الأربعاء 9 سبتمبر 2020 06:52 ص

الأحكام السعودية في جريمة خاشقجي: إضافة المهزلة إلى المأساة

أحكام «لا تحمل أية شرعية قانونية أو أخلاقية. وهي تأتي في نهاية سيرورة لم تكن نزيهة ولا عادلة ولا شفافة».

لم تكن هذه الأحكام مستغربة من قضاء لا حول له ولا طول إزاء قتلة مأمورين توجب عليهم تنفيذ إرادة الآمر الأعلى.

تعامت المحكمة عن معالجة أسئلة قانونية وجزائية وجنائية واجبة حكماً، مثل طريقة تصفية خاشقجي، ومصير الجثة!

هل جرى تقطيع الجثة بمنشار خبير التشريح وأين أخفيت؟ وهل دُفنت على بالطريقة الشرعية من قضاء يزعم الاستناد لشريعة الإسلام؟

*     *     *

انتقلت الأجهزة السعودية من مرحلة التخطيط لجريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في اسطنبول مطلع تشرين الأول/ أكتوبر 2018، إلى مرحلة التنفيذ عبر فريق ضمّ 15 من محترفي القتل وتقطيع الجثة وإخفاء الأدلة.

ثم مرحلة إنكار المسؤولية أولاً والاضطرار إلى الاعتراف بها لاحقاً مع تنزيه الآمر بتنفيذها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. وبالأمس، وبعد إجبار أبناء خاشقجي على العفو عن قتلة أبيهم، أضاف القضاء السعودي مهزلة الأحكام إلى مأساة الجريمة.

ولا تقتصر المهازل على أحكام بالسجن تتراوح بين سبعة أعوام و20 عاماً، أو التراجع عن أحكام بالإعدام سبق للقضاء ذاته أن أصدره بحق خمسة من أعضاء فريق القتل، أو منع المراقبين وممثلي المنظمات الدولية وكذلك وسائل الإعلام المحلية والأجنبية من حضور الجلسات، أو حتى حجب أسماء المدانين بأحكام السجن.

لقد تعامت المحكمة عن معالجة أسئلة قانونية وجزائية وجنائية واجبة حكماً، مثل طريقة تصفية خاشقجي، ومصير الجثة، وهل جرى تقطيعها بمنشار خبير التشريح، وأين تمّ إخفاؤها، وهل دُفنت على الطريقة الشرعية من قضاء يزعم الاتكاء على الشريعة الإسلامية؟

ذروة المهزلة، ومنتهى الاستهتار بأسرة الفقيد والرأي العام السعودي والعالمي ومجافاة العقل والمنطق السليم، تجلت في استبعاد المحكمة أي شكل من أشكال المساءلة لثلاثة من أبرز المخططين للجريمة والمشرفين على تنفيذها من واقع مناصبهم يومذاك، وهم سعود القحطاني مستشار ولي العهد، واللواء أحمد عسيري نائب مدير الاستخبارات، ومحمد العتيبي القنصل في اسطنبول.

وكأن إعفاء هؤلاء من وظائفهم لاحقاً كان يعني بالضرورة إعفاءهم أيضاً من كل مسؤولية جنائية، قياساً على معيار تنزيه سيدهم ورئيسهم المباشر محمد بن سلمان من كل إثم يتصل بالجريمة.

ولا ريب في أن السلطات السعودية، التي يخضع لها هذا القضاء الهزيل المسيّر، وجدت التشجيع على هذا الاستهتار بالقانون والعقل والرأي العام من قوى وجهات ومؤسسات خارجية تحرص على مكاسبها من النظام السعودي ومشاريع ولي العهد الجنونية وعقوده ومشترياته بعشرات المليارات، أكثر بما لا يُقارن من حرصها على كرامة الإنسان وحق التعبير وحرية الصحافة.

ولعل مواقف التستر التي اعتمدتها الإدارة الأمريكية الراهنة والرئيس دونالد ترامب شخصياً هي الأشد خزياً في هذا المضمار، رغم أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية جزمت بـ«ثقة بين متوسطة إلى عالية» أنّ محمد بن سلمان هو الآمر بتنفيذ الجريمة، ورغم أن الكونغرس الأمريكي ألزم البيت الأبيض بكشف أسماء جميع المتورطين في عملية القتل غير القانوني استناداً إلى قانون ماغنيتسكي.

ردود الأفعال العالمية على مهزلة الأحكام القضائية السعودية توالت بالطبع، وأعربت منظمات حقوقية وقانونية وصحافية عديدة عن إدانتها لاستكمال جريمة اغتيال خاشقجي في قاعات محاكمة قاتليه.

فاعتبرت أنييس كالامار المقررة الخاصة للأمم المتحدة المكلفة بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء أن الأحكام «لا تحمل أية شرعية قانونية أو أخلاقية. وهي تأتي في نهاية سيرورة لم تكن نزيهة ولا عادلة ولا شفافة».

وفي كل حال لم تكن هذه الأحكام مستغربة من قضاء لا حول له ولا طول، إزاء قتلة مأمورين توجب عليهم تنفيذ إرادة الآمر الأعلى.

المصدر | القدس العربي