عن العرب وخسائر كورونا الكارثية المقبلة

هل ستواصل حكومات العرب كالعادة اللجوء إلى الاقتراض الخارجي وقبله جيب المواطن لسد الخسائر المتوقعة؟

هل ستنهار اقتصادات عربية وتتوقف دول عن سداد ديونها؟ وهل لدى الحكومات تصور وبدائل للتعامل مع تأثيرات مرحلة الوباء الثانية؟

قدر صندوق النقد خسارة الاقتصاد العالمي بنحو 9 تريليونات دولار.. خسائر كبيرة لمؤشرات الأسهم الأميركية مقابل صعود الذهب.

لم تبلغ خسائر كورونا القاع بعد وقد يشهد 2021 مفاجآت سيئة لاقتصاد العالم والعرب مع عدم التوصل للقاح الفيروس واستمرار إغلاق الحدود والاقتصاد.

هل اقتصادات العرب التي باتت رهينة للاقتراض وتأثيرات كورونا وتهاوي أسعار النفط، لديها القدرة على الصمود أمام العواصف الاقتصادية، وقبلها الصحية؟

*     *     *

نظرة للأخبار المنشورة خلال الأيام الأخيرة تلحظ وبشكل سريع أن كورونا لا تزال "تفعل فعلتها" السامة، وأن الخسائر التي قد تتكبدها الاقتصادات العالمية في الفترة المقبلة قد لا تقل فداحة عن تلك الخسائر التي تكبدها منذ تفشي الوباء وقدرت قيمتها من قبل بعض المؤسسات المالية بنحو 4 تريليونات دولار.

في حين قدر صندوق النقد الدولي خسارة الاقتصاد العالمي بنحو 9 تريليونات دولار خلال عامين. وهذه الخسارة فادحة حيث توازي حجم اقتصادي ألمانيا واليابان.

إضافة إلى خسائر أخرى غير مباشرة للوباء من أبرزها تكاليف حزم الإنقاذ الضخمة التي ضختها الدول والبنوك المركزية العالمية للحيلولة دون انهيار الاقتصادات الكبرى، ومنع إفلاس الشركات والمؤسسات المالية وشركات الطيران والنفط وغيرها من الأنشطة الاقتصادية، والحد من انتشار البطالة والفقر والمجاعة.

من بين هذه التكاليف مثلا حزم الولايات المتحدة والتي ضختها إدارة ترامب والبنك الفيدرالي الأميركي وبلغت قيمتها 6 تريليونات دولار، إضافة إلى 12 تريليون دولار أخرى تم ضخها على مستوى العالم من أبرزها حزمة منطقة اليورو الضخمة مع تقديم 81 مليار يورو لدعم الأجور، والحزم المستقلة المقدمة من حكومات دول ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا وغيرها.

وهذه الحزم لعبت دورا في تضخم الدين العام للدول، خاصة تلك التي لجأت لصندوق النقد وغيره من المؤسسات المالية الدولية للحصول على قروض ضخمة لمنع انهيار احتياطياتها النقدية، وسد عجز الموازنات العامة المتفاقم، وتغطية كلفة خسائر الوباء الاقتصادية والصحية.

ومع الحديث عن موجة ثانية لوباء كورونا، تتسارع خسائر الاقتصادات الكبرى التي دخل بعضها في حال انكماش شديد لم تشهده منذ الكساد العظيم في العام 1929، وبثت الموجة الجديدة الفوضى في العديد من دول العالم التي سارعت في إعادة غلق حدودها وفرض القيود على الحركة.

ألمانيا صاحبة أكبر اقتصاد في أوروبا ورابع أكبر اقتصاد في العالم، انكمش اقتصادها بنحو 10% في الربع الثاني من العام الجاري، ودخل الاقتصاد الأميركي رسميا في حالة ركود بعد انكماش بنسبة 32.9%.، وهي نسبة لم تشهدها الولايات المتحدة منذ الكساد العظيم.

كورونا دمرت أيضا صناعة السياحة في العالم، وهو قطاع يعد أكبر مشغل للعمالة في العالم، كما قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس أمس، مع خسارة من المتوقع أن تصل إلى 900 مليار دولار خلال العام الجاري، وهناك أكثر من 120 مليون وظيفة معرضة للخطر.

ورقم الخسائر الذي جاء على لسان غوتيريس يقل كثيرا عن أرقام مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد" التي توقعت في شهر يوليو الماضي، أن تبلغ خسائر السياحة العالمية بسبب تفشي كورونا والإجراءات المفروضة بعد مرور 12 شهرا على ظهور الوباء نحو 3.3 تريليونات دولار، وأن تكون الولايات المتحدة أكبر الخاسرين.

وشركات الطيران لا تزال تواصل الاستغناء عن آلاف الموظفين باعتبارها من بين أكثر القطاعات تضرراً من الوباء، وكذا قطاعات أخرى منها الصناعة والتصدير وسوق العمل وغيرها.

كما تفاقمت شركة النفط الكبرى حول العالم، فقد خسرت شركة رويال داتش شل العملاقة للنفط وشركة إيني الإيطالية نحو 23.39 مليار دولار، في الربع الثاني من العام، بينما تراجعت أرباح توتال الفرنسية بنسبة 96 بالمئة.

وحسب تقرير حديث صادر في مايو الماضي عن بنك التنمية الآسيوي، من المحتمل أن يتكبد الاقتصاد العالمي خسائر تتراوح ما بين 5.8 تريليونات دولار و8.8 تريليونات دولار، أي ما بين 6.4% و9.7% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، جراء تفشي الجائحة.

المؤشرات تقول إن العالم لم يصل بعد إلى قاع بئر خسائر كورونا، وإن عام 2021 قد يشهد مفاجآت غير سارة للاقتصاد العالمي والعربي في حال عدم الوصول إلى لقاح لعلاج الفيروس، واستمرار تهديد الوباء لحركة الطيران والسفر وإغلاق الحدود والأنشطة الاقتصادية.

السؤال المطروح هنا: هل الاقتصادات العربية التي باتت رهينة للاقتراض الخارجي ومعرضة أكثر لتأثيرات كورونا وتهاوي أسعار النفط، لديها القدرة على الصمود أمام العواصف الاقتصادية، وقبلها الصحية، المرتقبة؟

أم سينهار بعضها وتتوقف دول أخرى عن سداد ديونها الخارجية، وهل الحكومات العربية لديها تصور وبدائل للتعامل مع تأثيرات المرحلة الثانية للوباء، أم ستواصل، كالعادة، اللجوء إلى الاقتراض الخارجي، وقبله جيب المواطن لسد الخسائر المتوقعة؟

* مصطفى عبد السلام كاتب ومحرر صحفي اقتصادي

المصدر | العربي الجديد