الخميس 13 أغسطس 2020 10:34 ص

حرصًا على إنقاذ سمعته بعد هزيمة سياسية كبيرة، قدم رئيس الوزراء اللبناني "حسان دياب" استقالة حكومته في 10 أغسطس/آب، ملقيا باللوم فيها على عقود من الفساد الذي يفترض أنه أصبح أكبر من الدولة اللبنانية نفسها.

في حين أن وصفه للفساد المذكور ليس بعيدًا عن الواقع، فإن خطاب "دياب" جعل الأمر يبدو وكأنه لم يعش في لبنان منذ عقود، أو لم يشارك في الحياة السياسية حيث كان الاستماع إليه وهو ينتقد الطبقة السياسية الفاسدة يدفع المرء إلى التساؤل عما إذا كان الأستاذ السابق في الجامعة الأمريكية في بيروت لديه حقًا فكرة عن المهمة التي قام بها عندما اختاره "حزب الله" وحلفاؤه في يناير/كانون الثاني الماضي لتوجيه سفينة الدولة عبر المياه اللبنانية المتلاطمة.

والآن في منصب تصريف الأعمال، سيدير" ​​دياب" البيروقراطية المحتضرة في وقت ينخرط فيه رئيس البلاد "ميشال عون" و"حزب الله" وآخرون في اختيار مرشح مقبول لرئاسة الوزراء، يكون قادرًا على تشكيل حكومة جديدة.

وستكون العملية صعبة للغاية وستكون أكثر إثارة للانقسام مما كانت عليه في الماضي، ومع ذلك، يحتاج لبنان إلى تحول سريع لمواجهة ظروفه الكارثية، التي تفاقمت بعد انفجار مرفأ بيروت، ولا يزال الاقتصاد في حالة انهيار مع ارتفاع معدلات التضخم وانهيار سعر الليرة اللبنانية.

وقد أعلنت السلطات الصحية، حتى الآن، عن مقتل نحو 200 شخص  وإصابة الآلاف، وتشريد مئات الآلاف بسبب انفجار مرفأ بيروت، وبينما تقدر الخسائر المادية المباشرة بنحو 3 مليارات دولار، فقد يصل التأثير الاقتصادي التراكمي إلى 15 مليار دولار.

ويأتي كل ذلك بعد أن فشلت الدولة في إقناع المؤسسات المالية الدولية بمساعدتها على معالجة كارثتها الاقتصادية قبل اشتعال النيران في مرفأ بيروت.

في 9 أغسطس/آب، نجح مؤتمر دولي للمانحين برعاية فرنسية في جمع 300 مليون دولار، وهو مبلغ يمثل مساعدة إنسانية مرحب بها للتعامل مع التأثير الفوري للانفجار.

ولكن الاحتياجات الأكبر للبنان تستلزم أن يقتنع المانحون والمستثمرون والحكومات ومؤسسات الإقراض الدولية بأجندة إصلاح فعالة لم يتمكن لبنان حتى الآن من توفيرها، ناهيك عن تنفيذها، لكن لا يبدو أن مثل هذه الأجندة الإصلاحية ممكنة ما دامت الطبقة السياسية المستفيدة من نظام المحسوبية الطائفية تسيطر على مقاليد السلطة.

قد يكون "دياب" قصد الخير في محاولته أمام قوى الفساد، ومع ذلك، أصبحت مهمته أكثر صعوبة لأنه لم يكن لديه سلطة سياسية خاصة به، وكان يدفع بأجندة سياسية واقتصادية معينة وافق عليها "حزب الله" والرئيس "عون".

في الواقع، كانت فترة ولايته غير منطقية، لقد وقع على الأفكار والمشاريع دون اعتبار لفعاليتها وفائدتها، ويرجع ذلك أساسًا إلى أن ثنائي "حزب الله" و"عون" يريدها، ومن المؤكد أنه تظاهر بقيادة جهد حكومي لتغيير نظام متحجر، ليكتشف فقط أن نضالاته لم تؤد إلى شيء.

في الواقع، انتهى الأمر بأن يكون "دياب" كبش فداء، وطوال الوقت، لم يعتقد اللبنانيون ولا المجتمع الدولي أنه يستطيع قيادة البلاد بعيدًا عن الهاوية. 

ولعل السؤال المطروح الآن هو: من يمكن أن يكون البديل المناسب لتشكيل حكومة تنال ثقة اللبنانيين والمجتمع الدولي؟

كما أن السؤال المحوري ذا الصلة هو ما إذا كان النظام السياسي اللبناني سيسمح حتى بتعيين خليفة كهذا؟ بالإضافة إلى المهمة الضرورية لاقتلاع جذور الفساد وتقييد الآلية البيروقراطية للدولة لمعالجة الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية غير المسبوقة في البلاد، سيتعين على هذا الشخص تلبية مطالب غالبية اللبنانيين لتغيير جذري.

في هذه اللحظة يظهر فراغ سياسي ناتج عن انهيار العملية السياسية التي يرعاها "حزب الله" (والتي ساعدت على جلب "دياب" إلى مقر رئيس الوزراء) وعجز المعارضة الرسمية عن توفير بديل.

ومن المشكوك فيه حقا أن "حزب الله" و"عون"، بغض النظر عن درجة سيطرتهما، سيكونان قادرين على اختيار شخص يختلف عن "دياب"، ومن المستبعد أيضًا أن يُمنح رئيس الوزراء الأسبق، "سعد الحريري"، الفرصة لأنه كان وآخرون من قبله يعانون من سلسلة من الإخفاقات التي ساعدت في إيصال البلاد إلى المنعطف الكارثي الحالي.

ومع ذلك، هناك أفكار غير مكتملة ناشئة عن حركة شعبية بدأت بجدية في أكتوبر/تشرين الأول 2019 لكنها لم تتحد حتى الآن حول برنامج معين للتغيير.

إن أقوى عنصر في هذه الحركة هو تركيبتها غير الطائفية، ما يجعلها بلا شك ممثلا حقيقيا لروح قومية جديدة، ولعل هذا ما عرّضها لغضب واضطهاد القوى الطائفية الداعمة للاحتكار الثنائي بين "حزب الله" و"عون"، وكان ذلك أيضًا تهديدًا لقوى أخرى ما زالت تستفيد من النظام الطائفي.

طالب المتظاهرون في أكتوبر/تشرين الأول 2019 بحكومة تكنوقراط مستقلة يقودها شخص حيادي وقادر على استعادة ثقة الجمهور والمجتمع الدولي، ويمكن لمثل هذه الحكومة أن تشرف على صياغة قانون انتخابي جديد يلغي المحاصصة والانقسامات الطائفية، ويجعل البلد بأكمله دائرة انتخابية واحدة، ويحكم جولة جديدة من الانتخابات المبكرة على أساس التمثيل النسبي.

ولعل العامل الإضافي والأساسي وهو عملية مكافحة الفساد، التي من شأنها إقناع اللبنانيين بأن بلادهم يمكن أن تخرج من هاوية الفساد، بالنسبة للمجتمع الدولي، ستقدم هذه الحكومة تأكيدات بأن المساعدة المستقبلية لحل مشاكل لبنان لن يتم حصرها في نفس السياسيين الذين قادوا الدولة اللبنانية إلى فشلها.

رغم الظروف الأليمة، يجب ألا نضحي بالأمل في لبنان لصالح اليأس، تمتلك البلاد الخبرة الفكرية والفنية للنهوض حقًا من رماد الدمار.

إذا كان الانفجار في مرفأ بيروت قد أظهر شيئاً إيجابياً، فهو الشباب الذي يندفع بأدوات بدائية لتنظيف الشوارع قبل أن تظهر الدولة اللبنانية الفاشلة في مسرح الدمار.

ظهرت فرصة في بيروت لبناء دولة جديدة فعلاً بعد 100عام من إنشاء لبنان الكبير عام 1920، ويجب ألا تضيع هذه الفرصة.

المصدر | عماد حرب | المركز العربي بواشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد