الثلاثاء 15 سبتمبر 2020 08:04 ص

لماذا لا تتضامنون مع أهل اليمن؟

لماذا نواصل كعرب التورط جماعيًا في الصمت على الحرب الظالمة على اليمن وتداعياتها الكارثية؟

ألسنا بقادرين على أن نفهم أن الطائفية غريبة عن المجتمع اليمني وستظل كذلك مهما سعت إيران وحاول وكلائها؟

مأساة اليمن هي مأساة سطوة الاستبداد والطائفية والمذهبية وسطوة أموال رعاة تلك الآفات المجتمعية والسياسية على بلاد العرب.

هل أضحى الصمت على الضحايا الأبرياء في اليمن وتدمير بناه التحتية هو البديل الآمن الوحيد لدعاة الحرية والتنوير في إعلام العرب؟

هل سيطرت أموال التحالف السعودي الإماراتي ورؤوس الأموال الخاصة المتحالفة معها تماما على وسائل الإعلام الناطقة باللغة العربية؟

أما حانت لحظة إدراك أن هذه الحرب اللعينة لابد أن تتوقف ولا بديل عن إحياء فرص تسوية سلمية ووفاق وطني في اليمن الذي كان يوما سعيدا؟

*     *     *

هل قست القلوب وتعطلت الضمائر واختلت حسابات العقول، لكي نواصل كعرب التورط جماعيا في الصمت على الحرب الظالمة على اليمن وتداعياتها الكارثية؟

هل تمكنت أموال الحكومات العربية المشاركة في الحرب ومعها رؤوس الأموال الخاصة المتحالفة معها من السيطرة الشاملة على وسائل الإعلام الناطقة باللغة العربية ومن إجبارها على إسكات لغة المعلومة والحقيقة التي توثق لخرائط الدماء ولأعداد الضحايا ولمشاهد الدمار التي تلحق بشعب اليمن والتي تنشرها وتتداولها بمهنية وحيادية بعض وسائل الإعلام العالمية؟

أم هل تمكنت منا ضمائرنا وعقولنا الحسابات الطائفية والمذهبية المقيتة لكي نتجاهل جرائم الحوثيين في اليمن بإشراكهم للأطفال في الحرب؟

(وفقا لتقارير بعض المنظمات غير الحكومية، يتجاوز عدد الأطفال المجندين في اليمن 3000 طفل ومعظمهم يورطهم الحوثيون في القتال والمعارك الدائرة)!

هل صار بعض العرب يتخوف من الإفصاح عن رفض ممارسات الحوثيين العنيفة ضد المدنيين والنساء والأطفال في المناطق التي يسيطرون عليها لكي لا يغضب الراعي الإيراني المشارك في المقتلة اليمنية؟

هل بلغت بنا ازدواجية المعايير الحدود القصوى لإلغاء إنسانيتنا بحيث بتنا نجمع بين الإدانة الواجبة للجرائم في سوريا ولبنان وليبيا التي تسقط ضحايا مدنيين قتلا وتشريدا وتهجيرا ونزوحا وبين التجاهل المريع لجريمة الحرب على اليمن ولضحاياها المدنيين الذين يزيد عددهم اليوم (وفقا لتقديرات مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وتقديرات بعض منظمات الإغاثة غير الحكومية كأطباء بلا حدود) عن 18000 نفس بشرية؟

هل شوهتنا جرائم المستبدين وشوهنا إهدارهم للكرامة الإنسانية إلى حدود التورط في التمييز المريض بين عرب ذوي قيمة نحزن على سقوطهم ضحايا ونتألم لمصابهم ونتضامن معهم في سوريا ولبنان وليبيا وبين عرب معدومي القيمة لا تهتز جفوننا أو تمتعض شفانا وهم يسقطون ضحايا ومصابين ويحيط بهم الدمار من كل جانب وتلاحقهم المظالم والانتهاكات في اليمن؟

هل ران الخوف من سطوة الحكومات السلطوية في بلاد العرب ومن أدواتها القمعية على قلوب وضمائر وعقول المنتسبين في بلادنا للفكر الحر والثقافة المستنيرة والرأي الموضوعي وأعمل السعي المتفلت من كل قيمة أخلاقية وإنسانية للحصول على الحماية من الملاحقة والقمع من قبل الحكومات وأجهزتها الأمنية والاستخباراتية وللحصول على نصيب من ثروات المجتمع (وهم يحتكرونها دون وجه حق).

هل أعمل كل ذلك معاول الهدم في وعيهم المستقل بحيث أضحى في إمكان دعاة الحرية والتنوير إحداث التواكب بين التنديد اللازم باعتداءات إسرائيل على العرب الفلسطينيين وباعتداءات الديكتاتور الأسد على العرب السوريين وبوحشية داعش وعصابات الإرهاب في العراق وسوريا وفي مصر وليبيا وبين الصمت المطبق المخزي عن حرب حكومات عربية وحرب إيران ووكلائها على العرب اليمنيين؟

هل أضحى الصمت على الضحايا الأبرياء في اليمن وعلى تدمير مرافق مدن وقرى الشعب الفقير وبناه التحتية من مستشفيات ومدارس ومحطات كهرباء ومياه وغيرها هو البديل الآمن الوحيد لدعاة الحرية والتنوير في إعلام العرب؟

هل تخلت عن المنتسبين في بلاد العرب لقيم العدل والحق والحرية حفريات شجاعة ماضية أو بقايا شجاعة حاضرة في مواجهة سطوة المستبدين وسطوة أموالهم وأموال تابعيهم والمشمولين بحمايتهم، لكي يتواصل عجزهم عن التعبير ولو بصياغات تلغرافية عن رفضهم لتهافت تبرير حكومات عاصفة الحزم لضرب المستشفيات والمدارس وأماكن تجمع المدنيين في اليمن وإسقاط غاراتهم وصواريخهم وقنابلهم للكثير من الضحايا المدنيين بالإشارة الزائفة إلى توظيف «الحوثيين وحلفائهم لمثل هذه المرافق في المواجهات العسكرية»..

تلك التي تتطابق حرفيا مع التبريرات الهمجية التي تسوقها آلة القتل الإسرائيلية لاعتداءاتها المتكررة على مرافق الشعب الفلسطيني في غزة وأماكن تجمع المدنيين وملاجئهم أثناء الحروب الدورية على غزة؟

هل بات العجز عن رفض جرائم الطائرات المسيرة للحوثيين ضد المدنيين والمرافق المدنية في السعودية يحاصرنا إن بفعل سطوة الحسابات الطائفية والمذهبية أو بسبب الاعتياش على الأموال التي يغدقها المستبد الإيراني على وكلائه وشبكاتهم الإعلامية الناطقة بلغة الضاد؟

هل هجرتنا كامل قدرات التحليل الموضوعي للحرب على اليمن لنتيقن من أنها لن تأتي بمنتصرين ومهزومين وندرك أنها حتما ستواصل الانزلاق إلى عمليات عقاب جماعي للشعب اليمني في المدن والقرى التي تسيطر عليها الأطراف المتصارعة وإلى جرائم ضد المدنيين والمرافق المدنية في اليمن وخارجها؟

أما حانت لحظة إدراك أن هذه الحرب اللعينة لابد لها أن تتوقف ولا بديل عن إحياء فرص التسوية السلمية والوفاق الوطني في اليمن الذي كان يوما سعيدا؟ ألسنا بقادرين على أن نفهم أن الطائفية غريبة عن المجتمع اليمني وستظل كذلك مهما سعت إيران وحاول وكلائها؟

مأساة اليمن هي مأساة سطوة الاستبداد والطائفية والمذهبية وسطوة أموال رعاة تلك الآفات المجتمعية والسياسية على بلاد العرب.

مأساة اليمن هي مأساة قلوبنا وضمائرنا وعقولنا التي أنهكها الخوف وشوهها الوعي الزائف ورانت عليها القسوة وازدواجية المعايير، هي مأساتنا جميعا وتواصلها يقوم دليلا قاطعا وحزينا على عجزنا الالتحاق بإنسانية تنشد العدل والحق والحرية.

* عمرو حمزاوي باحث بجامعة ستانفورد، أستاذ العلوم السياسية المساعد سابقا.

المصدر | القدس العربي