الجمعة 28 أغسطس 2020 05:38 ص

كيف غيرت سنوات البيت الأبيض ترامب

اتخذ ترامب عدة قرارات خلال سنواته الأربع الماضية أربكت النظام الدولى بحكم موقع الولايات المتحدة فيه.

نجح ترامب فى هز علاقته بالجميع عاملا على تغيير طبيعة علاقة بلاده بالعالم حولها حيث ينجح قليلا ويفشل كثيرا.

لم ينجح المكتب البيضاوي في تغيير نهج ترامب الذي جعل منه رئيسا غريب الأطوار لم تعرف أمريكا له مثيلا.

قد لا يكون ترامب بالضرورة عنصريا تقليديا مؤمنا بسمو ذوي البشرة البيضاء بل عنصري بالاختيار خدمة لأهدافه السياسية.

يعرف ترامب أن أغلب المصوتين له عنصريون ويريدون أمريكا دولة مسيحية بيضاء لذا يذكرهم من حين لآخر أنه مرشحهم المثالي.

أشعل ترامب منذ وصوله البيت الأبيض حروبا ثقافية على خلفية قضايا تتعلق بهوية أمريكا ومعنى أن تكون أمريكيا وعلى رأسها قضية الهجرة.

هل تبقى طريقة ترامب بعد رحيله ويقتدى بها رؤساء قادمون أم هي خروج عن المألوف ينتهى بخروجه لتعود تقاليد السياسية الأمريكية كما عرفها العالم والأمريكيون.

*     *     *

تغيرت طبيعة الرئيس دونالد ترامب الساعى لإعادة انتخابه فى نوفمبر 2020 عن طبيعة المرشح دونالد ترامب فى انتخابات 2016، فلم يعد هو المرشح القادم من خارج أروقة السياسة الأمريكية.

وبعد أربع سنوات فى البيت الأبيض، أصبح ترامب شخصيا مركز السياسة ومحورها الرئيس ليس فقط داخل الولايات المتحدة، بل فى مختلف أنحاء العالم.

دعمت سياسات ومواقف ترامب خلال وجوده فى البيت الأبيض ما عرف عنه خلال حملته الانتخابية الماضية من آراء متطرفة وغير نمطية، ولم ينجح المكتب البيضاوى فى تغيير سلوك أو نهج ترامب والذى جعل منه رئيسا غريب الأطوار لم تعرف أمريكا له مثيلا.

ومنذ تنصيب ترامب رئيسا فى العشرين من يناير لعام 2017 لم تتوقف المعارك والخلافات بينه وبين جميع ألوان الطيف السياسى الأمريكي، من الديمقراطيين للجمهوريين، من الليبراليين إلى المحافظين، من المهاجرين إلى النخبة، ومن المزارعين إلى رجال الدين، ومن الحلفاء الخارجيين إلى الأعداء التقليديين.

لقد نجح ترامب فى هز علاقته بالجميع، حيث يعمل على تغيير طبيعة علاقة بلاده بالعالم من حولها، وفى هذا ينجح قليلا ويفشل كثيرا.

ويستمر أهم نجاح حققه ترامب، المرشح والرئيس، كان تحصين نفسه من العقاب على أي أخطاء أو سقطات، يقول ما يقول، ويخطئ كيفما يشاء، وذلك كله يمر بدون حساب من جانب مؤيديه، وبدون اعتذار من جانبه.

*     *     *

أشعل ترامب منذ وصوله للبيت الأبيض حروبا ثقافية على خلفية قضايا تتعلق بهوية أمريكا ومعنى أن تكون أمريكيا، وجاءت قضية الهجرة على رأس هذه القضايا.

هاجم ترامب المهاجرين، وتوعد غير الشرعيين منهم، وقرر الشروع فى بناء جدار فاصل مع المكسيك. كما حظر ترامب دخول مواطنى عدة دول إسلامية بسبب مزاعم تتعلق بالأمن القومى لبلاده كما يدعى.

ومع ذلك ينفى الرئيس ترامب أن يكون شخصا عنصريا، إذ أكد فى عدة مناسبات للصحفيين أنه «أقل شخص عنصرى فى أى مكان فى العالم».

لكن نظرة سريعة على سجل ترامب مرشحا كان أو رئيسا، لا يتركنا إلا ونحن أكثر قناعة أننا أمام رئيس عنصرى، إلا أن أكثر ما يميز عنصرية ترامب إنها بالاختيار، أي أنه قد لا يكون شخصا عنصريا تقليديا ممن يؤمنون بسمو ذوى البشرة البيضاء فى حالته بالضرورة، بل هو عنصرى بالاختيار خدمة لأهدافه السياسية.

عاش ترامب أغلب عقود عمره السبعة فى منطقة مانهاتن بمدينة نيويورك حيث من الصعب على أى شخص أن يكون عنصريا ويستمر فى العيش فى هذه المدينة التى لا يتمتع أصحاب أى عرقية أو جنس أو لون أو ديانة بالأغلبية فيها.

الجميع هناك أقليات بصورة أو أخرى، ولا يمكن لشخص النجاح فى أى مجال، ناهيك عن حياة الأعمال والصخب والتسلية والتليفزيونات إذا عُرف عنه شبهة العنصرية.

ولم يمكن لترامب أن يحقق كل ما حققه قبل وصوله للبيت الأبيض من شهرة تعود لنجاحات كبيرة ومعها بعض الإخفاقات، إذا كان معروفا أنه عنصري.

ويدرك ترامب وكبار مستشاريه ضرورة بقاء الحرب الثقافية الاجتماعية داخل الولايات المتحدة حية ومشتعلة لأجل حشد وتعبئة قواعده الانتخابية الوفية التى يقلقها استمرار زيادة التنوع والاختلاف بين الأمريكيين.

ويعرف الرئيس ترامب أن أغلب من يصوتون له لهم ميول عنصرية، وأنهم يريدون أمريكا دولة مسيحية بيضاء، لذا فهو من حين لآخر يذكرهم أنه مرشحهم المثالي.

*     *     *

تبنى ترامب مبدأ «أمريكا أولا» وحاول أن يطبقه من منطلق شخصى نفعى دون النظر للحسابات الاستراتيجية التى يستحيل ترجمتها إلى أرقام من منطلق مبدأ الربح والخسارة المادية.

قرارات إدارة ترامب الخارجية لا تنطلق من نظريات فى إدارة العلاقات الدولية، بل كانت فى أغلبها عبارة عن عمليات توازن بين الرئيس ونائبه ووزير الخارجية من جانب، وبين مؤسسات الأمن القومى من جانب آخر!

لكنها مبنية بالأساس على حسابات وتفضيلات الرئيس ترامب المتعلقة بأمور متداخلة ومعقدة بصور يطغى عليها الجانب الشخصى، كما أشار مستشاره السابق جون بولتون فى كتاب مذكراته فى البيت الأبيض.

اتخذ ترامب العديد من القرارات خلال السنوات الأربع الماضية تسببت فى ارتباك واضح فى النظام الدولى بحكم موقع الولايات المتحدة فى هذا النظام.

وتسببت القرارات فى خلق فراغات إقليمية ودولية بشكل مفاجئ للعديد من الأطراف والشركاء قبل الأعداء، وزيادة حالة عدم اليقين تجاه مستقبل العلاقات مع واشنطن.

حاول ترامب أن يدفع بعلاقات شخصية مع رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون منتظرا أن تتخلى بيونغ يانغ عن ترسانتها النووية اعتمادا على الثقة فى الرئيس ترامب.

تعامل ترامب مع دول حليفة للولايات المتحدة من منطلق تجارى بحت وطالبهم بدفع مقابل مادى لوجود قوات أمريكية لحماية هذه الدول خاصة اليابان وكوريا الجنوبية.

ولم يكترث ترامب بأهمية حلف الناتو لواشنطن وأعتبره مؤسسة عفا عليها الزمان وسحب آلاف الجنود الأمريكيين من ألمانيا.

وفيما يتعلق بالشرق الأوسط نفذ ترامب ما وعد به وانسحب من الاتفاق النووى مع إيران. كما نفذ ترامب وعده ونقل سفارة بلاده فى إسرائيل لمدنية القدس، وطرح صفقته لسلام الشرق الأوسط التى أقر أخيرا أن محركه الرئيس فيها هو أصوات الكتلة التصويتية الإنجيلية.

*     *     *

لم يتوقع الآباء المؤسسون للدولة الأمريكية عندما اجتمعوا قبل مائتين وأربعين عاما للاتفاق على شكل الدولة الجديدة وطبيعة الدستور وعلاقة الحاكم بالمحكومين أن يصل رئيس مثل دونالد ترامب لسدة الحكم.

الآن وقد وانتهى مؤتمرا الحزبين الديمقراطى والجمهورى بدأ الصراع الحقيقى والرسمى على المقعد الرئاسى للولايات المتحدة.

ويبقى التساؤل قائما حول إذا ما قام ويقوم به ترامب يبشر بطريقة جديدة تبقى بعد رحيله ويقتدى بها الرؤساء القادمون، أم إنها تمثل خروجا مؤقتا عن المألوف ينتهى بخروجه من البيت الأبيض وبعدها تعود التقاليد الراسخة للسياسية الأمريكية كما عرفها العالم والأمريكيون.

* محمد المنشاوي كاتب صحفي في الشؤون الأمريكية من واشنطن.

المصدر | الشروق المصرية