السبت 29 أغسطس 2020 07:05 ص

خيارات الكاظمي بعد واشنطن

إيران تبني استراتيجية إقليمية باعتبار العراق «قوة مفصلية في تيار المقاومة» كجبهة مواجهة مع إسرائيل.

العراق المحايد مرفوض إيرانيا بل المطلوب «العراق المنحاز»، أو بوضوح أكثر المطلوب هو «العراق المقاوم».

الكاظمي بصدد إعادة تقييم علاقات العراق الخارجية بالدول الثلاث الأهم له: إيران والولايات المتحدة والسعودية.

لم يستطع الكاظمي أن يحصل من طهران خلال زيارته لها على دعم لمطلب «تحييد» العراق في الصراع الإيراني- الأمريكي.

شعار «فليخرج الجميع من العراق» رد على مطالب قوى سياسية وميليشيات عراقية موالية لإيران بإخراج القوات الأمريكية من العراق.

هل ستضع قمة عمّان أسس "تجمع عربي جديد" يأخذ اسم "الشام الجديد" أو لا يأخذ؟ سؤال يقدم إجابة واضحة لخيارات الكاظمي بعد زيارة طهران وواشنطن.

*     *     *

صباح الأحد (19/7/2020) حملت الصحف السعودية خبراً مهماً يقول إن مصطفى الكاظمي، رئيس الحكومة العراقية «سيصل غداً الاثنين إلى السعودية فى زيارة رسمية تلبية لدعوة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان».

وتأكيداً لهذا الخبر نقلت إحدى الصحف السعودية عن قحطان الجنابي السفير العراقي في الرياض (19/7/2020) تأكيده وصول الكاظمي إلى السعودية على رأس وفد عراقي رفيع المستوى، وأن الزيارة ستركز على تطوير العلاقات العراقية- السعودية، وتعزيزها في جميع المجالات.

إضافة إلى جانب تطوير علاقة العراق بمحيطه العربي، وجيرانه، لكن بدلاً من أن يصل الكاظمي إلى السعودية في الموعد المحدد يوم الاثنين (20/7/2020) وصل إلى طهران، يوم الثلاثاء (21/7/2020).

تأجلت زيارة الكاظمي للسعودية، وذهب الكاظمي إلى طهران، وبعدها بشهر سافر إلى واشنطن لينجز أهم زيارتين في جولته الأولى بالخارج لتبقى الزيارة الثالثة المتبقية ضمن هذه الجولة، وهي زيارة المملكة العربية السعودية، ليتم بعدها إعادة تقييم وترسيم علاقات العراق الخارجية مع الدول الثلاث الأهم بالنسبة للعراق: إيران والولايات المتحدة والسعودية.

وبالذات من منظور إبعاد العراق عن الصراع الإيراني- الأمريكي، وموازنة علاقاته بين البلدين، على أن تكون زيارته للرياض مدخلاً لإعادة تعريب السياسة العراقية، بعيداً عن الخضوع للهيمنة الإيرانية، وتخفيف الضغوط الأمريكية التي ترفع شعار «فليخرج الجميع من العراق».

وذلك ردًا على مطالب القوى السياسية والميليشيات العراقية الموالية لإيران، بإخراج القوات الأمريكية من العراق، التزاماً بالقرار الصادر بهذا الخصوص عن البرلمان العراقي.

فالولايات المتحدة تربط بين خروجها من العراق بإنهاء النفوذ الإيراني وتفكيك الميليشيات الموالية لإيران، الأمر الذي يضع العراق في مأزق وجودي خاصة في ظل الانقسام العراقي الداخلي حول مطلب إخراج القوات الأمريكية.

لم يستطع الكاظمي أن يحصل من طهران خلال زيارته لها على دعم لمطلب «تحييد» العراق في الصراع الإيراني- الأمريكي، ما حدث كان العكس.

فإيران تبني استراتيجيتها الإقليمية باعتبار العراق «قوة مفصلية في تيار المقاومة»، كجبهة مواجهة مع إسرائيل، ومن ثم فالعراق المحايد مرفوض، بل المطلوب هو «العراق المنحاز»، أو بوضوح أكثر المطلوب هو «العراق المقاوم».

كانت طهران عاتبة على الكاظمي للرسائل التي حملها معه إليها، بخصوص «الحيادية»، أو «الوساطة» العراقية بين إيران والسعودية، أو بين إيران والولايات المتحدة.

وكان خطاب علي خامنئي المرشد الأعلى الإيراني للكاظمي مفعماً بهذا العتاب عندما قال له في لقائه معه بطهران «لقد قتلت أمريكا ضيفكم». في تلميح يقول «بغداد لم تفعل شيئاً للثأر ممن قتل الضيف».

وعاد الكاظمي من بغداد برسالة موجزة تقول إن «عليه أن يتكيف مع أجندة طهران»، في إعادة هندسته للسياسة الخارجية العراقية.

وعاد الكاظمي من زيارته للولايات المتحدة بقدر محدود من الطمأنة بخصوص مطلب الانسحاب الأمريكي من العراق، خصوصاً أن هذه الزيارة، وهي الأولى من نوعها، جاءت ضمن الجولة الثانية ل«الحوار الاستراتيجي العراقي- الأمريكي» الذي يهدف بالأساس إلى إنهاء الوجود العسكري الأمريكي.

فالجولة الأولى من هذا الحوار التي جرت فى يونيو/ حزيران الماضي انتهت إلى صيغة أقرب إلى «تنظيم» الوجود العسكري الأمريكي، وليس إنهاءه على النحو الذي تطالب به إيران، باعتبار أن ذلك هو «الحد الأدنى للقصاص لاغتيال قاسم سليماني».

الجولة الثانية لهذا الحوار التي جرت في واشنطن لم تغير كثيراً من تلك الصيغة «الوسطية»، حيث صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بأن قوات التحالف «ستخرج من العراق خلال 3 سنوات».

وقال ترامب وهو يقف إلى جانب الكاظمي في البيت الأبيض: «في وقت ما سنكون قد غادرنا»، مضيفاً «لقد خفضنا (تواجدنا) إلى مستوى منخفض جداً للغاية».

الرد المباشر على زيارة الكاظمي لواشنطن جاء من جنوب العراق من الناصرية عاصمة محافظة ذي قار، ومن البصرة، في شكل اضطرابات عارمة أجبرت الكاظمي على أن يذهب إلى البصرة بعد ساعات فقط، من وصوله إلى بغداد، عائداً من واشنطن ليتعهد هناك بتحقيق الأمن والاستقرار.

لكن الواضح أن عدم الاستقرار والتهديدات الأمنية الداخلية هي جزء من الصراع السياسي على مستقبل العراق، سواء من ناحية إعادة تأهيل النظام السياسي ليضع حداً للطائفية والمحاصصة المرفوضة شعبياً، أو على مستوى الدور الإقليمي للعراق وحسم وضعه بين طهران وواشنطن، هل هو مع مشروع المقاومة المدعوم إيرانياً، أم مع مشروع «الاعتدال»؟

إرجاء زيارة الكاظمي للسعودية فهمها البعض على أنها إرجاء لحسم «التوجه العروبي» للعراق، لكن جاء اللقاء الثلاثي: العراقي - المصري - الأردني الذي عقد على مستوى القمة في العاصمة الأردنية يوم الثلاثاء، الفائت (25/8/2020) ليقدم «مشروع إجابة عن هذا السؤال».

هل ستضع هذه القمة لبنات تأسيس «تجمع عربي جديد، ربما يأخذ اسم «الشام الجديد»، أو قد لا يأخذ، فهذا هو السؤال المهم الذي يمكن أن يقدم إجابة واضحة حول خيارات الكاظمي بعد زيارتيه لطهران، وواشنطن.

* د. محمد السعيد إدريس باحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

المصدر | الخليج - الشارقة