الخميس 17 سبتمبر 2020 07:57 ص

تناقضات التوقيع مع الصهيونية عشية ذكرى مجازر صبرا وشاتيلا

هل نفهم من الاتفاق أن استراتيجية الإمارات ستطابق استراتيجية إسرائيل؟ ماذا سيعني هذا للخليج والعالم العربي؟

من الضروري إدانة الاتفاق وتبيان مخاطره وتوضيح الحقائق دون الانجرار لمعركة جانبية تصب لصالح الصهيونية.

إن فات الإمارات والبحرين أن الاتفاق تم توقيعه عشية ذكرى مجازر صبرا وشاتيلا لكنه ما فات العدو المهووس بالرمزية وإخضاع العرب وفرض الاستسلام عليهم.

*     *     *

التوقيع في البيت الأبيض بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والبحرين ليس التوقيع الأول. خطابات الثلاثاء على لسان ترامب التي أعلنت أن هذه بداية «لشرق اوسط جديد ولمسار جديد، وأن الكثير من الدول ستنضم» هي تكرار لديباجة كل إتفاق تم توقيعه مع إسرائيل في السابق.

«الشرق الأوسط الجديد» سمعناه في اتفاق مصر وإسرائيل 1979ثم في مؤتمر مدريد 1991، ثم عند توقيع الأردن 1993 ثم عند توقيع إتفاق اوسلو 1994. لكن تبين بعد كل توقيع مدى صعوبة السلام مع إسرائيل، فهي تتمادى كل يوم ولن يوقفها سوى قوة مكافحة تستطيع تعديل ميزان القوى.

وكما أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي إبان إلقاء كلمته أمس الأول: قوة إسرائيل تجلب لنا الحلفاء والأصدقاء. لهذا فالاتفاق نموذج للتفاهم بين دولة قوية عنصرية تعادي أماني العرب ودولهم ومجتمعاتهم وتعادي الشرعية الدولية وبين دول عربية صغيرة تحتاج للحماية لكنها تمتلك مشاريع وأحلام إقليمية.

وكما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي منذ أيام «هذا اتفاق حميم سيشمل كل المؤسسات والوزارات الإسرائيلية وسيأتي بمليارات الدولارات من المرابح لإسرائيل».

فهل نفهم من الاتفاق أن إستراتيجية الإمارات في الإقليم ستتطابق مع الاستراتيجية الإسرائيلية؟ ماذا سيعني هذا لمنطقة الخليج وللعالم العربي؟

في التاريخ العربي الحديث ومنذ حرب 1948 سنجد ان العرب الذين اعتمدوا على التفاهم مع إسرائيل كانوا في لحظة عجز وخوف من المستقبل وكانوا بنفس الوقت يسعون لمشروع أكبر من قدراتهم.

لنبدأ بالملك عبدالله الأول ملك الأردن في فترة النكبة، فقد تفاوض سرا مع الصهيونية ومع إسرائيل وحقق له ذلك التفاوض مكاسب، كما أنه حلم بتوحيد بلاد الشام تحت قيادته، لكن تلك الأحداث أدت لإغتياله عام 1951.

ورغم التقارب بين إسرائيل والأردن في الخمسينيات إلا أن ذلك لم يمنع إسرائيل من تهديد الأردن باحتلال الضفة الغربية والوصول للعاصمة عمان، إن العلاقة شبه الايجابية مع الأردن لم تمنع إسرائيل من احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية التي أصبحت منذ حرب 1948 تحت الحكم الأردني.

ورغم السعي السلمي الدائم للأردن إلا أن إسرائيل تهدد الأردن من خلال سعيها لإلغاء الدور الأردني في المسجد الأقصى والمقدسات ثم من خلال تهديدها الأردن بموجات جديدة من اللاجئين.

ولو نظرنا لمبادرة الرئيس السادات عام 1977، لوجدنا أنه ذهب لإسرائيل ضمن تناقض بين الخوف على مصر وبين الشعور بأن هذا بداية الحل النهائي للقضية الفلسطينية.

لكن السادات سيكتشف أنه حقق بعض مما يريده، لكن إسرائيل وضعته في كماشة المساعدات العسكرية الأمريكية والقيود على حركة الجيش المصري في سيناء. وقد اغتيل الرئيس السادات عام 1981، كما وتحول السلام المصري الإسرائيلي لسلام بارد.

أما حزبا الكتائب والأحرار اللبنانيان، فقد تعاملا مع إسرائيل في الحرب الأهلية اللبنانية 1975 ليكتشفا طبيعة مشروعها. لم يكن حزب الكتائب حزبا عميلا لإسرائيل، لكنه فضل أن يأتي بإسرائيل لإنهاء سيطرة سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية وتحالف المعارضة الوطنية اللبنانية على اجزاء أساسية من لبنان. وكان حزب الكتائب قد استدعى سوريا أثناء الحرب، لكنه سيستدعى إسرائيل لاخراجها.

وبالفعل شنت إسرائيل حرب كبرى على لبنان عام 1982 كما ودخلت بيروت بعد حصار طويل، كما أنها أخرجت منظمة التحرير من بيروت عام 1982 نحو تونس ودمرت مرحليا النفوذ السوري في لبنان.

لكن الحرب في لبنان لم تتوقف، اذ تم إغتيال بشير الجميل الرئيس المنتخب بعد رفضه بفترة صغيرة من عقد إتفاق سلام مع إسرائيل، وفي المقابل برزت مقاومة حزب الله التي انتهت بطرد إسرائيل عام 2000 من كل لبنان وصولا لحدوده الجنوبية.

وفي المقابل ان اتفاق أوسلو الموقع عام 1994 بين قيادات منظمة التحرير وإسرائيل لم يمنعها من استمرار الاستيطان وتهويد القدس والاضطهاد اليومي للفلسطينيين.

فالحركة الصهيونية وخاصة بثوبها اليميني ارادت الغاء اوسلو والسعي لتهويد مزيد من الأرض، وكانت البداية اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي وقع الاتفاق من قبل متطرف يميني إسرائيلي.

لقد وصل اتفاق أوسلو لموت طبيعي بسبب السياسات الإسرائيلية. الاتفاقات الجديدة التي وقعتها الإمارات والبحرين نتاج قراءة خاطئة. القراءة الخاطئة ليست شيئا جديدا في التاريخ العالمي. ألم يخطأ تشمبرلين رئيس الوزراء البريطاني ورئيس الوزراء الفرنسي

ومن مشكلات الاتفاق انه تم مع واحدة من أسوأ الإدارات الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية. فقد نقلت إدارة ترامب السفارة الأمريكية للقدس ودعمت الاستيطان في فلسطين كما وأوقفت المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية وهي بحدود 840 مليون دولار سنويا، كما وأوقفت دعم الأونروا بحدود 350 مليون دولار سنويا، اضافة لإغلاق السفارة الفلسطينية في واشنطن.

هذه الإدارة هي الأولى في الولايات المتحدة التي الغت التمايز الرفيع بين الموقف الأمريكي والإسرائيلي اليميني تجاه القضية الفلسطينية. وقد تفاخر ترامب بكل هذه القرارات أمام قوى اللوبي الصهيوني، كما تفاخر بأنه سيحسب الاموال من الدول العربية الغنية لقاء الحماية.

ويجب أن لا ينجر الشعب الفلسطيني لصراع بلا سقف مع كل من الإمارات والبحرين ويجب عدم الانجرار لخطابات تعادي أيا من الشعوب العربية، كل الشعوب العربية باستثناء الذباب الالكتروني ضد التطبيع بما فيه شعب البحرين والإمارات. من الضروري إدانة الاتفاق وتبيان مخاطره وتوضيح الحقائق، دون الانجرار لمعركة جانبية تصب لصالح الصهيونية.

إن الرد المنظم على الظلم والاحتلال وعلى الاتفاق يتطلب توحيد الحركة الوطنية الفلسطينية وإعادة الزخم لمقاومة الابارتهايد الإسرائيلي على كل صعيد.

ربما فات الإمارات والبحرين أن الاتفاق تم توقيعه عشية الذكرى السنوية لمجازر صبرا وشاتيلا، لكني لا أعتقد أن ذلك فات رئيس الوزراء الإسرائيلي المهووس بالرمزية وإخضاع العرب وفرض الاستسلام عليهم.

* د. شفيق ناظم الغبرا أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت

المصدر | القدس العربي