الأربعاء 16 سبتمبر 2020 03:44 م

لا شك أن هناك ابتهاجًا لدى مؤيدي السياسة الخارجية للولايات المتحدة، مع اجتماع الوفود الإماراتية والبحرينية والإسرائيلية لتوقيع اتفاقيات التطبيع التي توسطت فيها الولايات المتحدة، حيث إن أفضل ما يخدم المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط هو تحقيق التوازن بين الكتل المتنافسة في المنطقة.

كان التكتل الخليجي الإسرائيلي لاعبًا في مثل هذا التوازن، لكنه افتقر إلى التماسك السياسي العلني الذي يميز التكتلات الأخرى، أما الآن؛ فستؤدي زيادة الانسجام إلى تقليل حاجة هذه الكتلة إلى المساعدة الأمريكية مما يسهل الانسحاب العسكري الأمريكي.

تقليل الحاجة للتدخل الأمريكي

يجب أن تبدأ أي مناقشة جادة لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط اليوم بالاعتراف بتراجع المصالح الأمريكية هناك، ولكن هناك مساران يمكن من خلالهما أن تتسبب الأحداث في الشرق الأوسط في أضرار جسيمة تطال الولايات المتحدة.

أولاً؛ قد تشن الجماعات التي نشأت في المنطقة هجمات في الولايات المتحدة، وثانيًا؛ قد تتسبب الحروب والأزمات في المنطقة في حدوث اضطراب دائم في تدفق النفط من الخليج، مما يؤدي إلى انهيار الاقتصاد العالمي وزيادة الأسعار في الولايات المتحدة.

ومن المرجح أن يحدث هذا الاحتمال الأخير إذا هيمنت دولة واحدة على منطقة الخليج، أي إذا انهار التوازن الإقليمي. صحيح Hن هذا لا يزال غير مرجح، لكن بالنسبة لواشنطن فإن التحالف الإماراتي الإسرائيلي يقلل الخطر بشكل أكبر، كما أن وجود تكتل إسرائيلي خليجي قوي سيعيق المكاسب الإيرانية دون حاجة لكثير من التدخل الأمريكي المباشر.

توازنات القوى الشرق أوسطية

تصطف القوى في الشرق الأوسط حاليًا في 3 كتل رئيسية، وأكثرها جذبًا لاهتمام واشنطن هي تلك التي تقودها إيران والتي تتضمن النظام السوري، و"حزب الله" في لبنان، والحوثيين في اليمن، والعديد من الميليشيات في العراق.

تأتي بعد ذلك، كتلة تركيا وقطر؛ وأخيرًا، يأتي تكتل إسرائيل مع 3 من دول الخليج؛ السعودية والإمارات والبحرين.

وتتنافس هذه التكتلات عبر الدعاية والمناورات السياسية وساحات الحرب بالوكالة في أماكن مثل اليمن وليبيا وسوريا.

تعد المنافسة الأهم بالنسبة للولايات المتحدة هي تلك الموجودة بين التكتلات الإيرانية والخليجية-الإسرائيلية، لأنهم أقوى اللاعبين في الخليج.

ولكل كتلة نقاط قوتها وضعفها في المنافسة.

من المنظور التقليدي، فإن الدول القوية هي تلك التي تجمع بين عدد كبير متماسك من السكان مع اقتصاد كبير ومتقدم؛ وهي اللبنات الأساسية للقوة العسكرية.

تتفوق الكتلة الإيرانية في عدد السكان، في حين تتفوق دول الخليج و(إسرائيل) في القوة الاقتصادية، كما يتمتعون بتكنولوجيا عسكرية أفضل بكثير (بالرغم أن الإسرائيليين فقط هم الذين يتمتعون بسمعة جيدة في استخدامها بفعالية).

يثير وكلاء إيران القلق الأكبر في واشنطن لكن في الوقت ذاته فإن ذلك يعكس الضعف العسكري لدى إيران، حيث لا تستطيع طهران إنشاء ما يكفي من القوة التقليدية للمنافسة، ولا يمكنها الاستفادة من أي من هذه الأدوات كثيرًا في الاستيلاء على الأراضي والاحتفاظ بها أمام اعتراضات دولة عدو مقتدرة.

ومع ذلك، يجب ألا نقلل من قوة إيران؛ فعلى عكس الإمارات والسعودية، تمتلك إيران تاريخًا يمتد لآلاف السنين كدولة موحدة في نفس المنطقة التي تحتفظ بها اليوم.

كما تمتلك إيران أيضًا تاريخًا إمبراطوريًا، على الرغم من أن تلك الإمبراطورية كانت تتمدد عادةً نحو الشرق والغرب، وليس الجنوب.

بعبارة أخرى، استخدمت الدول الإيرانية السابقة أساسها الجيوسياسي الصلب كقاعدة للتوسع، بالتالي فإن هذا يجعل الولايات المتحدة تأمل في وضع قيود على النفوذ الإيراني، خاصة في ظل العلاقات المضطربة بين البلدين.

وهنا يأتي دور التكتل الخليجي الإسرائيلي. وباعتبارهم قوى أصلية في الشرق الأوسط، فإن لديهم حوافز أقوى من الولايات المتحدة لتجنب الهيمنة الإيرانية.

ومع ذلك، فإن (إسرائيل) ودول الخليج ليس لديهم تاريخ كبير من التعاون العلني، كما أن الرومانسية بينهم لا تزال حديثة، حيث يواجه الجانب العربي ضغوطًا سياسية داخلية ضد التحالف مع (إسرائيل)، كما إن سوء التنسيق يمثل ضعفًا خطيرًا في موازنة الائتلافات ( مثل حالة بريطانيا حين قلقت من فرنسا في الفترة ما بين الحربين العالميتين مما أعاق التعاون العسكري حتى وقت متأخر من اللعبة).

وبما أن هذه الدول صغيرة نسبيًا فإنها ستحتاج أكبر قدر ممكن من التماسك، خاصةً عندما يتمركز المعسكر الإيراني المنافس على دولة قوية واحدة.

انخرطت الإمارات في تطبيع بطيء مع (إسرائيل) منذ سنوات، إذا أخذنا بعين الاعتبار علاقات (إسرائيل) مع "الوكالة الدولية للطاقة المتجددة"، حيث تنافست ألمانيا وأبوظبي لاستضافة مقر المنظمة في أوائل عام 2009؛ فقد دفعت (إسرائيل) صديقتها ألمانيا لدعم المحاولة الإماراتية بشرط السماح لها بتعيين دبلوماسي لها في أبوظبي.

كما سبق التعاون بين البلدين في مجالات أكثر حساسية، مثل تسهيل الحكومة الإسرائيلية لشراكات دول الخليج مع شركة المراقبة الإلكترونية المثيرة للجدل "NSO Group".

تسريع الانسحاب الأمريكي

لكن الدبلوماسية الأمريكية سرعت من التودد الإسرائيلي الإماراتي، فقد كان الاجتماع الذي رعته الولايات المتحدة في فبراير/شباط 2019 في وارسو والاجتماع الثلاثي السري في يونيو/حزيران 2019 في واشنطن حاسمين، على الأقل كما يقول المسؤولون الأمريكيون.

قدم منتقدو الصفقة عدة حجج ضدها؛ حيث تشير "تريتا بارسي" من معهد كوينسي بشكل صحيح إلى أن الإمارات تتصرف كما لو أن جماعة "الإخوان المسلمون" هي التهديد الرئيسي لها، وليس إيران، وربما ترغب الإمارات في استخدام الصفقة لإبقاء أمريكا في الشرق الأوسط من خلال المبالغة في التهديد الإيراني.

لكن بغض النظر عن نية الإماراتيين، فإن تعزيز التكتل الخليجي الإسرائيلي، يؤدي لتقويض مبرر الوجود الأمريكي.

كما يلاحظ "أنيل شلين" من معهد كوينسي أن بعض الهتافات المبتهجة بالاتفاقية نابعة من سوء فهم بأن التقارب الإماراتي الإسرائيلي هو خطوة كبيرة مثل الاتفاقيات المصرية الإسرائيلية أو الأردنية الإسرائيلية، على الرغم من أنها في الواقع مجرد إعلان لعلاقة كانت موجودة بالفعل خلف الكواليس.

كما يحذر "شلين" من أن ضم (إسرائيل) لأجزاء من الضفة الغربية يمكن أن يؤدي إلى ثورة في الإمارات، وأن الدعم للفلسطينيين لا يزال مرتفعا لدى الشعوب العربية.

لن تُسر الولايات المتحدة بحدوث تمرد في الإمارات، كما يمكن للدول العربية التي تتصالح مع (إسرائيل) ضد رغبات شعوبها أن تغذي سرديات الجماعات الراديكالية بأن الحكومات المحلية هي مجرد بيادق لمصالح خارجية.

ومع ذلك، يبدو أن الأيديولوجيات الراديكالية لا تجذب الإماراتيين، فقد انضم القليل منهم إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" على سبيل المثال، ويبدو أن أحد الخاطفين الإماراتيين في أحداث 11 سبتمبر/أيلول قد تحول إلى التطرف في ألمانيا، وليس في الداخل.

كما قد لا تحظى فكرة الثورة في الإمارات أيضًا بشعبية، فقد كان للربيع العربي تأثير محدود للغايةا في الإمارات.

وإذا لم يؤدِّ الرأي العام السلبي تجاه التقارب العربي الإسرائيلي إلى هجمات عنيفة ضد الولايات المتحدة، أو أزمات داخلية حادة في الدول الرئيسية في المنطقة، أو تقليل التوازن ضد إيران، فلن يكون مصدر قلق مركزي لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

المصدر | جون آلين جاي - ريسبونسيبل ستيتكرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد