الخميس 27 أغسطس 2020 04:16 م

وردة جبل الكرد .. إرهاصة نضال روائي

إصرار الكاتب لاحقاً على الكتابة ضمن مشروع روائي متكامل أضاء طريق القراءة كله لذلك المشروع فأعادني إلى العاشقة وقد تحولت إلى وردة!

تناول الظفيري خطر أنظمة شمولية تدّعي نضالا ضد الاستكبار والاستيلاء على مقدّرات الشعوب بينما تستلب إنسانا منصاعا لفكرة الغالب كجزء من نفسيته.

أراد التأسيس بهذه الرواية لمشروع لم يتضح بعد وقد نجح فكانت رواياته اللاحقة تدور في فلك نضال روائي لتحرّر الإنسان من التسلط بكافة أشكاله.

*     *     *

صدرت، الأسبوع الجاري، عن مكتبة صوفيا في الكويت، الطبعة الثانية من الرواية الأولى للروائي الكويتي الراحل ناصر الظفيري رحمه الله، تحت إشراف فريق صغير من أصدقائه، سعدت أن أكون منهم.

على الغلاف الأخير للطبعة الجديدة، كتبت كلمة موجزة وفقاً لطلب دار النشر، نشرت مع كلماتٍ أخرى لبقية الأصدقاء الذين أشرفوا على الطبعة، جاء فيها "لحسن حظي أنني عايشت مؤلف هذه الرواية وهو يكتبها صفحة فصفحة.

كان زميلي في العمل الصحافي، ونعمل في مكتبين متجاورين، وكان عند انتهاء مهام عمله الصحافي، يبدأ بكتابة روايته الأولى.. عاشقة الثلج، التي تصدر الآن بعنوان آخر اختاره هو بنفسه قبل رحيله؛ "وردة جبل الكرد".

ربما لأنه أراد بهذا العنوان الجديد أن يعيد كتابتها من العنوان وحده، تعبيراً عن قلقه الوجودي الدائم تجاه ما يكتبه بعد أن ينشر. لم يكن ناصر ليترك أعماله في مهبّ قراءة الآخرين، مثل كثيرين، بل كان شديد الالتصاق بكلماته المتحققة فعلاً، كثير المراجعة والنقد الذاتي لها. ومن هنا، بقيت تجربته في هذه الكتابة الروائية الأولى حية بعد رحيله، رحمه الله".

وما لم أقله في تلك الكلمة أن ناصر قال في "عاشقة الثلج" أو "وردة جبل الكرد" ما أراد قوله، آنذاك، في معظم رواياته اللاحقة بوضوح أشد.

كانت تلك الرواية إرهاصة لنضال روائي طويل... لم أفهم بالضبط، في حينه، ذلك المعنى العميق المختبئ وراء القصد منها بالنسبة لكاتب يجرّب كتابة الرواية، بعد أشواط قطعها في الشعر والقصة القصيرة، مقيّداً بقيودٍ كثيرة في عمله وحياته كلها.

لذك استغربت أن يهتم ناصر بروايةٍ تتحدث عن معاناة من يمكن وصفهم بالأبعدين مقارنة بمعاناتنا نحن من النظام السياسي نفسه الذي كان للتو قد انهزم، وتحرّرت البلاد من ربقته الثقيلة. ولكن إصرار ناصر لاحقاً على الكتابة ضمن مشروع روائي متكامل أضاء طريق القراءة كله لذلك المشروع، فأعادني إلى العاشقة وقد تحولت إلى وردة.

قال ناصر، ذات لقاء صحافي، عن روايته تلك: "في "عاشقة الثلج" حاولت تناول فكرة خطر الأنظمة الشمولية التي تدّعي النضال ضد الاستكبار والاستيلاء العالمي على مقدّرات الشعوب، رغم أنها تمارس أبشع صور استلاب الإنسان العربي الخامل والمنصاع دائماً لفكرة الغالب والطاعة كجزء من تركيبته النفسية.

كان النظام العراقي يمارس ذلك كله قبل أن تنقلب صورته في أعين عشاقه، وكان الأكراد يتعرضون للكثير وهم تحت حكمه، لكن المصادر المتوفرة عن هذا الشعب كانت قليلة، واعتمدتُ، في أكثر مصادري، على الخيال، خصوصاً أنني لم أزر العراق في حياتي، لا جنوباً ولا شمالاً.

وكنت أعتمد على الخرائط لرسم المدن والمسافات الفاصلة بينها. وكانت الرواية تعتمد على جزء أول، وهو الطغيان الداخلي الذي يمارسه الطاغية في الداخل، قبل أن تتوسع أطماعه إلى الخارج.

وفكرة الرواية كانت في ذهني عام 1989، حين زرت لندن وكان المعارضون العراقيون يعرضون صوراً وفيديو لأطفال قرية حلبجة الكردية التي تعرّضت للهجوم الكيماوي، لكن الصحافة العربية تجاهلت هذا الأمر لأسبابها الخاصة يومها..".

حسناً.. لقد كتبها، إذن، لأنه أراد التأسيس بها لمشروعه الذي لم يكن قد اتضح بعد، حتى بالنسبة إليه كما أظن. وقد نجح فعلاً، فكانت كل رواياته اللاحقة تدور في فلك ذلك النضال الروائي في سبيل تحرّر الإنسان من ربقة التسلط بأشكاله كافة.

شكراً لمكتبة صوفيا، بقيادة أيقونتها الجميلة رزان المرشد التي كانت وراء هذا العمل، تجسيداً لفكرة الوفاء، وتعبيراً عن قيمته، وشكراً لأعضاء الفريق الصغير من الأصدقاء الرائعين.. لقد تشاركنا في محبة ناصر الظفيري، وما إشرافنا على إصدار هذه الطبعة من حلمه الروائي الأول إلا تجسيد لتلك المحبة.

* سعدية مفرح كاتبة وصحفية وشاعرة كويتية.

المصدر | العربي الجديد