الأربعاء 2 سبتمبر 2020 06:18 ص

العرب والتشكل الاستراتيجي العالمي الجديد

حالة «خواء استراتيجي» عربي استغلته القوى الإقليمية غير العربية في نزوعها للسيطرة والنفوذ في المنطقة.

معادلة استراتيجية عالمية جديدة يتركز فيها الصراع بين مجالين أساسيين: مجال أوروآسيوي، والمجال الآسيوي- الهادي.

يشكل شرق المتوسط والفضاء المطل على البحر الأحمر محورين مهمين في الصراع من منظور المصالح الحيوية العربية.

الفكرة الأوروآسيوية لا يمكن اختزالها في أفكار فلسفية وأدبيات نظرية بل هي مقوم المشروع الاستراتيجي الروسي الجديد.

ضرورة إعادة بناء رؤية استراتيجية عربية في ضوء التحديات والتحولات الدولية التي يشهدها العالم بتأثيراتها الخطيرة على الأوضاع الإقليمية العربية.

تصطدم الفكرة الأوروآسيوية بمشروع صيني منافس لبناء عولمة اقتصادية بديلة عن «العولمة الغربية» بطرق مبتكرة للتحكم بمسالك التجارة الدولية الجديدة.

*      *     *

تحدثنا من قبل عن انحسار مفهوم «الشرق الأوسط» الذي تشكل في نهاية القرن التاسع عشر في سياق معادلة الصراع الثلاثي بين بريطانيا وفرنسا وروسيا على المجال العثماني، وأشرنا إلى أحد تشكلات الخريطة الجيوسياسية في بروز السياق شرقي المتوسط.

هذا التشكل يندرج في معادلة استراتيجية عالمية جديدة، يتركز فيها الصراع الدولي بين مجالين أساسيين، هما: المجال الأوروآسيوي، والمجال الآسيوي - الهادي، في حين يشكل شرق المتوسط والفضاء المطل على البحر الأحمر محورين مهمين في هذا الصراع، من منظور المصالح الحيوية العربية.

ما يتعين التنبيه إليه هو أن الفكرة الأوروآسيوية متجذرة في الفكر السياسي الروسي، وقد أعيد لها الاعتبار بقوة في السنوات الأخيرة، بعد نهاية المرحلة الانتقالية الطويلة التي تلت تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار التجربة الشيوعية.

وفق تحديدات ألكسندر ديوغين، المفكر الروسي المقرب من الرئيس بوتين، في كتابه الأساس «النظرية السياسية الرابعة: روسيا والأفكار السياسية في القرن الحادي والعشرين»، تصدر الفكرة الأورو آسيوية الجديدة عن المقاربة الحضارية التعددية للعالم، وما يترتب عليها من دور روسي في صياغة نموذج سياسي وثقافي بديل عن الليبرالية الغربية والنظام الدولي المرتبط بها.

في هذا السياق، يميز «ديوجين» بين أربعة أحزمة إقليمية جغرافية حضارية، هي: المنطقة الأنكلوساكسونية الأميركية، والمنطقة الأوروأفريقية، والمنطقة الروسية الآسيوية الوسطى، ومنطقة الهادئ-الشرق الأقصى.

روسيا، من هذا المنظور، هي محور التقاء المجالين الأوروبي والآسيوي، لكن هذا المحور يُشكل، في حد ذاته، عالماً مختلفاً في مقوماته الثقافية والمجتمعية والسياسية عن آسيا الشرقية وأوروبا الغربية والوسطى. أبرز سمات هذا العالم، كما يلخصها ديوغين:

- تعددية منظومات القيم في مقابل الهيمنة الأيديولوجية الأحادية،

- نزعة تقليدية محافظة مقابل تطورية عدمية،

- تأكيد حقوق الأمم وسيادتها في مواجهة هيمنة الغرب،

- إعلاء قيم التضامن الاجتماعي والإنصاف مقابل الفردية الأحادية الليبرالية.

إلا أن الفكرة الأوروآسيوية لا يمكن اختزالها في أفكار فلسفية وأدبيات نظرية، بل هي مقوم المشروع الاستراتيجي الروسي الجديد في طموحه إلى استعادة مراكز النفوذ والتأثير في العالم السوفييتي السابق (في آسيا الوسطى والبلقان).

وقد برز هذا المشروع بقوة عام 2015 من خلال مشروع الوحدة الاقتصادية الأوروآسيوية، الذي استقطب عدداً من بلدان المنطقة.

إلا أن الفكرة الأوروآسيوية تصطدم، في الواقع، بالمشروع الصيني المنافس لبناء عولمة اقتصادية بديلة من «العولمة الغربية»، عبر الطرق المبتكرة للتحكم في مسالك التجارة الدولية الجديدة على خطوط التبادل بين القارتين الأوروبية والآسيوية.

ورغم المشاريع المشتركة المتعددة بين روسيا والصين، فإن البلدين يتنافسان بقوة على النفوذ في آسيا الوسطى، التي هي جسر الوصول إلى أوروبا الغربية والشمالية.

تواجه الولايات المتحدة هذا المشروع الصيني، من خلال استراتيجيتها الطموحة في المجال الآسيوي- الهادئ، بأوراقها القوية في الهند واليابان وأستراليا، بغية تطويق الاختراق الصيني وإضعافه.

لكن المجموعة العربية بحاجة حيوية لاستثمار الفرص المتاحة لها في مجاليها الحيويين في شرق المتوسط (من خلال العلاقة بدول أوروبا المتوسطية) وفي المجال الأفريقي المطل على البحر الأحمر.

في المستوى الأول، يتركز دور دول المشرق العربي المتوسطية ودول شمال أفريقيا المتوسطية (مصر وبلدان المغرب العربي)، وفي المستوى الثاني يبرز دور بلدان الخليج والجزيرة العربية في تكاملها مع شرق أفريقيا والقرن الأفريقي.

ما يتعين التأكيد عليه في هذا المقام، هو ضرورة إعادة بناء الرؤية الاستراتيجية العربية في ضوء التحديات والتحولات الدولية التي يعرفها العالم، راهناً، بتأثيراتها النوعية الخطيرة على الأوضاع الإقليمية العربية.

فغني عن البيان، أن الأزمات المتلاحقة التي عصفت بأمن واستقرار العالم العربي في العقد الأخير انجر عنها ما عبر عنه وزير الخارجية السعودي الأسبق المرحوم سعود الفيصل بحالة «الخواء الاستراتيجي»، الذي استغلته القوى الإقليمية غير العربية في نزوعها للسيطرة والنفوذ في المنطقة.

وما دام أصبح من العصي استعادة تركيبة النظام الإقليمي العربي في محدداته وتوازناته السابقة، فإن النظرة الاستشرافية العميقة تفرض إدماج المجالين المتوسطي والأفريقي في صلب الأجندة الاستراتيجية العربية.

هذا التموقع الجديد هو الذي يمنح العرب إمكانات وفرصاً قوية في دينامية التشكل الجيوسياسي الجديد للعالم، التي تتمحور اليوم حول صراع النفوذ بين القوى العالمية الثلاث الكبرى: الولايات المتحدة، والصين، وروسيا.

* د. السيد ولد أباه كاتب وأكاديمي موريتاني

المصدر | الاتحاد الظبيانية