الجمعة 21 أغسطس 2020 02:48 م

بالرغم أن الكثيرين في المنطقة وخارجها لديهم آراء مختلفة حول السياسة الخارجية الإمارتية، فلا أحد يستطيع أن ينكر أن ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" أصبح لاعبا مهما للغاية على الساحة الدولية.

بعد حصول الإمارات على استقلالها عام 1971، انضمت أبوظبي بشكل وثيق إلى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في العقدين الأخيرين من الحرب الباردة. ومثل دول الخليج العربي الأخرى، كانت الإمارات في وضع جيد للاستفادة من انهيار الاتحاد السوفيتي؛ لأنها وجهت سياستها الخارجية نحو واشنطن وليس موسكو.

وخلال أزمة الخليج (1990-1991)، ساعدت القوات الإماراتية الجيش الأمريكي على طرد القوات العراقية من الكويت؛ ما زاد من تعزيز علاقات أبوظبي مع واشنطن.

وبعد 10 سنوات، شارك شخصان إماراتيان ضمن 17 آخرين في تنفيذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول، في الوقت الذي كانت فيه الإمارات واحدة من 3 دول فقط كانت تعترف بشرعية إمارة أفغانستان الإسلامية (نظام طالبان)؛ مما أضر بصورة الإمارات في واشنطن.

بالإضافة إلى ذلك، أدت روابط دبي المالية بـ"المنظمات الإرهابية" إلى جعل البعض في الولايات المتحدة ينظر إلى الإمارات باعتبارها "عدو"، في ذات الوقت الذي كانت تعتبر فيه شريكًا عسكريًا استراتيجيًا، وهي ديناميكية مثيرة للاهتمام.

وخوفًا من انهيار علاقاتها مع واشنطن، استغلت الإمارات مجموعة من الخدمات العسكرية وجماعات الضغط في الولايات المتحدة للدفع برواية أنها دولة عربية ذات تفكير تقدمي وحديث، وأنها كانت رائدة في الكفاح ضد التطرف العنيف.

نتيجة لذلك، بالرغم من الجدل فيما يتعلق بهجمات 11 سبتمبر/أيلول وفضيحة موانئ دبي العالمية اللاحقة، تعززت علاقة أبوظبي بواشنطن طوال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لا سيما في التنسيق العسكري.

لكن خلال السنوات العشر الماضية على الأقل، عملت أبوظبي على أن تصبح أكثر استقلالية عن الغرب. اكتسبت الإمارات استقلالية أكبر عن واشنطن ولندن، ويرجع ذلك أساسًا إلى التأثير المزعزع للاستقرار لقرار غزو واحتلال العراق في 2003 من قبل إدارة "جورج دبليو بوش"، وتفاعل إدارة "باراك أوباما" مع الأحداث في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ( الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) في أعقاب انتفاضات الربيع العربي في عام 2011. وقد تمكن "بن زايد" من تطوير استقلالية الإمارات من خلال الاستثمار بكثافة في العلاقات مع الصين وروسيا والهند.

وهذا لا يعني أن واشنطن وأبوظبي لم تعد تربطهما علاقة قوية. على العكس من ذلك، لا تزال هناك شراكة قوية بين الولايات المتحدة والإمارات، حيث ينسق الجانبان عن كثب في العديد من القضايا.

ويعتبر إضفاء الطابع الرسمي على العلاقات الإماراتية الإسرائيلية في 13 أغسطس/آب، والذي أعلن عنه "ترامب" عبر "تويتر"، هو دليل قوي على مدى تعاون البيت الأبيض وأبوظبي معًا بشكل وثيق وبطرق جريئة تنطوي على مخاطر لقيادة الإمارات بالنظر إلى مدى تأييد الرأي العام العربي بشدة للفلسطينيين.

لا شك أن صورة "بن زايد" في واشنطن ستتحسن بشكل كبير نتيجة لأن بلاده أصبحت أول عضو في مجلس التعاون الخليجي يقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع تل أبيب.

فعلى جانبي الانقسام الحزبي في واشنطن، هناك الكثير من الثناء على قرار الإمارات في اتخاذ هذه الخطوة التي ستشجع (إسرائيل) وتقنع المسؤولين في تل أبيب بأن تقديم تنازلات إقليمية للفلسطينيين لم يعد شرطًا أساسيًا لإضفاء الطابع الرسمي على العلاقات الدبلوماسية مع الدول العربية. خاصة إذا حذا آخرون مثل البحرين والسودان حذو أبوظبي.

ومع ذلك، بالرغم أن وسائل الإعلام تركز بشدة على التطورات الأخيرة في العلاقات الإماراتية الإسرائيلية، فإن الملف الإسرائيلي/الفلسطيني ليس القضية الحساسة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وفيما يتعلق بمناطق الصراع الأخرى في المنطقة العربية، لا يمكن إنكار أن الإماراتيين يسعون وراء مصالحهم الخاصة بثقة أكبر، وفي حالات معينة بطرق لا تتماشى مع مصالح إدارة "ترامب"، وكذلك المؤسسة الدبلوماسية الأمريكية. وفيما يلي 4 أمثلة على متابعة أبوظبي وواشنطن لمصالح متضاربة يصعب تجاهلها:

اليمن

تدعم الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي في جنوب اليمن، وهو جماعة انفصالية تسعى إلى إعادة تأسيس جنوب اليمن كدولة قومية مستقلة. تعود شعبية المجلس إلى حد كبير إلى مظالم واسعة النطاق بين اليمنيين الذين يعيشون في المحافظات الجنوبية للبلاد ويعتقدون أن إعادة توحيد اليمن عام 1990 كان تطورًا سلبيًا لمصالح مجتمعاتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

بالطبع، كان لدولة الإمارات دوافعها الخاصة لدعم المجلس الانتقالي الجنوبي، والتي تتعلق إلى حد كبير بسعي أبوظبي لتأكيد نفوذ جيوسياسي أكبر ليس فقط في جنوب اليمن، ولكن أيضًا عبر البحر الأحمر في شرق أفريقيا، فضلاً عن تصميم الإمارات على القضاء على قوى الإسلام السياسي في العالم العربي.

ومع دعم الولايات المتحدة ليمن موحد، فمن الواضح أن واشنطن وأبوظبي لديهما وجهات نظر وأولويات مختلفة تجاه جنوب اليمن. فبعد دعم التحالف العربي الذي تقوده السعودية منذ عام 2015، تريد واشنطن والرياض حكومة الرئيس "عبد ربه منصور هادي" لحكم اليمن كله، ولكن المتمردون الحوثيون المدعومون من إيران في شمال اليمن والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات في جنوبه، يجعلون هذا الهدف غير واقعي بشكل متزايد.

في 29 يوليو/تموز 2020، اتفقت حكومة "هادي" والمجلس الانتقالي على قرار يدعو إلى الإسراع في تنفيذ اتفاق الرياض، والذي يستلزم تخلي المجلس عن سعيه لإعادة إقامة دولة مستقلة في جنوب اليمن. ومع ذلك، فإن احتمال عودة العنف بين القوات الموالية لـ"هادي" والمجلس الانتقالي الجنوبي أمر مرجح للغاية.

ليبيا

ترجع قوة الجنرال الليبي "خليفة حفتر" إلى حد كبير إلى دعم أبوظبي له. وكما هو الحال في اليمن، كان الإماراتيون يرعون جهة فاعلة غير حكومية تعتبرها كل من الولايات المتحدة والأمم المتحدة غير شرعية.

علاوة على ذلك؛ هناك شكوك في ليبيا بأن أبوظبي تسعى إلى تقسيم البلاد إلى قسمين، سواء رسميا أو بشكل غير رسمي.

ومن الواضح أيضًا أن هناك بعض التوافق الملحوظ بين المصالح الإماراتية والروسية: فقد سعت موسكو إلى كسب وتوطيد نفوذها في أجزاء من ليبيا من خلال دعم أنشطة "حفتر" وأنشطة مجموعة "فاجنر"، الأمر الذي وضع روسيا والإمارات في نفس المركب حول العديد من القضايا المتعلقة بليبيا.

مع دعم المؤسسة الدبلوماسية الأمريكية لحكومة الوفاق الوطني التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، تتحرك القوات الموالية لهذه الحكومة المعترف بها دولياً شرقاً نحو الحدود المصرية في هجومها المضاد ضد قوات "حفتر"، ولكن الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي" هدد بنشر قوات لوقف حكومة الوفاق الوطني، مما يترك واشنطن قلقة من حرب مصرية تركية محتملة تدور رحاها في ليبيا.

وهكذا، في حين أن المسؤولين في واشنطن يرغبون في رؤية كلا الجانبين في الحرب الأهلية الليبية يقدمان تنازلات ويستوعبان بعضهما البعض، هناك تصور متزايد داخل المؤسسة الدبلوماسية الأمريكية بأن أبوظبي والرياض تشجعان مصر على أن تكون جريئة في تهديداتها ضد تركيا وضد القوات الليبية المتحالفة مع حكومة الوفاق الوطني.

سوريا

مع إعلان توالي الانتصارات العسكرية للنظام السوري، لا تزال دمشق مستبعدة من جامعة الدول العربية، بينما رفضت معظم الدول الغربية إعادة العلاقات الدبلوماسية الرسمية مع سوريا. لكن هناك اتجاه عام نحو إعادة تطبيع العلاقات مع دمشق بين الأنظمة العربية، حتى بين بعض الأنظمة التي دعمت التمرد ضد البعثيين في السابق.

وهنا نجد أن القوة العربية التي تقود هذا الجهد هي الإمارات، التي ترى أن عودة سوريا إلى الحظيرة الدبلوماسية في المنطقة مفيدة لأجندات أبوظبي الجيوسياسية والأيديولوجية. يحاول الإماراتيون دمج سوريا في كتلة من الدول العربية ضد تركيا وقطر و"الإخوان المسلمين".

ومع ذلك، حتى لو أرادت الإمارات إعادة قبول شرعية "بشار الأسد"، فإن إدارة "ترامب" ومؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن لا ترغب بالشيء نفسه. ومع استمرار الولايات المتحدة في الضغط على الحكومات العربية ضد إعادة تطبيع علاقاتها مع سوريا، كما يتضح من تنفيذ ما يسمى بقانون "قيصر"، فإن الآراء المختلفة حول نظام "الأسد" تعتبر مصدر توتر بين واشنطن وأبوظبي.

دولة قطر

في 9 يوليو/تموز، نشرت قناة "فوكس نيوز" مقالاً بعنوان "الإمارات توقف صفقة خليجية يمكن أن تنهي حصار قطر وتحمي المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط". وأفاد المقال بأن الإماراتيين أوقفوا صفقة صاغتها الولايات المتحدة وكان المقصود منها تخفيف الحصار عن قطر بالسماح للخطوط الجوية القطرية بدخول المجال الجوي السعودي/الإماراتي مرة أخرى.

إذا كان هذا التقرير صحيحًا، فإن ذلك يشير إلى أن الرمارات تستخدم نفوذها لمنع واشنطن من لعب أي دور فعال فيما يتعلق بتحريك أزمة مجلس التعاون الخليجي نحو الحل.

لكن الولايات المتحدة ترى أن مصالحها تضررت نتيجة هذا الخلاف العربي الذي يدخل عامه الرابع. تعتقد واشنطن أنه يجب أن تعمل جميع دول مجلس التعاون الست لمواجهة سياسة إيران الخارجية، وقد أدى هذا الخلاف بين شركاء أمريكا العرب في الخليج إلى نتائج عكسية في عملية عزل إيران والضغط عليها قدر الإمكان.

في 26 يوليو/تموز، تناول المبعوث الأمريكي الخاص إلى إيران، الأزمة الخليجية بعد لقائه مع كبير الدبلوماسيين في الدوحة، قائلاً: "لقد استمر الخلاف لفترة طويلة جدًا وهو يضر في النهاية بمصالحنا الإقليمية المشتركة في الاستقرار والازدهار والأمن".

من الواضح أن الحصار المفروض على قطر، وهي الفكرة التي نشأت في أبوظبي، هي واحدة من العديد من القضايا الساخنة في منطقة الشرق الأوسط، والتي لا تلتقي قيادتا واشنطن وأبوظبي في الأفكار بشأنها.

أبوظبي في عالم متعدد الأقطاب

ليس هناك من ينكر أن الولايات المتحدة الأمريكية والإمارات تربطهما علاقة فريدة متجذرة خلال عقود من التعاون عبر العديد من المجالات؛ بما في ذلك مكافحة الإرهاب والاستثمار والدبلوماسية والتكنولوجيا والتعليم والثقافة وما إلى ذلك.

ومنذ أوائل التسعينيات، عملت الإمارات، مثلها مثل بقية دول مجلس التعاون الخليجي، ضمن المظلة الأمنية للولايات المتحدة، وليس هناك سبب للاعتقاد بأن هذا على وشك التغيير. ومع ذلك، لا جدال في أن هذه العلاقة الثنائية أصبحت أكثر توازنًا وتكافؤًا في السنوات الأخيرة مقارنة بعقد أو عقدين أو 3 عقود مضت.

انخرطت الإمارات في ممارسة نهج "التحوط" في السياسة الخارجية عبر تنويع شبكة الحلفاء والشركاء والأصدقاء، في عالم أصبح متعدد الأقطاب بشكل متزايد، مما يمنع في نهاية المطاف الدولة الخليجية من الاعتماد المفرط على أي قوة واحدة. ومن خلال الاستثمار بكثافة في شراكات أقوى مع الصين وروسيا، تتمتع الإمارات بنفوذ أكبر في علاقتها مع واشنطن.

وبينما يتكيف الشرق الأوسط مع نظام جيوسياسي جديد يكون فيه توازن للقوى العالمية، أمضت الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى العقد الماضي في الاستثمار في علاقات أقوى مع الهند. وركزت الشراكة بين أبوظبي ونيودلهي بشكل كبير على التجارة وأمن الطاقة والدفاع على خلفية العديد من الأصوات في واشنطن التي تدعو إلى خروج الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، أو على الأقل تخفيض التزاماتها في المنطقة.

يتعين على المسؤولين في واشنطن أن يتصالحوا مع قدرتهم المحدودة على التأثير على دول مجلس التعاون الخليجي مع تراجع النفوذ الأمريكي وتنامي القوة الصينية والروسية والهندية في المنطقة.

كما توضح الأوضاع في جنوب اليمن وشرق ليبيا وسوريا، يبدو أن أبو ظبي أقرب كثيرًا إلى أهداف السياسة الخارجية الروسية (وليس الأمريكية) في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وعندما يتعلق الأمر بالحصار المفروض على قطر، فإن الإماراتيين لا يصطفون مع أي قوة عالمية كبرى، بل يسعون وراء مصالحهم الخاصة، والتي لها أبعاد أيديولوجية عديدة في حالة الززمة الخليجية.

منذ أن أصبح رئيسًا في عام 2017، سحب "ترامب" الولايات المتحدة الأمريكية من الدور القيادي في معظم منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتعتبر الإمارات هي أحد شركاء واشنطن العرب المقربين الذين سعوا للتأثير على سياسة "ترامب" الخارجية منذ مرحلة مبكرة.

ونظرًا لأن "بن زايد" لديه وجهات نظر حول إيران وقضايا أخرى تتوافق بشكل جيد مع إدارة "ترامب"، فقد قام البيت الأبيض عن طيب خاطر بتفويض قدر كبير من سياسة واشنطن الخارجية للإمارات.

وبالرغم أنه من المفهوم أن الولايات المتحدة ترغب في تحويل المسؤوليات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى جهات فاعلة محلية، إلا أنه لا ينبغي أن يكون مفاجئًا عندما تختار الإمارات وغيرها من القوى الخليجية تأكيد مصالحها الخاصة، بما في ذلك تلك التي تتضارب مع رؤى إدارة "ترامب" أو المؤسسة الدبلوماسية في واشنطن.

المصدر |  كريستيان كوتس أولريشسين و جورجيو كافيرو/ منتدى الشرق – ترجمة وتحرير الخليج الجديد