السبت 15 أغسطس 2020 04:56 م

كشف الصحفي اليمني "أنور العنسي"، تفاصيل جديدة حول علاقة الرئيس المصري الراحل "حسني مبارك"، ورئيس وزراء إثيوبيا الراحل "ميليس زيناوي"، ببدايات تفكير أديس أبابا في الاستفادة من مياه نهر النيل، وفكرة إنشاء "سد النهضة".

وفي مقال له، عبر موقع "بي بي سي"، كشف "العنسي"، أن الرئيس اليمني الراحل "علي عبدالله صالح"، تدخل للوساطة بين مصر وإثيوبيا، لتسوية الخلاف حول موارد المياه في بداياته.

يحكي "العنسي"، قائلا: "بعد سنواتٍ من مغادرتي العمل الحكومي في اليمن، عام 1997 التقيت ميليس زيناوي رئيس الوزراء الإثيوبي الأسبق، لمرات ومناسبات عدة، في جبهات، أو في مؤتمرات، وفي إحداها أجريت معه حديثاً لإحدى القنوات وكان هو الأول الذي يدلي به الرجل لوسيلة إعلام عربية".

وأضاف: "بدا أنه كان في حاجة للتوجه بذلك الحديث إلى العالم العربي بعد فترات يأس طويلة في التفاهم مع معظم العرب"، لافتا إلى أنه سأله عن سبب التوتر في علاقة بلاده مع مصر، فرد "زيناوي": "بل قل مع العرب جميعا".

وكان "زيناوي"، حسب "العنسي"، رجلاً متواضع الجسد ومتقد العقل، جريئاً في مواقفه، كان يدير أمور 80 مليون إنسان في بلده، يعانون المجاعة والمرض والصراعات العرقية، وفي نفس الوقت يعد خططاً إنمائية طموحة تستوعب التطور لمائة سنة على الأقل، بدءاً بمشاريع بنية تحتية ومطار حديث لعاصمة البلاد يتوفر على كل المعايير الدولية لبوابة كبرى بين أفريقيا والعالم، وسدٍ عملاق يستثمر أغنى موارد هذا البلد الذي ظل في رأيه مغلوباً على أمره.

وفوق هذا وذاك، كان "زيناوي"، والحديث لـ"العنسي"، مصراً على إكمال رسالة الماجستير في الاقتصاد، في إحدى الجامعات الألمانية، ولكن الأخطر في كل ما كان يفكر فيه "ميليس" كان حل مشكلة الخلل في التوازن البيئي بين الشمال الغربي الغزير المطر في بلاده، وإقليم "أوجادين" المتصحر الفقير في جنوبها الصومالي الشرقي.

ونقل "العنسي"، عن رئيس وزراء إثيوبيا الأسبق قوله إن "الأمطار الغزيرة شمال غرب البلاد الجبلي تتلف أغلب محاصيل المزارعين البسطاء، ولا يستفيدون من مناسيبها العالية، بينما لم تكن تسقط على رمال أوجادين الظمأى قطرة مطر واحدة".

وفي أثناء الحديث الصحفي، أومأ "زيناوي"، إلى أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، وتساءل: "كيف يمكن لإثيوبيا التي تنتج 85% من مياه نهر النيل أن لا تنتفع بأكثر من 1% من الفوائد المتاحة؟"

وقال "زيناوي": "اذهب إلى مدينة (بحر دار) قف على بحيرة (تانا)، ثم اشرح لي كيف يمكن لزعيمٍ إثيوبي أن يرى نهراً عظيماً كالنيل ينزع في كل موسمٍ جزءاً حميماً من روح بلاده ماءً وتراباً وطمياً دون أن تستفيد بقطرة واحدة"!.

يحكي "العنسي"، أن اللقاء لم يذع كما تم تسجيله، ربما بسبب سياسة القناة حينذاك، لكن الرسالة وصلت واضحة تماماً لـ"مبارك"، الذي وجّه دعوةً فورية لـ"زيناوي" للقائه في شرم الشيخ.

وأضاف الصحفي اليمني: "عرفت بعد ذلك من مصادر متطابقة، أن نقاشاً طويلاً دار وجرت فيه مكاشفة بين الرجلين".

وتابع: "وعندما كنت برفقة صالح إلى مصر، لمحني مبارك بين زملائي المرافقين لصالح، ثم تقدم مني بهدوء، وسحب يدي، وسألني: (إزاي عرفت توصل للراجل ده؟ الناس دول غامضين؟)".

وزاد "العنسي": "فكان أن أجبته بـ(نحن لا نحاول أن نفهم إخوتنا في أفريقيا ، يجب أن نعيد تقييم علاقتنا بهذه القارة)، ثم تركني ومضى عندما لم تعجبه إجابتي رغم أنه نظر إلى عينيَّ باهتمام.

شعرت بعد هذا الحديث المقتضب، أن الرجلين لم يتوافقا على شيء، وفقا لـ"العنسي".

وأضاف: "ثم سعى علي صالح، إلى إتمام صفقة تاريخية بين مصر وإثيوبيا حول الاستفادة من مياه النيل، لكنه في نظر كثير من المسؤولين في إثيوبيا، لم يكن شخصاً محايداً بسبب موقفه الملتبس تجاه الحرب بين إثيوبيا وإريتريا، وعلاقته برئيسها أسياس أفورقي".

وبطلب من "صالح"، أجرى "العنسي"، اتصالات بموظفين كبار في حكومة "زيناوي" وبـ"زيناوي" نفسه الذي رحب لاحقاً بزيارة الرئيس اليمني، لأديس أبابا بعدما أقنعته بأن "صالح" يرتبط بعلاقة وثيقة مع "مبارك".

وزار "صالح" أديس أبابا، ونجح حسب "العنسي"، في إقناع الإثيوبيين بإبطاء خطط بناء السد إلى حين التوصل إلى اتفاق، لكن أحداثاً جرت بعد ذلك قللت من اتصالات القادة الثلاثة، وفوتت فرص الاستفادة من ذلك الزخم، ومضى الإثيوبيون في مشروعهم حين لم يتلقوا عرضاً بتعويض يغنيهم عن بناء السد.

وحاليا، ومع تفاقم الخلاف حول السد الذي اكتمل الجزء الأكبر من بنائه، تصف مصر السد بالتهديد الوجودي لأنها تُعاني من ندرة مائية بحسب تصنيف البنك الدولي، وتعتمد بشكل أساسي على مياه نهر النيل في تلبية 95% من احتياجاتها المائية، إذ تحصل سنويا على حصة من مياه النيل تقدر بـ 55 ونصف مليار متر مكعب.

وتخشى مصر من أن عملية ملء السد قد تؤثر على حصتها من المياه، ففي السنوات التي يكون فيها معدل الأمطار عاديا أو فوق المتوسط لا يُتوقع أن تكون هناك مشكلة، ولكن القلق بشأن ما قد يحدث خلال فترات الجفاف التي قد تستمر لسنوات.

من ناحية أخرى، إثيوبيا تقول إن السد، ضرورة وجودية، فإذا جرى تشغيله بكامل طاقته، سيكون المحطة الأكبر أفريقيا لتوليد الكهرباء.

وسيُوفر الكهرباء لـ 65 مليون إثيوبي. وبالتالي فهو ضروري لنمو البلاد اقتصاديا ولتوفير الطاقة.

ولكي يتحقق الغرض منه تحتاج إثيوبيا لملء خزان السد بـ 74 مليار متر مكعب من المياه، تم بالفعل ملء 4.9 مليار متر مكعب منها.

المصدر | الخليج الجديد + بي بي سي