الجمعة 11 سبتمبر 2020 04:21 م

أثارت زيارة رئيس الوزراء العراقي "مصطفى الكاظمي" إلى واشنطن، في أغسطس/آب، ضجة إعلامية كبيرة. وارتفعت التوقعات بشأن إعادة تنظيم علاقة العراق مع دول الخليج العربية من خلال الاستثمار وربط شبكة الكهرباء الوطنية العراقية بدول مجلس التعاون الخليجي كمسار لتقليل اعتماد بغداد على الكهرباء الإيرانية.

وتعد استراتيجية إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" لدفع العراق نحو دول الخليج، امتدادا لدبلوماسية الرئيس "باراك أوباما" التي بدأت عام 2013 تحت إشراف المبعوث الخاص للتحالف الدولي ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق والشام "بريت ماكجورك"، باعتباره جهدا مضادا لنفوذ إيران في العراق.

ومع ذلك، كانت إدارة "ترامب" أكثر قوة في محاولاتها لإعادة دمج العراق في العالم العربي. ولعبت استراتيجية "أقصى ضغط" لاحتواء سلوك إيران، دورا رئيسيا في تصميم الإدارة الأمريكية على مساعدة العراق والسعودية في إصلاح العلاقات.

وواجهت الولايات المتحدة معضلة مماثلة من قبل، حيث حاول الرئيس "دوايت أيزنهاور" احتواء مصر عام 1956، وكانت استراتيجيته تتمثل في تشكيل تحالف بين العراق والسعودية والأردن ولبنان لمواجهة العلاقات المتزايدة بين الرئيس "جمال عبدالناصر" والاتحاد السوفيتي.

وفي هذا السياق، التقى العاهل السعودي الراحل الملك "سعود بن عبدالعزيز" الملك العراقي "فيصل" في بغداد ليضع أساسا للثقة بين الخصمين، بعد أن تخلى "فيصل" عن مطالبة عائلته بالحجاز؛ ما ساعد على حل القضايا القديمة المتعلقة بترسيم الحدود بين السعودية والعراق.

وشجعت واشنطن المصالحة بين البلدين الجارين من خلال الدعم المالي والعسكري. وقدمت نحو 50 مليون دولار للملك السعودي وقدمت للعراق مساعدات عسكرية.

ومع ذلك، لم يتحقق التحالف بسبب التطورات الداخلية وانعدام الثقة المتبادل والأحداث الجيوسياسية الدراماتيكية مثل تشكيل الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا والأزمة السياسية في لبنان عام 1958، التي أدت إلى تدخل عسكري أمريكي.

علاوة على ذلك، أدى انقلاب عام 1958 الذي أنهى حكم الأسرة الهاشمية في العراق إلى توسيع فجوة الثقة بين بغداد والرياض.

وزادت التوترات مع تهديد العراق بغزو الكويت. وفي عام 1961، أرسلت السعودية قوة طوارئ للدفاع عن الدولة الخليجية الصغيرة ضد العراق.

وتغيرت الديناميكية الإقليمية مع اندلاع الثورة الإيرانية في عام 1979. واستطاع التهديد المشترك الذي تشكله قوة غير عربية جمع السعودية والعراق معا، ومع ذلك قامت الرياض بوضع مسافة بين دول الخليج العربية والعراق من خلال استبعاد بغداد من عضوية مجلس التعاون الخليجي عام 1981.

وقد عزز غزو العراق للكويت بعد 10 أعوام فقط، مخاوف السعودية بشأن طموحات بغداد الإقليمية.

وفي عراق ما بعد 2003، مهدت استقالة رئيس الوزراء "نوري المالكي" واستبداله بـ "حيدر العبادي" عام 2014 الطريق لإقامة علاقات دبلوماسية بين السعودية والعراق.

واعتمدت واشنطن بشكل كبير على شخصية "العبادي" لدفع توجهها الجديد تجاه العراق، حيث زار الرياض مرتين.

كما زار الرئيس العراقي "فؤاد معصوم" الرياض، وأدت هذه المحادثات مع المسؤولين السعوديين إلى تعيين "ثامر السبهان" في يونيو/حزيران 2015 كأول سفير مقيم للمملكة في العراق منذ عام 1991.

وبعد بضعة أشهر، أرسل العراق سفيره الخاص إلى الرياض. ومع ذلك، كان هناك ضعف جوهري في استراتيجية واشنطن.

وركزت الاستراتيجية الأمريكية على "العبادي" وحده، وروجت الولايات المتحدة له على حساب الحلفاء الرئيسيين الآخرين في العراق، بمن فيهم الأكراد، خاصة في عام 2017، عندما أجرى إقليم كردستان استفتاء الاستقلال.

وكلفت إدارة "ترامب" وزير الخارجية آنذاك "ريكس تيلرسون" بالترويج لأهمية وجود علاقة أعمق بين بغداد والرياض.

وانضم "تيلرسون" إلى "العبادي" في الاجتماع الافتتاحي للجنة التنسيق السعودية العراقية، إلى جانب العاهل السعودي "سلمان بن عبدالعزيز"، لتسليط الضوء على أهمية العلاقة السعودية العراقية للأمن الجماعي والازدهار في المنطقة.

لكن هزيمة "العبادي" في الانتخابات البرلمانية العراقية لعام 2018 أوقفت التقدم بين العراق والسعودية.

وأدى تبادل الزيارات بين المسؤولين العراقيين والسعوديين إلى تشكيل مجلس التنسيق السعودي العراقي في أكتوبر/تشرين الأول 2017؛ لتنسيق وتسهيل التجارة والاستثمار وفتح معبر "عرعر" الحدودي.

لكن المجلس كان غير فعّال إلى حد كبير. وبالرغم من الموافقة على فتح معبر "عرعر" الحدودي، إلا أنه ظل مغلقا إلا أثناء الحج. علاوة على ذلك، استغرق الأمر ما يقرب من عامين للسعودية لتحديد موعد الاجتماع الثاني للمجلس.

وفي حين أدت هذه المبادرات إلى تحسين العلاقات الرسمية بين السعودية والعراق، إلا أنها لم تغير الكثير على الأرض. على سبيل المثال، الاستثمار السعودي في العراق.

ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى عدم التوافق بين أولئك الذين يحتفظون بالسلطة على المستوى الرسمي في بغداد، وأولئك الذين يمسكون بزمام السلطة على الأرض في جميع أنحاء العراق. فالأولى تبدو جادة في إعادة بناء علاقات العراق مع دول الخليج. لكن الأخيرة، المكونة من الميليشيات الشيعية، تعتبر السعودية تهديدا لسلطتها.

وبدون تغيير جذري في المشهد السياسي العراقي، سيستمر هذا الانقسام الداخلي في إعاقة التقارب الهادف بين بغداد والرياض.

وفي الواقع، تم اقتراح عدد من المبادرات من قبل السعوديين لتعزيز العلاقات مع الدولة العراقية. ومع ذلك، ليس لدى المملكة مسارات فعالة حتى الآن لتوجيه الحوافز الاقتصادية إلى الحكومة في بغداد.

وتعثر تعهد بقروض تنموية للعراق بنحو مليار دولار منذ عام 2017، كما هو الحال مع خطة لبناء مدينة رياضية كهدية لبغداد. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك تقدم بطيء لفتح قنصليتين في النجف والبصرة.

ويمكن أن تكون الاضطرابات السياسية مسؤولة جزئيا عن عدم إحراز تقدم، لكن العوامل الأكثر أهمية بالنسبة للسعوديين هي على الأرجح انعدام الأمن في قلب المجتمع الشيعي وعرقلة العناصر المناهضة للسعودية في الحكومة العراقية لأي خطوة للأمام.

ومن المرجح أن تقدم السعودية مساعدات مالية إذا كان لديها القنوات المناسبة لتقديم التمويل، وإذا كانت هناك مساءلة.

ويعاني العراق بالفعل من الصراع والفساد وعدم الاستقرار، وتهدد التدفقات المتزايدة للأموال بتعميق الخلافات السياسية بين مختلف الفصائل التي تتنافس على السلطة.

ولا يزال العراق أرضا معادية للاستثمار السعودي والمصالح الأخرى. ولا يزال وجود قوات "الحشد الشعبي" يشكل تهديدا خطيرا.

وهددت بعض فصائل الحشد الشعبي السعودية، متعهدة بمهاجمة المملكة بعد هزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق وسوريا. ولا يزال النفوذ العسكري لهذه الفصائل يشكل تهديدا خطيرا حتى بالنسبة لإيصال المساعدات الدولية إلى المناطق المنكوبة بالحرب.

وتتسبب هذه الميليشيات في مشاكل كثيرة للجيش الأمريكي. علاوة على ذلك، فإن مقتل ناشطين عراقيين مؤخرا في بغداد والبصرة ومناطق أخرى مع الإفلات من العقاب، خاصة أثناء وجود "الكاظمي" في واشنطن، يعد رسالة واضحة من هذه الميليشيات حول سيطرتها وسلطتها في العراق.

ومع ذلك، فإن اقتراح ربط شبكة الكهرباء في العراق بشبكة مجلس التعاون الخليجي، قد يمكّن دول الخليج من فرض نفوذها في العراق، وإلى حد ما، دحر نفوذ الجماعات الشيعية المسلحة بشكل تدريجي.

ووقّع العراق اتفاقا مع مجلس التعاون الخليجي عام 2019 لتوريد نحو 500 ميجاواط من الكهرباء إلى البصرة بحلول عام 2020.

وبحسب الحكومة العراقية، فقد اهتمت بغداد بـ 80% مما يجب القيام به للوفاء بالجزء الخاص بها من الاتفاقية؛ ما أدى إلى تحويل الانتباه إلى استعداد دول الخليج للقيام بدورها في ربط العراق بشبكة المجلس.

وإذا سارع مجلس التعاون الخليجي في استكمال البنية التحتية للنقل لتوفير الكهرباء اللازمة للعراق، فسيؤدي ذلك إلى أرباح كبيرة من المفترض أن يستفيد منها الشعب العراقي الذي عانى من انقطاع التيار الكهربائي وقلة مياه الشرب.

وإذا تم إيصال الكهرباء إلى المنازل، فسيكون من الصعب على الفصائل المناهضة للسعودية في العراق تعطيلها دون إثارة حفيظة السكان.

لذلك، تحتاج الشرطة الفيدرالية العراقية إلى توفير الحماية الكاملة لهذه البنية التحتية الحيوية. ويمكن للولايات المتحدة، بصفتها داعما قويا للمشروع، استخدام الطائرات بدون طيار للمراقبة، إذا لزم الأمر.

وتواصل الميليشيات الشيعية السيطرة على الأجهزة الأمنية المهمة في الدولة العراقية. ويتمتع "الكاظمي" بتفويض ضعيف منذ أن تم تعيينه من قبل الأحزاب السياسية التي لها مصلحة في الحفاظ على ديناميات السلطة الحالية.

وبالرغم من أنه يحظى بدعم شعبي ملحوظ، إلا أنه من المحتمل أن يواجه "الكاظمي" تحديا في الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في يونيو/حزيران 2021.

ومع ذلك، إذا كانت قائمة "الكاظمي" قادرة على الفوز بمقاعد كافية، فقد يمنحه ذلك التفويض الذي يحتاجه للتعامل مع التحديات الأمنية، وفي نهاية المطاف إنشاء بيئة مواتية للقوة الناعمة السعودية في العراق.

لكن الإجراءات الصارمة فيما يخص التعامل مع الفصائل الشيعية الموالية لإيران، يمكن أن تأتي بنتائج عكسية وتغرق البلاد في حرب أهلية.

وقد أظهر التاريخ أن العراق لا يستجيب بشكل جيد للضغط الخارجي، والذي يؤدي بدلا من ذلك إلى تفاقم خطوط الصدع العرقية والطائفية التي بنيت عليها البلاد.

وسيكون ربط شبكة الكهرباء الوطنية العراقية بشبكة مجلس التعاون الخليجي البداية، ولكن في النهاية، ستكون الحلول المحلية ضرورية للتنمية الاقتصادية والاستقرار الوطني.

المصدر | يريفان سعيد/معهد دول الخليج العربي في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد