الأربعاء 16 سبتمبر 2020 03:47 ص

ليبيا: مشهد معقد تقع مسؤولية حلوله على عاتق الليبيين

ينبغي العمل على وقف أنشطة تخريبية تقف وراءها الإمارات ومصر وروسيا وفرنسا وأن يُترك للأطراف الليبية تحمّل مسؤولية التفاوض على مستقبل بلادهم.

*     *     *

يشهد الملف الليبي تطورات سياسية ذات طابع تفاوضي أهلي، تجري في منصة أولى تحتضنها مدينة بوزنيقة المغربية ومنصة ثانية في مونترو السويسرية، وتتناول الحوارات موضوعات متعددة تستهدف التوصل إلى صياغات دستورية وحكومية وإدارية قد ترسخ وقف إطلاق النار الهش الراهن من جهة أولى، وقد تمهد الطريق أمام تسويات تصالحية بعيدة المدى من جهة ثانية.

هنالك، على سبيل المثال، مفاوضات اقتسام المناصب السيادية على مستوى محافظ مصرف ليبيا المركزي وأعضاء المحكمة العليا والمفوضية العليا للانتخابات والنائب العام ودواوين المحاسبة والرقابة المالية وهيئة مكافحة الفساد.

وليس من الواضح ما إذا كان التوافق حول الطابع الوطني الجامع لهذه المناصب يمكن أن يقترن بتوافق مماثل حول شخصيات شاغليها، بمنأى عن الاستقطابات الحادة بين حكومة الوفاق في طرابلس ومجلس النواب في طبرق.

هنالك، تالياً، مسألة اختيار مقرّ هذه المناصب، ومثلها المؤسسات التشريعية والتنفيذية، وما إذا كانت مدينة سرت، التي يقترحها رئيس مجلس نواب طبرق عقيلة صالح مقراً مركزياً خلال المرحلة التمهيدية، سوف تلقى القبول في طرابلس وأقاليم ليبيا الثلاثة.

وعلى المنوال ذاته، تبدو شائكة قضية اختيار رئيس المجلس التأسيسي ونائبيه، رغم الاتفاق على إتمامها من خلال مجمعات انتخابية. وليست أقل تعقيداً كذلك تلك التوصية الحاسمة بإطلاق مرحلة انتقالية على امتداد 18 شهراً، تنطوي على تعديل تركيبة المجلس الرئاسي، وتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية.

وأما خارج قاعات التفاوض المغلقة فإن الغليان الشعبي وتظاهرات الاحتجاج على الظروف المعيشية وانحطاط الخدمات وتفاقم البطالة واستشراء الفساد هي سيدة المشهد، وهذه حال عامة تشمل معظم المدن الليبية وفي طرابلس مثل بنغازي.

وليس هذا بالتطور المستغرب نظراً لأشكال المعاناة الشديدة والعديدة التي خضعت لها المناطق الليبية بصرف النظر عن الجهة التي تحكمها والولاءات التي تتصف بها، وذلك لأن الشعب الليبي هو الضحية الأولى لحال الحرب الأهلية.

وليست استقالة حكومة عبد الله الثني الموالية لبرلمان طبرق والمشير المتقاعد خليفة حفتر، وقبلها إعفاء وزير الداخلية في حكومة الوفاق من منصبه، واستمرار التظاهرات الشعبية شرقاً وغرباً، سوى أدلة صريحة تعكس إحساس السلطات بعواقب الغليان الشعبي.

كذلك تشير المعطيات الميدانية العسكرية إلى واقع انقسام داخل الصف الواحد، وتستوي في هذا الميليشيات المتحالفة مع حكومة الوفاق، أو حكومة طبرق، أو حتى تلك الوحدات المنضوية في صفوف ما يسمى «الجيش الوطني الليبي» بقيادة حفتر.

وقد تؤدي هذه التوترات إلى تهديد وقف إطلاق النار الذي لم تمض على إعلانه سوى أسابيع قليلة، كما يمكن أن تمنح حفتر فرصة لاستجماع قواته بعد ثلاثة أشهر أعقبت هزائمه العسكرية المتعاقبة.

وفي كل حال تحث عناصر هذا المشهد على دفع الأطراف السياسية الليبية إلى مزيد من التفاوض والتوصل إلى تسويات جدية وبعيدة المدى، كما تستنهض المجتمع الدولي لإيلاء الملف الليبي أهمية إضافية خاصة بعد قرار مجلس الأمن الدولي بتسمية مبعوث خاصّ جديد إلى ليبيا بعد أكثر من ستة أشهر على استقالة المبعوث السابق غسان سلامة.

والأهم من هذا وذاك أن يجري العمل على وقف الأنشطة التخريبية التي تقف وراءها دول مثل الإمارات ومصر، وأن يُترك للأطراف الليبية الحقّ في تحمّل المسؤولية والتفاوض على مستقبل بلادهم.

المصدر | القدس العربي