الجمعة 11 سبتمبر 2020 04:30 م

أين ذهبت المليارات المتدفقة على مصر؟

إجمالي التدفقات النقدية الدولارية إلى مصر خلال 6 سنوات منذ وصول السيسي إلى الحكم بلغت 431 مليار دولار.

ما مصدر الأموال الضخمة التي جذبتها مصر طوال 6 سنوات ماضية والتي اقتربت من نصف تريليون دولار؟

كم سترد مصر للخارج مقابل الأموال المتدفقة؟ من سيدفع تكلفة مئات مليارات الدولارات غير أجيال حالية ومستقبلية ودافعي الضرائب.

ما كلفة القروض الخارجية الاجتماعية والسياسية والمعيشية التي صاحبها برنامج تقشف أفقر نصف المصريين ودمّر الطبقة الوسطى وفاقم البطالة والبؤس؟

أين ذهبت تلك الأموال التي تدفقت على مصر وتزيد قيمتها عن 6.8 تريليونات جنيه؟ ما أوجه إنفاقها؟ أي القطاعات الاقتصادية استفادت منها؟

البنك الدولي الذي يشيد بنجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي اعترف سابقا أن 60% من المصريين باتوا إما فقراء أو أكثر احتياجا.

*     *     *

لن نناقش محافظ البنك المركزي المصري طارق عامر في مدى دقة الأرقام التي جاءت على لسانه، مساء أمس الأربعاء، وقال فيها إن إجمالي التدفقات النقدية الدولارية التي جاءت إلى مصر، على مدار 6 سنوات، منذ وصول السيسي إلى الحكم، بلغت 431 مليار دولار.

فالأرقام صحيحة، وقد تفوق هذا الرقم، خاصة إذا ما أضفنا إليها الأموال المتدفقة على البلاد والتي لا تمر عبر الجهاز المصرفي، وكذا تحويلات العاملين في الخارج والتي تتم عبر الوسطاء أو ترسل لذويهم في الداخل مباشرة عن طريق أشخاص، أو القروض الدولارية التي حصلت عليها البنوك الحكومية والخاصة والقطاع الخاص المصري.

 

السؤال الأول

لكن السؤال الأول هنا هو: ما مصدر تلك الأموال الضخمة التي جذبتها مصر طوال السنوات الست الماضية والتي اقتربت من نصف تريليون دولار؟

هل هي من موارد ذاتية لا تمثل عبئا على الدولة وخزانتها، أي من إيرادات أنشطة السياحة والصادرات الخارجية وتحويلات المصريين العاملين في الخارج وقناة السويس والاستثمارات الأجنبية المباشرة وإيرادات النفط والغاز، خاصة وأن البلاد باتت تمتلك أكبر حقل لإنتاج الغاز الطبيعي في منطقة شرق البحر المتوسط؟

أم أن جزءاً مهما من هذا الرقم الضخم جاء من القروض التي حصلت عليها البلاد من المؤسسات الدولية، وتجاوزت قيمتها 75 مليار دولار خلال السنوات الست لترفع رقم الدين الخارجي لأكثر من 120 مليار دولار بنهاية شهر يونيو الماضي، إضافة إلى أرقام المنح والمساعدات الخليجية التي تجاوزت قيمتها 60 مليار دولار في الفترة من منتصف العام 2013 وحتى شهر مارس 2015 فقط.

إضافة إلى 23 مليار دولار قروضا أخرى مقدمة من السعودية تم توجيهها لتمويل صفقات استيراد الوقود من المملكة، وكذا الأموال المتدفقة من المنح الدولية الأخرى، سواء الأميركية البالغة 1.3 مليار دولار سنويا، أو المقدمة من الاتحاد الأوروبي وصناديق عربية ودولية أخرى.

كم تمثل الأموال الساخنة من إجمالي التدفقات النقدية الدولارية التي جاءت إلى مصر في 6 سنوات، ما قيمتها عند الدخول، وما قيمتها عند الخروج عندما هربت محملة بأرباح كبيرة مع حرص البنك المركزي على تثبيت سعر صرف الجنيه مقابل الدولار، وحرص وزارة المالية على منحها سعر فائدة عالي على الاستثمار في أدوات الدين الحكومية " أذون خزانة وسندات" لضمان عودة تلك الأموال الهاربة والتي تمثل تهديداً حقيقاً لاقتصاديات الدول.

 

السؤال الثاني

أما السؤال الثاني فهو: كم سترد مصر للخارج من هذه الأموال المتدفقة عليها في 6 سنوات والبالغة 431 مليار دولار، من سيدفع تكلفة تلك المئات من مليارات الدولارات، والاجابة هنا معروفة وهي الأجيال الحالية والمستقبلية ومن أموال دافعي الضرائب.

 

السؤال الثالث

أما السؤال الثالث فيتعلق بالكلفة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والمعيشية للقروض الخارجية خاصة تلك التي حصلت عليها البلاد من صندوق النقد والبنك الدوليين وصاحبها تطبيق برنامج تقشفي عنيف ألقى بنصف المصريين في خانة الفقر، وقضى على الطبقة الوسطى ورفع معدلات البطالة والفقر المدقع.

 

السؤال الرابع

أما السؤال الرابع والأهم، فيتفرع عنه عدة أسئلة فرعية منها:

1. أين ذهبت تلك المليارات من الدولارات التي تدفقت على مصر وتزيد قيمتها عن 6.8 تريليونات جنيه، ما أوجه إنفاقها، أي القطاعات الاقتصادية استفادت منها؟

2. كيف انعكست هذه المليارات على حياة المصريين، هل خفضت معدلات الفقر والبطالة، هل رفعت قيمة الدعم المقدم لسلع رئيسة مثل رغيف الخبز والبنزين والسولار والكهرباء والمياه وغيرها؟

3. هل قللت تلك المليارات من عجز الموازنة العامة للدولة، وبالتالي خفضت من حجم الدين العام والذي زاد عن 6 تريليون جنيه مقابل 1.7 تريليون جنيه في العام 2013؟

4. هل حسنت مليارات الدولارات التي تدفقت على مصر من الوضع المعيشي للمواطن، أم مثلت عبئا شديدا عليه، خاصة وأنه صاحب تدفق هذا الكم الضخم من الأموال خفض الدعم الحكومي المقدم لسلع أساسية، وزيادات قياسية في أسعار البنزين والسولار والغاز المنزلي وفواتير الكهرباء والمياه والرسوم الحكومية والضرائب.

5-هل تم توجيه جزء من تلك المليارات المتدفقة على البلاد في إقامة مشروعات إنتاجية وخدمية ساعدت الحكومة في توفير فرص عمل لملايين الشباب العاطل خاصة من خريجي الجامعات؟

6. هل ساعدت تلك الأموال في تطوير القطاع الصناعي أعقبها حدوث طفرة في إيرادات البلاد من النقد الأجنبي خاصة من قطاع التصدير؟

7. هل تم توجيه جزء من هذه الأموال لحل أزمة السكن وإقامة مشروع المليون وحدة سكنية التي تم وعدت السلطة الحاكمة فقراء وشباب المصريين بها في شهر إبريل 2014؟

8. كم تم توجيه من هذه المليارات الضخمة لإقامة مدارس ومستشفيات وتطوير أهم قطاعين يرتبطان بالمواطن، الصحي والتعليمي؟

9. كم ذهب من تلك الأموال لتمويل مشروعات لا تمثل أولوية للاقتصاد المصري والمواطن مثل تفريعة قناة السويس التي استنزفت 8 مليارات دولار من أموال الدولة، في الوقت الذي تتباطأ فيه حركة التجارة الدولية، وكذا مشروع العاصمة الإدارية الجديدة البالغة تكلفة المرحلة الأولى منها 45 مليار دولار؟

10. هل تم توجيه 10 مليار دولار من الأموال المتدفقة على مصر لتوسيع الرقعة الزراعية، واضافة 1.5 مليون فدانكما وعدت الحكومة عدة مرات؟

الإجابة بالطبع، لا، فلم يحدث إلا النزر القليل من تلك الأمور، والأرقام والواقع يقولان إن حال المواطن انهار بشدة خلال السنوات السبع الماضية، وذلك بشهادة جهاز التعبئة العامة والإحصاء الحكومي الذي اعترف بحدوث زيادة كبيرة في معدلات البطالة والفقر، وأن قطاعا كبيرا من المصريين بات يقترض للإنفاق على الطعام والشراب والمسكن، وكذا بشهادة البنك الدولي الذي يشيد صباح مساء بنجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي، والذي اعترف في وقت سابق بأن حوالي 60% من المصريين باتوا إما فقراء أو أكثر احتياجا.

* مصطفى عبد السلام كاتب ومحرر صحفي اقتصادي

المصدر | العربي الجديد