الأحد 9 أغسطس 2020 09:06 ص

لبنان.. ومخاطر «الدولة الفاشلة»

من يتحمل مسؤولية هذا الإهمال الكبير الذي أدى إلى وقوع الكارثة؟..

لا تُجرِّبوا المجرَّب إنّهم يكسبون الوقت فقط إذا أردتم فعلاً إنقاذ لبنان ساعدونا للتخلّص منهم.

جاء الانفجار ليكشف انهيار منظومة متكاملة من طريقة تفكير وتصرف وإدارة سيئة في التعامل مع الأزمات.

التطورات أكدت للمجتمع الدولي أن المشكلة تكمن في أن المنظومة السياسية الممسكة بالسلطة لا تريد من الإصلاح إلا اسمه.

*     *     *

كأن لبنان كان ينقصه أن يتعطل ويتحطم شريانُه الحيوي، مرفأ بيروت، ليزداد معاناةً وتأزماً، وتسوء أحوال أهله بشكل دراماتيكي! فعدا الخسائر البشرية التي حصدها الانفجار، هناك أضرارٌ مادية وخسائر اقتصادية قدرت بنحو 12 مليار دولار، فضلاً عن تعطل المرفأ، وفقدان لبنان مخزونه من القمح، بما يهدد حياةَ اللبنانيين.

لا شك في أن ما حصل، سواء أكان خطأً أم عملاً تخريبياً أم عدواناً خارجياً.. فإنه ليس سوى رفع للغطاء عن الانهيار الذي ضرب البلاد، وجاء الانفجار ليكشف وجهه القاسي الذي يعكس انهيار منظومة متكاملة، من طريقة تفكير وتصرف وإدارة سيئة في التعامل مع الأزمات.

لقد أكدت الوقائع، أن مواد كيميائية بهذه الخطورة ظلت مخزنة في مرفأ حيوي منذ عام 2013، وأن الأجهزة الأمنية رفعت تقارير عدة لكبار المسؤولين تحذِّر من خطورتها وضرورة البت بمصيرها، لكن دون جدوى. فمن يتحمل مسؤولية هذا الإهمال الكبير الذي أدى إلى وقوع الكارثة؟..

إنه إهمال يعكس حالة انعدام الأمن والأمان، وبما يهدد حياة اللبنانيين بخطر دائم (جوعاً وإفلاساً وحرباً وسلاحاً غير شرعي وعجزاً شاملاً في المؤسسات والإدارة والقضاء)، مما يؤكد مخاطر«الدولة الفاشلة» التي حذّر وزير الخارجية السابق ناصيف حتى من «الانزلاق» إليها، في كتاب استقالته قبل يومين من الانفجار، بعد تبلّغه بإشارات عبر القنوات الديبلوماسية عن خطورة المرحلة المقبلة، وما تحمله من مخاطر نتيجة الصراع الإقليمي والدولي.

وفي إطار«الدولة الفاشلة» تأتي أعمال الحكومة برئاسة حسان دياب، والتي نالت ثقة نيابية هزيلة، على أمل أن تسعى للحصول على ثقة الشعب المنتفض ضدها وضد المنظومة السياسية الفاسدة، وكذلك «ثقة المجتمَعين العربي والدولي» الضرورية لتدفق المساعدات والقروض الخارجية، تمهيداً لاستعادة «ثقة المستثمرين».

لكن بعد مُضي ستة أشهر لم تنجح الحكومة في تحقيق هدفها، بل زادت الفجوة مع المجتمع الدولي، واشتد طوق العزلة الخارجية على لبنان، وخلافاً لذلك تعمقت أزمة الثقة الدولية.

حين أعلن رئيس الحكومة التوقف عن دفع سندات اليوروبوند، فيما كانت لديه قدرة مالية نقدية توازي 32 مليار دولار نقداً و16 مليار دولار قيمة احتياطي الذهب، ونحو 4 مليارات استثمارات دولية، مما يؤكد أن لبنان ليس متعثراً بشهادة مؤسسات دولية.

وبدلاً من أن تستعين الحكومة بثقة داخلية لتعزيز قدرتها التفاوضية مع صندوق النقد الدولي، اتجهت إلى تقييد حقوق المودعين في المصارف، وتخلفت عن سداد ديونها الداخلية، ما أدى إلى مضاعفات خطيرة ساهمت في تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية، وفي إفلاس عدد كبير من الشركات وارتفاع نسبة الفقر والبطالة.

ولم تتمكن الحكومة من تحقيق أي تقدم في مفاوضاتها مع الصندوق، والتي وصلت إلى حائط مسدود، خصوصاً أن التطورات أكدت للمجتمع الدولي أن المشكلة تكمن في أن المنظومة السياسية الممسكة بالسلطة لا تريد من الإصلاح إلا اسمه.

ولو رغبت فعلاً في تنفيذ إصلاحات حقيقية لما وصلت البلاد إلى الانهيار، حتى أن هذه المنظومة لم تأخذ بنصيحة البطريرك الماروني بطرس الراعي حول تطبيق «سياسة الحياد» التي نص عليها الدستور أصلاً، وأكدها «ميثاق الطائف».

بل استمرت في المغامرة بدفع البلد ليكون كبش محرقة في الصراع الإقليمي الدولي. ويبقى الأمل الحقيقي في الناس الذين أوصلوا رسالتهم إلى الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون: لا تُجرِّبوا المجرَّب. إنّهم يكسبون الوقت فقط. إذا أردتم فعلاً إنقاذ لبنان.. ساعدونا للتخلّص منهم.

* عدنان كريمة كاتب اقتصادي لبناني

المصدر | الاتحاد الظبيانية