الأحد 9 أغسطس 2020 08:35 ص

"قناة سويس جديدة ستغير خريطة العالم".. هكذا روج الإعلام المصري منذ خمس سنوات لتفريعة قناة السويس التي تم افتتاحها في شهر أغسطس/آب عام 2015.

1.3 مليارات دولار فقط، هو ناتج إضافي لقناة السويس الجديدة، بعد 5 سنوات من افتتاح تفريعة، أثارت جدلا واسعا وكلفت مصر نحو 8 مليارات دولار.

كشف ذلك، "أسامة ربيع" رئيس هيئة قناة السويس المصرية، حين قال إن إيرادات الهيئة زادت 4.7% في أول 5 سنوات من إنشاء قناة فرعية جديدة، لتبلغ 27.2 مليار دولار، مقارنة مع 25.9 مليار دولار في الخمس سنوات السابقة.

وافتتحت مصر "قناة السويس الجديدة"، في أغسطس 2015، في إطار خطط لإنعاش اقتصاد البلاد واستعادة مكانة مصر كمركز مهم لحركة التجارة، وإن كان بعض المحللين شككوا في إمكانية تحقيق أهداف الإيرادات الطموح، في ضوء حجم حركة النقل والتجارة بين الشرق والغرب.

وسبق أن توقعت السلطات وفق تصريحات رسمية، أن التفريعة ستزيد دخل القناة أول عامين بعد تشغيلها ليصل إلى 8 مليارات دولار، ثم يرتفع بحلول عام 2023 إلى 13.4 مليارات.

بل إن رئيس هيئة القناة السابق الفريق "مهاب مميش"، وعد بتحقيق المشروع إيرادات تصل إلى 100 مليار دولار سنويا.

في حين حذر خبراء من عدم جدوى توسعة القناة، بسبب ضعف حركة التجارة العالمية، فضلا عن تأثير التعجل في الحفر على الاحتياطي النقدي الأجنبي.

إيرادات القناة

وبلغة الأرقام، لم تحقق التفريعة الجديدة الجدوى الاقتصادية منها، ففي السنة المالية المنتهية (2019-2020)، وصلت عائدات قناة السويس إلى 5.7 مليارات دولار، بينما كانت في (2018-2019) نحو 5.9 مليارات دولار.

وعلى عكس التوقعات، لم تزد عائدات القناة سوى 300 مليون دولار عن عائدات (207-2018) عن 5.6 مليارات دولار.

وفي عام 2014 (قبل التفريعة)، بلغت إيرادات القناة نحو 5.5 مليارات دولار، وعام التوسعة (2015) تراجعت إلى 5.1 مليارات، ثم 5 مليارات عام 2016، ثم عاودت الارتفاع من جديد عام 2018 لتصل إلى 5.6 مليارات.

واضطرت هيئة القناة، خلال السنوات الماضية، لخفض رسوم مرور السفن، بل قدمت عروضا لشركات الملاحة العالمية لدفع رسوم مرور السفن لعدة سنوات دفعة واحدة مقابل تخفيضات كبيرة، في محاولة لرفع عائدات القناة.

ومع ضعف الإيرادات، لجأت الحكومة لإعلان دخل القناة بالعملة المحلية (الجنيه) بدلا من الدولار، كي توحي بزيادته.

ولكي ترتفع إيرادات القناة إلى 13.4 مليارات دولار بحلول عام 2023 (وفق توقعات رسمية)، يجب أن تزداد التجارة الدولية سنويا بنسبة 9%، حسب ما أوضح الخبير الاقتصادي "محمد سعد".

ويقول "سعد"، إن توقعات الحكومة بخصوص التجارة الدولية بنيت على "افتراضات وهمية"، مشيرا إلى أن معدل التجارة العالمي في ظل الأوضاع الراهنة لن يزيد سنويا على 3 أو 4% بأقصى تقدير.

وبحسابات تكلفة الفرص الضائعة، فإن التفريعة الجديدة أدت إلى خسائر تتعلق بالاقتصاد المصري الكلي، فضلاً عن خسائر تتعلق بالأفراد الذي هرولوا نحو شراء شهادات الاستثمار الخاصة بالقناة للاستفادة من معدل الفائدة المرتفع حينها عليه.

التأثير على السيولة

بالنسبة للاقتصاد المصري، فإن جمع الدولة لـ64 مليار جنيه من المواطنين خلال 8 أيام تقريبا في سبتمبر/أيلول 2014، أدى إلى عمليات سحب كبيرة للودائع من البنوك، ما أثر على السيولة وعلى حجم الودائع بالبنوك التي لم يشملها قرار إصدار الشهادات التي بلغت فقط 4 بنوك مسموح لها.

كما أن ميزانية الدولة لم تستفد فعليا من التفريعة الجديدة التي لم تحقق زيادة كبيرة في الإيرادات تعادل ما دفعته الدولة، وما ستدفعه لأصحاب الشهادات.

وبعيدا عن عدم وجود جدوى اقتصادية للمشروع والخسائر الفادحة التي تكبدتها القناة، كان هناك بعد سياسي في إنشاء التفريعة، وذلك استنادا لتصريحات لـ"عبدالفتاح السيسي".

وقال "السيسي" في لقاء تلفزيوني بإحدى القنوات المحلية في يونيو/حزيران 2016، ردا على سؤال حول التفريعة: "الهدف منه تثبيت الدولة ورفع الروح المعنوية للشعب، وهذا هو أحد الأسباب الرئيسية للإسراع في افتتاح المشروع، لإثبات أن المصريين لديهم القدرة العالية على إنجاز مشروعات كبيرة في وقت قصير".

وعند افتتاح التفريعة الجديدة في أغسطس/آب 2015 خرجت جريدة "واشنطن بوست" الأمريكية بعنوان لافت يقول "هدية مصر إلى العالم.. لا أحد يحتاجها"، متسائلة عما إذا كان العالم بحاجة لهذا المشروع بالفعل.

وحينها أشارت إلى أنه لم تكن هناك دراسة جدوى حكومية للمشروع، وإنما كان ناتجا عن أمر صادر عن "السيسي".

بينما قال مراقبون، إن السبب الرئيسي الذي دفع النظام لتنفيذ مشروع التفريعة، هو إصرار "السيسي" على ربط اسمه بأي مشروع قومي.

بيع الوهم

وبين الحين والآخر، يفيق المواطن المصري على مشاريع كبرى وعملاقة تعلن عنها الحكومات المصرية المتعاقبة ويمني المواطن نفسه بحلم الرخاء والتقدم بعد عاصفة من الدعاية الإعلامية للمشروع المرتقب وحالة من الشحن المعنوي للمواطن البسيط.

المواطن المصري يفيق بعد سنوات من المشاريع الوهمية على وضع لم يتغير ومستوى معيشي لم يتحسن، بل ازدادت الأمور سوءا وغرقت البلاد في مزيد من الديون والقروض وانهيار للعملة المحلية وعجز رهيب في الموازنة العامة.

وما بين تفريعة قناة السويس، ومشروع المليون فدان، والشبكة القومية للطرق، ومثلث التعدين الذهبي، وصولا إلى ترعة السلام ومشروع توشكى في عهد الرئيس الراحل "حسني مبارك"، يتابع المواطن مشاريع وهمية يطلق عليها لقب "فنكوش".

ومن المشروعات الوهمية التي روج لها النظام المصري الحالي مشروع استصلاح مليون فدان، الذي اصطدم بالعجز المائي، خصوصا بعد تصاعد أزمة سد النهضة الإثيوبي وفشل مصر في المفاوضات مع إثيوبيا، في ظل معاناة البلاد من فقر مائي حاد.

أما ثالث المشروعات الوهمية التي أعلن عنها "السيسي"، فكان إنشاء الشبكة القومية للطرق خلال عام واحد، حسب تصريحاته بعد توليه الرئاسة مباشرة، ولم تنجز الحكومة أي شيء في هذا المشروع، بل لم تعالج الطرق القديمة المتهالكة ولم تقم بإصلاح الكباري القائمة بالفعل.

وكان من اللافت للنظر انهيار عدد من الكباري الجديدة وسقوط أجزاء منها بعد أيام من افتتاحها، ليعاد غلقها مرة أخرى للصيانة، مما يوضح الاستعجال في افتتاحها من أجل الدعاية الإعلامية وسط الحديث عن شبهات فساد وإهدار للمال العام.

حلقة متصلة بـ"مبارك"

الأمر ليس جديدا أو مستغربا لدى كثير من المتابعين، الذين يرون أن تلك المشروعات الوهمية تنفذ بدون أية دراسة لجدواها الاقتصادية، إذ أن الهدف الأساسي من ورائها هو تدعيم شعبية النظام الحاكم، وبالأخص في الفترات التي تشهد حالة من الركود الاقتصادي والضغوطات السياسية أيضا.

إذ يصف مراقبون مشروعات "السيسي"، بأنها حلقة ضمن سلسلة المشاريع القومية الفاشلة التي طحنت الاقتصاد المصري خلال العقود الماضية، والتي كان منها مشروع ترعة السلام في عهد "مبارك".

ففي عام 1994 أصدر "مبارك"، قرارا جمهوريا بتخصيص 400 ألف فدان لحفر ترعة السلام بطول 155 كيلومترا، لإضافة رقعة زراعية قدرها 400 ألف فدان داخل سيناء، تروى بماء النيل مخلوطا بالصرف الزراعي.

وأعلن وقتها أن الهدف من المشروع إعادة توزيع وتوطين السكان بصحراء مصر، وتنمية سيناء وربطها بمنطقة شرق الدلتا وجعلها امتداداً طبيعياً للوادي.

وبعد أكثر من 20 عاما، وإنفاق أكثر من 5 مليارات ونصف مليار جنيه وفق ما صرح به وزير الري السابق، حسام المغازي، في العام 2015، فإن إجمالي ما تمت زراعته لا يتعدى 60 ألف فدان، بجانب بوار مساحات من تلك الأراضي نتيجة انقطاع المياه.

تكرر الأمر في مشروع توشكى "الوهمي"، والذي رفضه الرئيسان، "جمال عبدالناصر" و"أنور السادات"، لعدم جدواه الاقتصادية.

وهو ما أوضحه تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات عن المشروع عام 2010، بعد 14 عاما على بدء العمل فيه، إذ أورد التقرير أن الدولة قامت بإهدار 6 مليارات جنيه من أجل استصلاح 540 ألف فدان.

كما أنه طوال 14 عاما من عمر المشروع، لم يتم استصلاح سوى 22 ألف فدان، وهو ما يُمثل 4.2% من الهدف المرجو منه، إلى جانب كمية الفساد الهائلة التي غرق فيها المشروع، إذ بلغت تكلفة استصلاح الفدان في المشروع أكثر من 11 ألف جنيه، في حين أنه تم بيعه للمستثمرين بمبلغ 50 جنيها فقط، وفق تقرير الجهاز المركزي.

المصدر | الخليج الجديد