الثلاثاء 15 سبتمبر 2020 12:18 م

حددت حالة الغموض والهشاشة المشهد السياسي المعقد في الخرطوم منذ الإطاحة بالرئيس "عمر حسن البشير" في عام 2019، وستظهر نتيجة هذا الانتقال ليس فقط داخل حدود السودان، ولكن أيضًا في ليبيا المجاورة حيث شارك الآلاف من المرتزقة السودانيين في الحرب الأهلية في البلاد.

لسنوات كان هناك الكثير من الحديث عن مقاتلين سودانيين يقاتلون في الحرب الأهلية الليبية، لا سيما منذ أن شن "خليفة حفتر" هجومه الغربي على طرابلس في أبريل/نيسان 2019، وهناك العديد من الأسئلة التي تستحق الاستكشاف من أجل فهم أفضل لهؤلاء المرتزقة السودانيين في ليبيا، بالإضافة إلى موقف الخرطوم العام تجاه الصراع في ليبيا.

خلفية المرتزقة السودانيين في ليبيا

يجب فهم دور المقاتلين السودانيين في ليبيا في السياق التاريخي للعلاقات السودانية الليبية، على مدى عقود، كانت هذه العلاقة الثنائية متوترة، لا سيما في عهد "معمر القذافي" (1969-2011).

قال "صموئيل راماني"، باحث دكتوراه في جامعة أكسفورد: "تبع فترات الصراع في منتصف السبعينات من القرن الماضي، مواجهة السودان للضغط الأمريكي في 1985-1986 بسبب دعمه للأنشطة الإرهابية الليبية.. كان عدم الاستقرار السياسي في السودان وتغييرات النظام هو المحدد الأساسي لهذه العلاقات الثنائية المتصاعدة والهابطة."

في عام 1989، تولى "عمر حسن البشير" السلطة في انقلاب عسكري بقيادة الإسلاميين، كان نظامه أول حكومة لـ"الإخوان المسلمون" تنشأ في العالم.

أصبحت حكومة "البشير" فيما بعد أكثر براجماتية وأقل أيديولوجية، بعد تحفيزه على إقامة علاقات أفضل مع الحكومات المعارضة لمشاريع الإسلام السياسي، ترك النظام السوداني إلى حد كبير ألوانه الإسلامية وراءه، ومع ذلك، فإن تصور نظامه على أنه مركز قوة للإخوان المسلمين ظل قائماً حتى سنواته الأخيرة في السلطة. وأثار هذا العامل توترات كبيرة بين حكومتي "البشير" و"القذافي".

بحلول الوقت الذي اندلعت فيه انتفاضة "الربيع العربي" في ليبيا في عام 2011، تلقى الثوار الليبيون الذين يقاتلون نظام القذافي دعمًا فوريًا من "البشير".

في غضون ذلك، كان المتمردون السودانيون الذين ثاروا ضد نظام الخرطوم على الأراضي الليبية يتلقون رعاية من "القذافي"، ساعد هؤلاء المتمردون السودانيون في ليبيا حكومة "القذافي" في مقاومة التمرد المدعوم من الناتو.

عندما أطلق "حفتر" عملية "الكرامة" في عام 2014، والتي كانت بمثابة بداية الحرب الأهلية في ليبيا، بدأ القائد الشرقي الذي خدم نظام "القذافي" سابقًا في توظيف مرتزقة سودانيين للمساعدة في محاربة الإسلاميين.

لم يتضمن الترتيب معضلات سياسية أو أيديولوجية كبيرة، حيث إن معظم المتمردين السودانيين الذين دفعهم "حفتر" كانوا معاديين لـ"الإخوان المسلمون"، وبالتالي كانوا ملتزمين أيديولوجيًا بمساعدة الجيش الوطني الليبي في شن حرب ضد الميليشيات الإسلامية الليبية.

وببساطة، كان لدى هؤلاء المتمردين السودانيين فرصة لمحاربة قوى الإسلام السياسي في ليبيا، التي ربطوها بأعدائهم المفترضين في نظام "البشير" وقد حصلوا على أموال مقابل القيام بذلك.

بحلول عام 2014، عانت حكومة "البشير" كثيرا من سنوات من العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة. كانت الخرطوم بحاجة إلى تأمين دعم مالي أقوى من أعضاء مجلس التعاون الخليجي الأثرياء، ولا سيما الإمارات والسعودية.

واتضحت مصالح "البشير" في تلقي المزيد من الأموال الإماراتية والسعودية عبر نشر قوات الدعم السريع السودانية في اليمن وقطع السودان للعلاقات الدبلوماسية مع إيران في 2015 و 2016 على التوالي.

علاوة على ذلك، استبدل "البشير" تدريجيًا حاشيته وتوقف عن التصرف كحامل لواء ملتزم لـ"الإخوان المسلمون"، بالرغم من اقتراب "البشير" من الإمارات، لم يتوقف "حفتر"، الذي بدأ يتلقى دعمًا إماراتيًا قويًا في عام 2014، عن توظيف المتمردين السودانيين المناهضين لـ"البشير" في ليبيا.

الجماعات السودانية المقاتلة في ليبيا وأثرها

كانت الجهات السودانية المهيمنة العاملة في ليبيا قد قاتلت سابقًا في دارفور. كان أول فصيل متمرد مهيمن في السودان ينتقل إلى ليبيا هو جيش تحرير السودان-"ميني ميناوي"، الذي دخل المعركة في ليبيا خلال عام 2014.

وتشمل المجموعات الأخرى تجمع قوات تحرير السودان، وجيش تحرير السودان-"فصيل عبدالواحد"، والمقاومة المتحدة "جيش تحرير السودان"، وفي المجموع هناك حوالي 3000 مقاتل مرتزق سوداني في ليبيا من هذه الجماعات.

كان بعض من الجنجويد سيئيي السمعة، الذين نشرهم نظام الخرطوم في العقد الأول من القرن الحالي لمحاربة المتمردين الدارفوريين يقاتلون أيضًا في ليبيا. لكن العديد من المعلقين المضللين بالغوا في عددهم، كما يشير "جليل حرشاوي" من معهد "كلينديل"، فإن عدد الجنجويد في ليبيا الذين انضموا إلى صفوف حفتر يبلغ حوالي 200 أو 300 فقط.

لقد خدم المتمردون السودانيون "حفتر" بطرق مهمة، استخدم الجيش الوطني الليبي هذه القوات السودانية في طرابلس وسرت والجفرة. وساعد المرتزقة من دارفور "حفتر" في السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي في فزان، وفقًا للباحث "سامي حمدي".

"في حين أن الأدلة كانت محدودة في إظهار القتال السوداني على الخطوط الأمامية، إلا أن هناك الكثير من المشاهد لقواعد ومنشآت الحراسة السودانية، ما يمكّن حفتر من التركيز على شن هجمات إلى الشمال".

مفاهيم خاطئة حول مرتزقة قوات الدعم السريع في ليبيا

هناك شائعة مفادها أن بعض قوات الدعم السريع المتحالفة مع "حميدتي" - الذي حارب أيضًا في التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات في اليمن - موجودون الآن في ليبيا.

لكن هذا غير صحيح، لا يقاتل أي من الجنجويد المنتمين إلى قوات الدعم السريع في ليبيا نيابة عن القيادة الحالية في الخرطوم، كما هو موضح أدناه، لم يرسلهم "حميدتي" إلى ليبيا لأنه كان بحاجة إليهم في السودان وسط فترة من عدم اليقين السياسي.

وكما ذكر "حراشوي"، فإن مقاتلي الجنجويد الوحيدين في ليبيا هم عرب دارفوريون مرتبطون بزعيم الميليشيا "موسى هلال". وهؤلاء الجنجويد لا ينتمون إلى قوات الدعم السريع. في الواقع، فإن "هلال" محتجز في الخرطوم وهو "سبب آخر لعدم رغبة حميدتي في السماح لأي سوداني بالذهاب إلى ليبيا".

وبالتالي، يرى "حميدتي" أن نشر المرتزقة في السودان للقتال من أجل "حفتر" سيهدد بشكل مباشر الاستقرار النسبي القائم حاليًا في السودان.

قال "حراشوي": "حميدتي لا يريد أي شيء له علاقة بحفتر"، مما يساعد في تفسير سبب اعتقال الدولة السودانية منذ سبتمبر/أيلول 2019 عددًا من المسلحين الذين كانوا متجهين إلى ليبيا.

مشاركة حكومة السودان ما بعد الثورة في ليبيا

خلال أبريل/نيسان 2019، وهو نفس الشهر الذي أطلق فيه "حفتر" عملية الكرامة، بدأت ثورة شعبية في السودان أطاحت "بالبشير". في تلك المرحلة، توقع العديد من المراقبين أن ينشر "حميدتي" بسرعة وحدات قوات الدعم السريع لمساعدة "حفتر" في هجومه على طرابلس. ولم يحدث هذا قط.

استندت الرواية التي توقع قيام "حميدتي" بذلك على افتراض أن قربه من الإمارات - التي أطاحت "بالبشير" سيكون كافياً لجعل الحكومة السودانية الجديدة تخدم أجندة أبوظبي في الخارج، وتحارب المحور القطري التركي الذي اكتسب نفوذاً كبيراً في الخرطوم خلال السنوات الأخيرة من حكم "البشير". ولم يتحرك موقع السودان في النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط في هذا الاتجاه، على الأقل حتى الآن.

في الواقع، ورد أن الإمارات طلبت في عدة مناسبات من "حميدتي" نشر مرتزقة قوات الدعم السريع في ليبيا لدعم "حفتر". لكن هذا لم يحدث نتيجة للحالة المعقدة للخرطوم في هذه المرحلة في فترة ما بعد "البشير".

توقع العديد من المعلقين الذين اعتقدوا أن السودان ما بعد "البشير" سوف يتماشى بشكل وثيق مع السياسة الخارجية لدولة الإمارات في ليبيا أن "حميدتي" يرأس مجلسًا عسكريًا على شكل قيادات مصر وتشاد، لكن الانتقال إلى السودان ما بعد 2019 لم يتطور في هذا الاتجاه، على الأقل ليس حتى الآن.

على حد تعبير "حرشاوي": "ما لدينا اليوم هو توازن غير مستقر في الخرطوم، والسودان ليس دمية أبوظبي التي افترضها الجميع. في واقع الأمر، فإن العنصر المدني في الحكومة الحالية في الخرطوم ليس تابعًا لدولة الإمارات".

يتعامل "حميدتي" مع وضع سياسي معقد في السودان، ووسط انتقال هش وانعدام للشعبية، فإن "الدولة العميقة" الاستبدادية والعسكرية للبلاد تتقاسم السلطة مع مكون ديمقراطي بقيادة مدنية. وبالتالي، عليه أن يتعامل مع حقيقة أن انتقال السودان بعد "البشير" لا يسير وفقًا للخطة الأولية لدولة الإمارات.

"حميدتي غير مرتاح.. إنه يحتاج إلى كل القدرات الأمنية من حيث القوة البشرية التي يمكنه انتزاعها.. لا توجد طاقة فائضة، ولا توجد قوة تكميلية يمكن لحميدتي أن يقرضها لبعض الأصدقاء البعيدين".

تحول السودان وتأثيره على سياسته الخارجية في ليبيا

تفتقر الخرطوم حاليًا إلى موقف واضح من السياسة الخارجية بشأن الحرب الأهلية الليبية، وأوضح "راماني" أن "حميدتي وربما الرئيس "عبدالفتاح البرهان" متعاطفون مع الجيش الوطني الليبي، لكن رئيس الوزراء "عبدالله حمدوك" والسلطات المدنية السودانية يتماشون مع حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من قبل الأمم المتحدة"، وأضاف أن "عمليات نشر المرتزقة لا تحظى بشعبية كبيرة في السودان وأثارت ردود فعل معادية للإمارات أيضًا".

من المفترض أن تتعرض الحكومة السودانية المنتخبة ديمقراطياً بقيادة مدنية للضغط لممارسة سياسة خارجية أكثر انعكاسًا لهذه المشاعر المعادية للإمارات وأكثر توافقًا مع حكومة الوفاق الوطني. لكن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة أجبرت الخرطوم على الاستمرار في الاعتماد على الإمارات والسعودية للحصول على المساعدة المالية.

وبالتالي، ليس من الواضح مدى سهولة قيام حكومة ديمقراطية في السودان بجعل سياستها الخارجية تجاه ليبيا أكثر انفتاحًا مع حكومة الوفاق الوطني.

ومع ذلك، إذا رفعت واشنطن العقوبات عن الخرطوم وأزالت السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، فقد يجد داعمو "حفتر" في دول مجلس التعاون الخليجي صعوبة أكبر في الضغط على السودان لدعم القائد الشرقي ضد الحكومة الليبية المعترف بها من الأمم المتحدة في طرابلس.

المصدر | جورجيو كافيرو | إنسايد أرابيا – ترجمة وتحرير الخليج الجديد