الاثنين 10 أغسطس 2020 11:31 ص

وسط احتفاء مصري بالاتفاق مع اليونان حول ترسيم الحدود البحرية، باعتباره ضربة لتركيا، يتكتم النظام المصري، على بنود الاتفاق المثير للجدل.

ولم يتم نشر نص الاتفاقية أو نشر الإحداثيات التي تم الاتفاق عليها بين الطرفين، مع الاكتفاء فقط بالإشارة إلى أن الاتفاق الموقع استند إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

وتسمح اتفاقية قانون البحار، للبلاد، بتوسيع مياهها الإقليمية إلى 12 ميلاً بحرياً بحد أقصى، في حين يمكن أن تمتد المنطقة الاقتصادية الخالصة إلى إجمالي 200 ميل.

ويسمح القانون الدولي للدول صاحبة المناطق الاقتصادية الخالصة بالتنقيب والأنشطة الاستكشافية على النفط والغاز على امتداد 200 ميل طولي من سواحلها، ويفرض عليها في الوقت نفسه توفير سلامة الملاحة البحرية.

رفض تركي

تعتبر تركيا الاتفاقية التي وقع عليها وزيرا الخارجية المصري "سامح شكري"، واليوناني "نيكوس دندياس"، في القاهرة، قبل أيام، باطلة بالنسبة لها.

وتقول أنقرة إن الاتفاقية المصرية-اليونانية تخص منطقة تعتبرها تركيا جزءا من جرفها القاري، وأن هذه الاتفاقية أيضا مخالفة للحقوق البحرية الليبية.

وصعد الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، من موقف بلاده، معلنا إنه لا قيمة لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان، وأن بلاده استأنفت عمليات التنقيب عن الغاز شرق البحر المتوسط.

وأكد "أردوغان" أن بلاده ستواصل بحزم كبير الالتزام باتفاق ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا، والذي وقعته مع حكومة "الوفاق" (معترف بها دوليا) الليبية، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

ويستند الرفض التركي للاتفاقية، في أنها تمس مناطق تضمنها اتفاق "أنقرة – طرابلس"، كما أنها تزج بالجانب المصري كطرف في الصراع التركي اليوناني.

تراجع يوناني

لكن البروفيسور "سيرتاتش باشَران"، أحد أبرز المختصين الأتراك في ملف شرق المتوسط، يرى أنه حال صحت الخرائط التي نشرتها بعض وسائل الإعلام اليونانية حول الاتفاق المصري - اليوناني، فاليونان قد تخلت عن رسم الحدود من جزيرة "مييس" الصغيرة ورسمتها من جزيرة "رودس".

ويضيف "باشران" أن اليونان بذلك تكون قد تنازلت بشكل كبير لصالح مصر في هذا الاتفاق عن مطالبها السابقة التي كانت مصر ترفضها، وأن مصر أخذت في هذا الاتفاق أكثر مما كانت اليونان تعرضه سابقاً، لكنه يبقى أقل مما كانت ستحصل عليه في حال رسّمت حدودها البحرية مع تركيا أولاً.

ووفق تسريبات سابقة نشرها موقع "مدى مصر"، فإن الخبراء التقنيين في الخارجية المصرية والاستخبارات العامة، طالبوا بعقد اتفاق مع الجانب التركي بدلاً من اليونان؛ لتأمين مساحة بحرية لا تقل عن 27 ألف كلم2 في مياه شرق البحر المتوسط.

وفي العام 2014، تسبب الاتفاق المصري مع قبرص في خسارة مصر 11500 كلم مربع من حقوقها، وقد يضيف الاتفاق مع اليونان خسائر أخرى لهذه الخسائر، بحسب الباحث التركي في الشؤون الاستراتيجية "علي حسين باكير".

وتفيد تقارير إعلامية، بأن الاتفاقية ستحرم مصر من ما يقرب من 10 آلاف كيلومتر مربع من مياهها الاقتصادية الخالصة لصالحة اليونان.

خسائر مصرية

هناك إشكالية أخرى تتعلق بالاتفاق، وتأثيره إيابا على مشروع خط غاز "ميد إيست" الذي تسعى (إسرائيل) إلى الشروع في إنشائه ليصل إلى أوروبا مرورا بقبرص واليونان وإيطاليا.

وحال إنشاء "إيست ميد"، سيعني ذلك خسارة مصر دورها المستقبلي كمنصة إقليمية لتصدير الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، إلى دول أوروبا.

ووفق بنود اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، فإن مصلحة مصر كانت مع تركيا؛ لأن الاتفاق يمنع مرور الخط إلى أوروبا إلا بموافقة الجانب التركي.

وكان الاتفاق الليبي-التركي حول ترسيم الحدود البحرية يخدم مصر بالدرجة الأولى، لأنه يعيد لمصر 7000 كم من حدودها البحرية التي تنازلت عنها لحساب اليونان.

لكن الاتفاق المصري اليوناني، الذي ينطلق من بوابة المناكفة السياسية لتركيا، جاء كطوق إنقاذ لأثينا، يمكنها من تخطي الاتفاقية التركية الليبية، ويؤمن الضوء الأخضر لإنشاء خط "ميد إيست"، وهو ما يعني خسارة مصر موقعها كمنصة إقليمية في المستقبل.

ويؤكد بيان رسمي، صادر حديثا عن الخارجية التركية، على أن مصر التي تخلت عن 11.500 كم مربع بموجب الاتفاقية الموقعة مع قبرص الرومية في 2014، تفقد مرة أخرى من صلاحية حدودها البحرية عبر هذه الاتفاقية المزعومة مع اليونان.

أسباب سياسية

يرى مراقبون، أن الاتفاق غير المعلن، يكبد مصر خسائر لاحتياطات غاز محتملة في تلك المياه كان يمكن أن تمنح البلاد مكاسب اقتصادية هائلة.

ويقول معارضون مصريون، في بيان، إن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع اليونان، تعني تنازل مصر عن مساحات واسعة من مياهها الاقتصادية، ومئات المليارات من الدولارات، والقضاء على الفرص المستقبلية للدولة المصرية في الاستفادة من ثرواتها في باقي المساحات.

ويضيف البيان، أن النظام الحاكم في مصر، يتحرك وفق أجندة داعميه الإقليميين والدوليين، الضامنين لبقائه واستمراره في الحكم، حتى لو كان ذلك على حساب المصالح الوطنية المصرية، مطالبا المؤسسة العسكرية المصرية، بمواجهة هذه السياسات، وما يترتب عليها من اتفاقيات.

لكن خبراء يفسرون سبب إقدام نظام الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" على إبرام الاتفاق، بالرغبة في مكايدة تركيا أولا، وإجهاض خطط أنقرة للتنقيب عن الطاقة شرقي المتوسط.

ومنذ العام 2014، يقود "السيسي" تحالفا مع اليونان وقبرص لمواجهة تمدد النفوذ التركي في منطقة البحر المتوسط.

وتتوافق مساعي القاهرة وأثينا، نحو محاصرة الاتفاقية التركية الليبية لترسيم الحدود البحرية، ردا على دعم أنقرة العسكري لحكومة "الوفاق" في مواجهة  حليف مصر الجنرال "خليفة حفتر".

ويقول مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير "محمد حجازي" لـ"العربية"، إن الاتفاق بين مصر واليونان، الذي جاء بعد اتفاق ترسيم الحدود بين اليونان وإيطاليا، يحرم تركيا من أي مدخل باتجاه ليبيا، على حد قوله.

وتحيط الضبابية تحيط إذن ببنود اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان، لكن المكايدات السياسية حاضرة بقوة خلف الاتفاق، الذي قد يكبد الشعب المصري خسائر اقتصادية فادحة، وقد يزيد من التوتر في منطقة المتوسط؛ لصالح أغراض سياسية.

المصدر | الخليج الجديد