الأربعاء 2 سبتمبر 2020 07:10 ص

في وقت سابق من هذا الشهر، وصلت التوترات المستمرة منذ فترة طويلة بين باكستان والسعودية إلى درجة الغليان، عندما انتقد وزير الخارجية الباكستاني "شاه محمود قريشي" - علنا - المملكة لتراجعها الواضح عن دعم مصالح إسلام أباد في منطقة كشمير المتنازع عليها.

وخلال مقابلة تلفزيونية في 4 أغسطس/آب، قال "قريشي" إن إسلام أباد تتوقع من منظمة التعاون الإسلامي ومقرها جدة عقد اجتماع بشأن كشمير.

وخلافا لذلك، قال إن باكستان "ستضطر" إلى "الدعوة إلى اجتماع للدول الإسلامية المستعدة للوقوف معنا بشأن قضية كشمير".

ويُنظر إلى تعليقات "قريشي" على نطاق واسع على أنها تهديد مبطّن بإنشاء كتلة جديدة تنافس منظمة المؤتمر الإسلامي التي تهيمن عليها السعودية.

ردا على ذلك، سحبت المملكة قرضا قيمته مليار دولار لباكستان في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، عندما كانت البلاد تعاني من ضائقة اقتصادية شديدة وتطلبت احتياطيات أجنبية لتجنب تعثر سيادي محتمل.

كما رفضت المملكة تجديد خطة مدفوعات النفط المؤجلة التي كانت جزءا من نفس الحزمة.

وفي محاولة للسيطرة على الأضرار، في 17 أغسطس/آب، هرع رئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال "قمر جاويد باجوا" إلى الرياض.

لكن ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" لم يوافق على مقابلة "باجوا"، وعاد القائد العسكري القوي فجأة إلى إسلام أباد بعد عقد اجتماع قصير مع نائب وزير الدفاع السعودي "خالد بن سلمان بن عبد العزيز".

وبعد فترة وجيزة من وصول "باجوا" إلى باكستان، غادر "قريشي" إلى الصين، مرسلا رسالة واضحة إلى المملكة مفادها أن إسلام أباد تقوم بتنويع تحالفاتها وإعادة تقييم قيمة شراكتها الاستراتيجية مع الرياض.

ويجب أن يُنظر إلى الخلاف الدبلوماسي الأخير بين السعودية وباكستان في السياق الأوسع لإعادة هيكلة التنظيمات الاستراتيجية الأخيرة في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.

ولبعض الوقت، كانت باكستان تكافح من أجل الحفاظ على سياستها التقليدية المتمثلة في الحفاظ على علاقات محايدة مع القوى الإسلامية المتنافسة.

وبينما تشعر إسلام أباد بالقلق إزاء تعميق التعاون الاستراتيجي والاقتصادي بين خصمها اللدود الهند ومجموعة من الدول العربية بقيادة السعودية، تشعر الرياض بالإحباط بنفس القدر من انفتاح باكستان على الدول ذات الأغلبية المسلمة التي تعتبرها معادية، مثل تركيا وماليزيا وقطر.

علاوة على ذلك، من المتوقع أن يغير الاتفاق الإيراني الصيني المقترح، الذي من المقرر أن يجعل إسلام أباد وطهران نقطتين مهمتين في مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، ديناميكيات علاقات باكستان مع إيران.

وتشعر السعودية، التي تعتبر إيران التهديد الرئيسي لطموحاتها الإقليمية والعالمية، بالقلق من احتمال ظهور شراكة جديدة بين إيران وباكستان تحت قيادة الصين.

وبعد تحرك الهند في أغسطس/آب 2019 لإلغاء الوضع شبه المستقل لكشمير الخاضعة للإدارة الهندية، توقعت باكستان أن تؤيد الدول العربية بشدة سياستها بشأن كشمير.

ومع ذلك، لم تتخذ السعودية، وحلفاؤها الخليجيون، مثل الإمارات، أي موقف ضد الهند، ما أحبط إسلام أباد.

ووازنت دول الخليج تعاملاتها مع باكستان والهند في الماضي. ولكن يبدو أنها الآن تقترب بشكل علني من الهند وتبتعد عن باكستان.

وظهرت بوادر هذه الاستراتيجية الجديدة خلال جولة "محمد بن سلمان" في فبراير/شباط 2019، في جنوب آسيا.

ولم يقم ولي العهد السعودي بخطوة غير مسبوقة بزيارته الهند مباشرة بعد باكستان فحسب، بل وعد أيضا بإجراء استثمارات أكبر في الهند مما فعل في باكستان.

وبعد توقيع مذكرة تفاهم تقدر قيمتها بنحو 20 مليار دولار للمساعدة في دعم الاقتصاد الباكستاني، قال "محمد بن سلمان" في نيودلهي إنه يتوقع أن تتجاوز استثمارات الرياض في الهند 100 مليار دولار في العامين المقبلين.

وبعد بضعة أسابيع، في مارس/آذار 2019، أوضحت الإمارات أيضا أنها تسعى إلى توثيق العلاقات مع الهند على حساب باكستان، عندما دعت وزيرة الخارجية الهندية "سوشما سواراج" كضيف شرف في قمة منظمة التعاون الإسلامي التي كان من المقرر أن تعقدها.

وانسحب وزير الخارجية الباكستاني "قريشي" من القمة احتجاجا على ذلك، لكنه فشل في جعل الإمارات تلغي دعوتها للهند.

واليوم، تملك السعودية عدة أسباب لتثمين شراكتها العميقة مع الهند أكثر من علاقاتها التاريخية مع باكستان.

وفي حين أن التجارة السنوية بين باكستان والسعودية تبلغ نحو 3.6 مليار دولار، فإن التجارة الثنائية بين السعودية والهند تبلغ قيمتها أكثر من 30 مليار دولار.

ويفسر هذا الفارق التجاري جزئيا، بالرغم من الطلبات الباكستانية المستمرة، سبب تجنب الرياض إثارة قضية كشمير.

لا يتبنى السعوديون وجهة نظر صفرية لتعاونهم الاقتصادي المتنامي مع الهند.

وفي الواقع، تعد الانفتاحات الاقتصادية تجاه الهند جزءا من جهود التنويع الاقتصادي التي يبذلها "بن سلمان" في مرحلة ما بعد النفط.

علاوة على ذلك، فإن الحكومة الباكستانية الجديدة تقترب أكثر من تركيا وماليزيا، وهما دولتان تعتبرهما السعودية متحديين لزعامتها للعالم الإسلامي.

وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي، خضعت باكستان للضغوط السعودية وانسحبت من قمة كوالالمبور، التي اعتبرها الكثيرون محاولة لاستبدال منظمة التعاون الإسلامي التي تسيطر عليها السعودية.

وكان الإحراج الذي عانت منه بسبب هذه القضية قد جعل إسلام أباد أكثر حرصا على اقتطاع مساحة سياسية مستقلة لحماية مصالحها الإستراتيجية الحيوية دون الاعتماد بشكل دائم على حلفائها العرب.

ونتيجة لجهود باكستان في أن تكون أكثر استقلالية، الأمر الذي جعلها أقرب إلى منافسي الرياض في العالم الإسلامي، بدأت السعودية تنظر إلى باكستان على أنها منافس محتمل أكثر من كونها حليفا مخلصا.

وهذا على الأرجح يجعل القيادة السعودية أقل حماسا لانتقاد الهند بشأن كشمير.

وبينما تدرك باكستان بلا شك جيدا تحرك السعودية بعيدا عنها ونحو الهند، فنظرا لاعتمادها الاقتصادي على المملكة، فإنها لا تستطيع تحمل قطع علاقاتها مع الرياض تماما.

ولهذا السبب قلل رئيس الوزراء الباكستاني "عمران خان" مؤخرا من أهمية الخلافات بين بلاده والسعودية، مدعيا ​​أن "الشائعات" حول الخلاف بين الرياض وإسلام آباد "كاذبة تماما".

ووسط عمليات إعادة التنظيم الاستراتيجية الجارية في الشرق الأوسط والعالم الأوسع، من المرجح أن نشهد العديد من التقلبات في العلاقات بين السعودية وباكستان في الأيام المقبلة.

ويبدو أن السعودية ستستمر في التقرب إلى الهند، متجاهلة المطالب الباكستانية بالدعم بشأن كشمير. وفي الوقت نفسه، من غير المرجح أن تتخلى باكستان عن شراكاتها المتنوعة وتعود إلى فلك السعودية.

وفي حين أن بعض الاحتكاك يبدو لا مفر منه، يمكن للحليفين القديمين منع المزيد من الخلاف من خلال تبني نهج عملي والعمل على تعزيز العلاقات في مجالات التقارب، مثل الأمن.

المصدر | عبد الباسط وزاهد سحاب/ الجزيرة - ترجمة وتحرير الخليج الجديد