الجمعة 21 أغسطس 2020 07:18 ص

«التحالف العربى الإسرائيلى».. كواقع جديد

دخلت دول عربية أخطر مراحل التطبيع مع إسرائيل وأي مرحلة «التطبيع بلا مقابل لمواجهة أوهام وجود أخطار مشتركة»!

سلام مصر مع إسرائيل ومن بعدها سلام الأردن لم يأت أو يمنح الفلسطينيين أى حقوق أو تنازلات إسرائيلية.

رغم هزائم عسكرية مدوية أمام إسرائيل التزمت الدول العربية ولو شكليا ورمزيا بحدود ما قبل 1967 للفلسطينيين.

يبدو أنه ليس هناك أى حاجة لهذه الأمور الشكلية والرمزية، وهذا ما استغله المطبعون العرب الجدد بلا خجل أو تردد.

هل يدعم العرب استراتيجية إسرائيل لإقناع أبناء العرب أن «الاحتلال ليس أصل القضية» وأن احتلال فلسطين ليس قضيتهم؟!

*     *     *

دخلنا كدول عربية أخطر مراحل التطبيع مع إسرائيل، وهى ما أطلقت عليه قبل أعوام مرحلة «التطبيع بلا مقابل لمواجهة أوهام وجود أخطار مشتركة».

ويحاول المطبعون الجدد إقناع شعوبهم العربية بأن هناك أخطارا تهددهم وتهدد إسرائيل معهم مثل الخطر الشيعى، وخطر تنظيم داعش، وخطر الإرهاب... من هنا وجب علينا (نحن وإسرائيل) مواجهة هذه الأخطار معا.

وقبل أيام حمل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشرى للشعب الإسرائيلى مفاداها أن الاتفاقية التاريخية مع دولة الإمارات تحمل فى طياتها بشرى عظيمة بالنسبة لإسرائيل.

وأضاف فى سلسلة تغريدات أن الاتفاقية «تعزز أمننا» وأنها قائمة على سلام مقابل السلام، وقال إنه سيكون هناك «سلام مقابل ثمار السلام الهائلة».

كما أكد نتنياهو أن «الحقيقة هى بأننا ملتزمون بتحقيق السلام مع العالم العربى، وشطبنا الفيتو الفلسطينى على تقدم السلام مع الدول العربية الأخرى، وستكون هناك دول عربية أخرى ستصنع السلام معنا».

وتجتهد تقارير عديدة فى توقع هوية الدول التالية التى ستنضم لقافلة المطبعين الجدد مع إسرائيل، دولة البحرين أم سلطنة عمان، جمهورية السودان أم المملكة المغربية!

بل يرى البعض أن كل دول مجلس الخليج تبحث فى تحرك جماعى يعفيها من حرج التحرك الفردى فى تأسيس اتفاقيات سلام مع إسرائيل نظرا لاختلاف طبيعة تركيبتها السياسية الداخلية عن تلك الموجودة فى دولة الإمارات.

*     *     *

جاءت الخطوة الإماراتية بعد سنوات من التقارب بين الدولتين، بدأته الإمارات على خجل عقب ضلوع شابين إماراتيين هما مروان الشحى وفايز بنى حماد فى هجمات 11 سبتمبر الإرهابية والتى راح ضحيتها ثلاثة آلاف أمريكى.

تصورت الإمارات أن التعاون مع إسرائيل كان كافيا لمرورها إلى البوابة الملكية لواشنطن من خلال السماح بتعاون أمنى استخباراتى واسع مع إسرائيل واطلاع الدوائر الأمريكية عليه.

ثم ضاعف الربيع العربى وما اعتبرته أبوظبى وتل أبيب خطرا وجوديا وتهديدا غير مسبوق لمصالحهما القومية. مثلت ديمقراطية الشعوب العربية خطرا لم يترك علاقات الدولتين إلا أكثر قوة وتنسيقا فاجأ حتى حليفهم الأمريكى.

ولا يرتبط التقارب الرسمى الإماراتى أو العربى بصفة عامة بأى من ملفات قضية حقوق الفلسطينيين. ولا يعد ذلك استثناء، بل هو الواقع الذى أملته رغبة أطراف عملية السلام أو واقع فرض الأمر الواقع على الأرض من الجانب الإسرائيلى ورضوخ الأطراف العربية.

سلام مصر مع إسرائيل ومن بعدها سلام الأردن لم يأت أو يمنح الفلسطينيين أى حقوق أو تنازلات إسرائيلية. في الحالة المصرية تم الانسحاب من سيناء، وفى الحالة الأردنية انسحبت إسرائيل من مساحة 380 كيلو مترا مربعا من أراض أردنية.

*     *     *

لم يتردد جوناثان شانزر، مدير وحدة الأبحاث بمؤسسة الدفاع عن الديمقراطیات بواشنطن، فى التعبیر صراحة عما تعتقده الكثیر من الدوائر الیمینیة الأمريكیة تجاه «عملية سلام الشرق الأوسط» التى يتبناها الرئیس دونالد ترامب.

ويرى شانزر أنه حتى لو فشلت جھود كوشنر وفريقه فى تحقیق السلام بین إسرائیل والفلسطینیین، يكفى أنها دفعت لإخراج علاقات إسرائیل مع دول الخلیج للعلن إذ يمثل هذا نجاحا كبیرا.

وفى كتابه Every Day is Extra، يؤكد جون كیرى، وزير الخارجیة الأسبق أن واشنطن تصورت إمكانیة التأسیس للسلام الاقتصادى أولا كمدخل أكثر برجماتیة لسلام الشرق الأوسط.

إلا أن كیرى أكد أن المفاجأة كانت فى موقف نتنیاھو الذى تشدد، إذ سعى نتنیاھو لكسب المزيد من تطبیع الدول العربیة وخاصة الخلیجیة مع إسرائیل. ويبدو أن نتنياهو نجح نجاحا كبيرا فى مسعاه.

*     *     *

وللمرة الأولى يظهر استعداد الدول العربية اعتبار النزاع العربى الإسرائيلى منتهيا، والدخول فى اتفاقيات سلام مع إسرائيل بهدف تحقيق الأمن لجميع دول المنطقة بدون شرط الانسحاب الكامل من الأراضى العربية المحتلة عام 1967.

وبدون التوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يُتفق عليه وفقا لقرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقم 194 مقابل تطبيع الدول العربية علاقاتها مع إسرائيل. إلا أن المطبعين الجدد لم يعد هناك ما يلزمهم بهذا الحد الأدنى من ضرورة إقرار الحقوق الفلسطينية.

ومن واشنطن يزداد الحديث عن «التحالف العربى الإسرائيلى» كواقع جديد، وهو ما يمثل وسيلة ضغط مباشرة وفعالة على العقل الجمعى العربى للتأقلم على وضع مخالف لما آمنت به شعوب العرب لعقود.

كذلك تشتد الجهود الإسرائيلية داخل واشنطن لاستغلال حالة الضعف العربى غير المسبوق من أجل تحسين وضعها التفاوضي فى أى عملية سلام مستقبلية مع الفلسطينيين.

وتركز هذه الجهود على القضاء على أي مسوغات قانونية دولية دعت فى السابق لانسحاب إسرائيل من الأراضى الفلسطينية التى احتلتها فى حرب يونيو 1967 عن طريق المطالبة بتجاهل تام لقرار مجلس الأمن 242، وغيره من القرارات الدولية.

*     *     *

وموازاة مع الشق السياسى يأتى الشق الأكثر خطورة مما نشهده الآن فى نطاق الهرولة العربية «للسلام» مع إسرائيل، وهو ما سيرتبط بتغيير المناهج الدراسية التعليمية العربية خاصة فى مواد التاريخ والجغرافيا.

ناقوس خطر كبير حيث تنشغل نخب العرب وتتوه وسط فوضى الأزمات اليومية التى يحيون فيها، فى حين يركز البعض على جهود لن تتوقف يدعمها خطوات التسامح والتطبيع ودعوات قبول الآخر، حيث تُنسى الأجيال الجديدة من الشباب والأطفال العرب وجود احتلال لأراض عربية بها مقدسات دينية.

ويعنى ذلك إنجاح العرب لاستراتيجية إسرائيل فى محاولة إقناع أطفال العرب أن «الاحتلال ليس هو أصل القضية»، وأن احتلال فلسطين ليس قضيتهم على الإطلاق.

*     *     *

تاريخيا ورغم هزائمها العسكرية المدوية أمام إسرائيل، التزمت الدول العربية، ولو شكليا ورمزيا بحدود ما قبل 1967 للفلسطينيين، ويبدو أنه ليس هناك أى حاجة لهذه الأمور الشكلية والرمزية، وهذا ما استغله المطبعون العرب الجدد بلا خجل أو تردد.

* محمد المنشاوي كاتب صحفي في الشئون الأمريكية من واشنطن.

المصدر | الشروق المصرية