الجمعة 11 سبتمبر 2020 09:26 م

"شكرا".. هكذا خاطب رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"، صديقه القديم رئيس وزراء بريطانيا سابقا "توني بلير"؛ لمساهمته في تأسيس الاختراق التاريخي بين (إسرائيل) والإمارات.

وكشفت صحيفة "يسرائيل هيوم" العبرية، تفاصيل دور "بلير"، الذي بدأ عمله بعملية تحسين للعلاقات بين (إسرائيل) والإمارات في أواخر 2015، عندما كان الصفر نقطة البداية.

هذه البداية، سبقها في 2010 كشف شرطة دبي عن تصفية القيادي البارز بحركة القسام الذراع العسكري لحركة "حماس" الفلسطينية "محمود المبحوح"، على أيدي رجال الموساد.

وحينها، غضب الإماراتيون، فقدوا الثقة بالقليل من الإسرائيليين الذين كانوا حتى ذلك الحين على اتصال سري بهم، وتجمدت الأعمال المشتركة، وأصدرت شرطة الإمارات، عبر الإنتربول، أمراً دولياً باعتقال 33 من رجال الموساد الذين اشتبهت بهم كمنفذي الاغتيال.

وكان أمر خطير، وبقدر لا يقل، أن فقدت (إسرائيل) منظومة علاقات مع دولة عربية حيوية، حسب الصحيفة العبرية، فليست العلاقات الأمنة وحدها هي التي توقفت، بل أيضاً أعمال تجارية هادئة كانت تجري منذ بضع سنوات.

وبعدها، أتيحت الانعطافة في أعقاب خطاب "نتنياهو" في الكونجرس الأمريكي، ضد الاتفاق النووي مع إيران في مارس/آذار 2015.

ومثل دول خليجية أخرى، شعرت الإمارات أيضاً بخيانة الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما" لها.

وكان موقف "نتنياهو" ضد كل من الإدارة والاتفاق وإيران، قد أثار انطباع ولي عهد أبوظبي والرجل القوي في الإمارات الشيخ "محمد بن زايد".

ووفق المراسل السياسي للصحيفة "أرئيل كهانا"، فإن "بلير"، هو الذي شخص الفرصة، لعقد تعاون مع (إسرائيل) على أساس هذه المواقف الجديدة.

ونقلت الصحيفة، عنه قوله: "فكرت كم من السنين نحتاج لتغيير النهج الدارج"، مضيفا: "بدلاً من أن نرى في السلام بين (إسرائيل) والفلسطينيين وسيلة تؤدي إلى اختراق مع الدول العربية، يجب قلب المفهوم رأساً على عقب.. فبدون اتفاقات مع الدول العربية، لن تأتي التسوية مع الفلسطينيين".

وبينما هو متحرر من ضغوط الدول الأجنبية، قاد "بلير" المسيرة وفقاً لرؤياه.

وكانت هذه، بصدفة أم بغير الصدفة، تشبه موقف "نتنياهو" الذي كان على اتصال طيب به منذ بضع سنوات.

وحسب "كهانا"، فإن "نتنياهو" هو الآخر ادعى منذ 2015، بأن الدول العربية ستجلب الفلسطينيين، وليس العكس.

وغازل "بلير" دولاً عربية، حين وجد في الإمارات الأذن الأكثر إنصاتاً.

ولكن، ومن أجل استئناف العلاقة مع (إسرائيل)، كانت هناك حاجة مسبقة للتغلب على قضية "المبحوح"، حيث كانت أبوظبي غاضبة من (تل أبيب)، ووصفت الفعلة بـ"غير المحترمة"، وطلبت ضمانات.

ولكن "بلير" لم يكن وحده، فمن أجل صب ثقة في الرسائل التصالحية التي نقلها، جند "نتنياهو" للمهمة رجل سره "إسحق مولخو".

وربط "بلير" بين "مولخو" وأحد الوزراء الشبان في حكومة "بن زايد" (لم يكشف عن اسمه)، وكان اللقاء الأول بين الاثنين في لندن نهاية 2015، بمشاركة "بلير"، وحقق نجاحاً، وفق "يسرائيل هيوم".

في أعقابه، ولدت علاقة تضمنت لقاءات عديدة لـ"مولخو" والوزير الإماراتي في قبرص وأبوظبي، وكذا مكالمات هاتفية عديدة.

في البداية، رافق "بلير" المحادثات، ولكن لاحقاً "تلقت العلاقة حياة خاصة بذاتها"، مثلما يقول ولم يعد حضوره لازماً.

في محادثات "مولخو" والوزير الإماراتي، رفعت رسائل من "نتنياهو" إلى الحاكم الإماراتي الذي حدد الإخوان المسلمين والإسلام المتطرف خصوماً ألداء، وهذا نهج توافق مع (إسرائيل).

كما ترافقت الأقوال بالأفعال، وعلى رأسها إذن من "نتنياهو" لبيع منظومات مختلفة، مدنية وعسكرية، للإمارات.

وكانت الإشارة الأكثر أهمية لنجاح المسيرة هي موافقة الإمارات على استئناف العلاقات مع (إسرائيل).

وكان هذا إنجازاً عظيم الأهمية لـ(تل أبيب)، مسجلاً على اسم "مولخو"، المحامي الخبير والمبعوث المجرب الذي خسرت (إسرائيل) خدماته بسبب قضية الغواصات.

مع إزالة العائق الأول والأصعب، تحسنت العلاقة بين الدولتين.

وفي نهاية 2016، بدأت لقاءات من الوزير الإماراتي مع "نتنياهو" نفسه.

وجرت اللقاءات بداية في قبرص، وبعد ذلك في منزل "نتنياهو" بالقدس. وأدت علاقات الثقة الناشئة في البداية إلى خلق اتصال مع "بن زايد".

فجرت مكالمات هاتفية أخذت وتيرتها في التصاعد، وتحدث الرجلان مرة كل بضعة أسابيع، فتبادلا الآراء في الوضع، وحللا ميول المنطقة.

وتبين لاحقا أن "بن زايد"، على حد قول "بلير"، يعدّ "كفاءة سياسية نادرة، وزعيماً منفتحاً وجسوراً"، حسب ذكر "كهانا"، الذي قال إنه "كلما تقدمت العلاقة، تبين كم يحتفظ بن زايد ونتنياهو، بمفاهيم فكرية متشابهة".

وحين قال "نتنياهو"، عشرات المرات في السنوات الأخيرة، إنه في معارضته لإيران يعبر عن مواقف زعماء المنطقة، كان المقصود "بن زايد"، وليس هو فقط.

ولا يقلّ أهمية عن ذلك أن تحدث "بن زايد" مع "نتنياهو" عن مستقبل المنطقة، والحاجة إلى توفير جواب بأدوات حديثة، للجيل الشاب العاطل عن العمل في الشرق الأوسط.

كشفت "يسرائيل هيوم"، أن "نتنياهو"، زار العاصمة الإماراتية أبوظبي، مرتين خلال عام 2018، حيث عبرت رحلاته الجوية من وإلى الإمارات، الأجواء السعودية.

وقال "كهانا"، إنه خلال الزيارتين، التقى "نتنياهو" مع ولي عهد أبوظبي الشيخ "محمد بن زايد"، لعدة ساعات، و"راكم الرجلان علاقة فورية وممتازة".

ووفق الصحيفة، فإن هذه اللقاءات، جاءت بنصيحة من "بلير"، الذي قال لـ"نتنياهو" في إحدى المحادثات الكثيرة بينهما: "عندما تلتقي بن زايد، ستكون بينكما كيمياء فورية".

ولفتت الصحيفة، إلى أنه على خلفية العلاقات الوثيقة بين "بن زايد"، وولي عهد السعودية الأمير "محمد بن سلمان"، يمكن التقدير باحتمالية عالية بأن الرياض كانت تعرف بأن طائرة رئيس الوزراء هي التي تجتاز المجال الجوي للمملكة.

وفي أحد اللقاءين خلال زيارة "نتنياهو" لأبوظبي، تجول رئيس الوزراء الإسرائيلي في المدينة، حسب الصحيفة.

ووفق "كهانا"، فما بدأ بنظرة فكرية مشابهة إلى الوضع الإقليمي، سرعان ما أصبح تداخل مصالح في جملة واسعة من المجالات.

وأضاف: "كمؤمن كبير بالعلم وبالتكنولوجيا، وجد بن زايد لغة مشتركة مع نتنياهو في هذه المواضيع أيضاً".

وشدد "بلير" على الحاجة إلى عنصرين أساسيين لإحداث الاختراق، يقول: "كانت هناك حاجة إلى إطار سياسي، وبالتأكيد لـ(إسرائيل) والإمارات تهديدات أمنية مشتركة من الإسلام المتطرف، السني والشيعي على حد سواء، وكان هذا جزءاً مركزياً في الموضوع".

ولكن الإطار السياسي، حسب "بلير" ليس كافياً، فكانت حاجة لجعل الاعتراف بـ(إسرائيل) موضوعاً أولوياً من الإمارات بخطوات عملية.

ويروي "كهانا": "تواصلت هذه الخطوات على مدى بضع سنوات، وهي التي بنت الثقة"، مضيفا: "تبين أن بوسع الطرفين البحث في مواضيع مختلفة بانفتاحية، ولكن بسرية، وتعلم الأشخاص ذوو الشأن أن يثق بعضهم ببعض، وهذا ما جلبنا إلى هذه النقطة".

وشدد "بلير"، على أنه ليس الخطر الإيراني وحده وراء اتفاق الإمارات و(إسرائيل)، ويقول: "الأمر الأهم للفهم أن الموضوع الأمني هو أساس العلاقة.. فقد كانت هناك محادثات عن المنطقة، والتطبيع في الشرق الأوسط، وعن الاقتصاد والثقافة، وعن مستقبل المنطقة، وإدراك (إسرائيل) ودورها في المنطقة".

وأضاف: "لكي تنجح المسيرة ثمة حاجة للانفتاح على العالم، وهذا موجود في الإمارات".

وتابع "بلير": "مسألة الضم سمحت بها، ولكن الاختراق ولد نتيجة مسيرة عميقة تواصلت بضع سنوات. وبدونها ما كان لهذا أن يحدث".

وبالعودة إلى "كهانا"، فإن "البرنامج السياسي المشترك الذي بني عليه السلام مع الإمارات، هو فكر مشابه عن الوضع في المنطقة أمام نتنياهو وبن زايد".

وثمة إشارة شائقة إلى ما كتبه "نتنياهو" في كتابه "مكان تحت الشمس"، قبل 25 سنة، تنبأ بالمسيرة التي يقودها هو نفسه.

فقد كتب في الصفحة (259)، أنه "إذا توصل العرب في الجيل القادم إلى الاعتراف بأن (إسرائيل) تسكن بأمان في الشرق الأوسط، وأنها ستبقى فيه إلى الأبد، فقد تتحقق ثورة نفسية في موقفهم من حق (إسرائيل) في الوجود.. أعتقد العرب لن يضربوا رؤوسهم في الحائط إلى الأبد".

وفي سياق الكتاب، يضيف "نتنياهو" أن "(إسرائيل) التي يعيش فيها 8 أو 10 مليون يهودي بعد بضع عشرات السنين، ستتمكن من الاستمتاع بالازدهار والزخم والاستقلال؛ لأن الدولة اليهودية ستتعزز هكذا، وسيضطر معظم العالم العربي في نهاية المطاف لعقد سلام حقيقي معه".

وعبر بيان مشترك صدر في 13 أغسطس/آب، أعلنت الإمارات و(إسرائيل) التوصل إلى اتفاق حول تطبيع كامل للعلاقات بينها.

ويأتي الإعلان تتويجا لسلسلة طويلة من التعاون والتنسيق والتواصل وتبادل الزيارات بين البلدين.

وباتت الإمارات بذلك ثالث دولة عربية تتوصل إلى هكذا اتفاق مع دولة الاحتلال، وتقيم علاقات رسمية معها بعد مصر عام 1979 والأردن عام 1994.

وقوبل إعلان اتفاق تطبيع العلاقات بين أبوظبي وتل أبيب، بتنديد فلسطيني واسع، حيث اعتبرته الفصائل والقيادة الفلسطينية، "خيانة" من أبوظبي و"طعنة" في ظهر الشعب الفلسطيني.

المصدر | الخليج الجديد