ الميليشيات المدعومة من إيران على البلاد.

وجاء ذلك بالتزامن مع إلغاء جميع المنح والاستثمارات من مجلس التعاون إلى لبنان، ما زاد من تفاقم أزمته الاقتصادية.

وأصبحت التوترات أكثر وضوحا عندما رفض وزير الخارجية اللبناني السابق "جبران باسيل"، وهو حليف لـ"حزب الله"، إدانة هجوم سبتمبر/أيلول 2019 على شركة "أرامكو" السعودية، مبررا ذلك بموقف لبنان المحايد المتمثل في الامتناع عن الميل لأي من الجانبين السعودي أو الإيراني.

وتصاعدت التوترات الخليجية. ومع ذلك، تستضيف بيروت قناة "المسيرة"، وهي قناة يديرها "الحوثيون" اليمنيون وتتلقى دعما تقنيا من قناة "المنار" التابعة لـ"حزب الله"، الأمر الذي يثير غضب الرياض وأبوظبي.

لبنان يواجه أزمة بعد أزمة

ويُصنف لبنان حاليا في المرتبة الخامسة في العالم من حيث نسبة الدين الوطني إلى الناتج المحلي الإجمالي. وبحلول مارس/آذار 2020، بلغ إجمالي الدين العام للبنان 92.42 مليار دولار، وشكل دينه المحلي 63.12% من إجمالي الدين العام.

وفي نفس الفترة، بلغ إجمالي الدين الخارجي 36.9% من إجمالي الدين العام. وتبدو الصورة أكثر قتامة بنهاية عام 2020، حيث من المتوقع أن تصل نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو 160%.

وينتج هذا الفشل الاقتصادي عن عدة عوامل، لكنه يعود بالدرجة الأولى إلى صنع الأحزاب اللبنانية لسياسات قائمة على المحسوبية ومصالح حلفائها الإقليميين وليس المصلحة الوطنية.

وبدا التغيير ممكنا في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019، حيث تحولت الاحتجاجات لتغيير الطبقة السياسية إلى ثورة أدت إلى استقالة حليف السعودية "سعد الحريري".

وبعد بضعة أسابيع، تم تعيين حكومة جديدة سيطر عليها تماما حلفاء إيران، وبعد 9 أشهر لم تنفذ أي إصلاحات اقتصادية.

وقبل كارثة انفجار الميناء، كان الاقتصاد اللبناني يعاني بالفعل من أسوأ أزمة منذ الحرب الأهلية. وفي الأشهر الـ10 الماضية، فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 80% من قيمتها في السوق السوداء ومنعت البنوك الوصول إلى الدولار الأمريكي.

وتلا ذلك تطبيق "قانون قيصر" على النظام السوري، ما ترك آثارا على الاقتصاد اللبناني.

ولأسباب تتعلق بنفوذ إيران أو فشل الحكومة اللبنانية الحالية في تنفيذ الإصلاحات، وسعت الحكومة الفجوة بين لبنان من جهة ومجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.

فهل تغير هذه الكارثة هذا الوضع؟ حسنا، يوجد سيناريوهان ممكنان. الأول، أن تقدم دول مجلس التعاون الخليجي والغرب للبنان مساعدات طارئة لمواجهة تداعيات الأزمة الفورية مع التفاوض على منح وقروض طويلة الأجل تتعلق بإعادة إعمار بيروت، بشرط إعادة هيكلة اقتصاد البلاد.

والثاني أن يقتصر الدعم على المساعدات الطارئة فقط دون أي منح أو قروض طويلة الأجل.

وحتى كتابة هذا المقال، أعلنت الولايات المتحدة والعديد من دول الاتحاد الأوروبي وجميع دول مجلس التعاون الخليجي عن خطط لإرسال مساعدات طارئة إلى لبنان.

ومع ذلك، في كل من هذين السيناريوهين المحتملين، قد ينزلق لبنان إلى مزيد من الاضطرابات الأمنية إذا لم تنفذ الحكومة اللبنانية الإصلاحات وتحاسب المسؤولين عن انفجار الميناء.

وإذا حدث ذلك، فإن الحزب الذي يمتلك أفضل الأسلحة والتدريب سيكون هو الذي يسيطر على البلاد. وفي هذه الحالة، هم حلفاء إيران أيضا.

المصدر | منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد