الجمعة 18 سبتمبر 2020 05:22 ص

"مفاجعات" لا مفاجآت و"طَبْعَنة" وليس تطبيعًا

أليس لدى العرب كفاءات رفيعة في مجال التجارة؟ فلماذا يريد المطبعون المتاجرة مع الإسرائيليين باسم التطبيع لينجزوا؟

نقل التطبيع من سّر معلوم إلى فضاء مفتوح ليس تطبيعا بل "طَبْعَنَةُ العلاقات" مع الاعتذار لأعضاء مجامع اللغة العربية.

ليس حدثا التطبيع جزءاً من منظومة مفاجآت تقع كصاعقة على الشعب العربي بل هي "مفاجعات" مزيج من المفاجأة والفاجعة!

مفاجعات لها مردودً اقتصادي ومالي محدوداً جداً على الإمارات والبحرين ففوائدها الإضافية لن تزيد حجم الاستثمار والتبادل القائم قبل الطبعنة.

ينطبق مفهوم "الطبعنة" على معاهدة السلام بين البحرين وإسرائيل كحدث إضافي لطبعنة فكرة السلام مع إسرائيل باعتبارها نمطا طبيعيا سيلحق به الباقون.

*     *     *

في كتابه "ليكزس وشجرة الزيتون" الصادر في طبعته الأولى العام 1999، يقول توماس فريدمان، محرّر صفحة الشؤون الدولية في صحيفة نيويورك تايمز، إن قطر استطاعت عبر قناة الجزيرة الفضائية أن تصبح دولة فائقة التأثير دوليا Internationally super empowered، أو دولة ذات تأثير دولي على مستوى عالٍ يفوق إمكاناتها العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية.

وللتطبيع بين دولة قطر من ناحية والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين من ناحية أخرى، فإن المطلوب هو إغلاق قناة الجزيرة أو إعادة توجيهها بعيداً عن التعبير الذي تنتهجه حالياً ويلاقي رواجاً إقليمياً ودولياً.

وفي شهر مارس/ آذار الماضي، نجح رجل الأعمال الأردني، واصف الجبشة (مواليد القدس)، أن يحول شركة التأمين التي أنشأها قبل أقل من عشرين عاماً، الشركة العالمية للتأمينات العامة (IGI)، إلى شركة مساهمة عامة بعدما استولت على أسهم شركة "تايبريوس"، وتمكّنت من طرح أسهمها كالشركة العربية الوحيدة لإعادة التأمين في سوق "ناسداك" للأسهم في نيويورك تحت اسم " IGIC". وهو إنجاز كبير. وكان الإقبال على أسهمها فوق التوقعات.

وقبلها نجحت شركة أدوية أردنية، أنشأها الراحل سميح دروزة واسمها "الحكمة"، أن تصبح أول شركة أدوية عربية من كبار الشركات الدولية في أوروبا وأميركا والشرق الأوسط، وأن تطرح أسهمها في البورصات العالمية.

وكذلك نجح رجل الأعمال الأردني محمد أبو غزالة (مواليد القدس) عبر نشاطاته الإنتاجية والتسويقية في الأوروغواي وتشيلي والأرجنتين أن يصبح، هو وإخوته، من أكبر المساهمين في شركة "ديل مونتي" العالمية للمواد الغذائية والفواكه، ويصبح رئيساً لها، وهي من أكبر الشركات في العالم في هذا المجال.

وهنالك قصص نجاح أخرى تسر البال. وهذا أمر يفتح الباب على مصراعيه لإثارة استفسارات هامة منها. أليس لدينا، نحن العرب، كفاءات رفيعة في مجال التجارة؟

أنظر إلى إنجازات تجار اليمن في كل أنحاء العالم، وتجار الساحل العُماني، وتجار دمشق، وفلسطين، ولبنان. كلهم برعوا في التجارة عبر آلاف السنين، فلماذا يريدون بعد ذلك الدخول في تجاره مع الإسرائيليين باسم التطبيع لينجزوا؟

 

طَبْعَنَةُ العلاقات

تثبت دراسات كبيرة أن التجارة والمهن والصناعات، خصوصا الصغيرة والمتوسطة منها، هي النافذة التنافسية الأولى للعرب. ولما تناغمت حضارة العرب مع الفرس والكرد والترك وصل الإبداع إلى حدود لا نهاية لها في النجاح والتقدّم والازدهار.

والتطبيع بين دولة الإمارات وإسرائيل تحت مسمى "معاهدة سلام"، لم يبدأ الآن، بل إنه يمتد إلى سنوات طويلة خلت. وما حصل الآن نقله من السّر المعلوم إلى الفضاء المفتوح. ولا أسمّي هذا تطبيعاً مع اعتذاري للأخوة أعضاء مجامع اللغة العربية، بل أسميه "طَبْعَنَةُ العلاقات".

وينطبق مفهوم "الطبعنة" هذا على إعلان معاهدة السلام بين مملكة البحرين وإسرائيل. والفارق الوحيد الذي سيقدمه هذا الحدث الإضافي هو طبعنة فكرة السلام مع إسرائيل على أساس أنه نمط طبيعي، وسيلحق الباقون به.

وليس هذان الحدثان جزءاً من منظومة المفاجآت التي تقع وقوع الصاعقة على الشعب العربي في مختلف أقطاره، وإنما، مع اعتذاري ثانية لأعضاء مجامع اللغة العربية (اللغويين)، سأسميها "المفاجعات".

وهي مزيج من المفاجأة والواقع، إن كنت متعايشاً مع الحدث، أو مزيج من كلمتي المفاجأة والفاجعة، إن كنت من المعارضين له، فالطبعنة التي نشهدها في الوطن العربي، وما ينجم عنها من مفاجعات، تجد لها مردوداً اقتصادياً ومالياً محدوداً جداً على دولتي الخليج المعنيتين، فكل الفوائد الإضافية لن تزيد شيئاً من حجم الاستثمار والتبادل الذي كان قائماً قبل الطبعنة.

إذا أردتم الحقائق على الأرض، فأعتقد أن للتجار اليهود ورجال الأعمال أولوياتهم فيما يتعلق بالتعاون والشراكة مع رجال الأعمال من بلاد الشام ومصر.

وتحت ظروف الحصار الخانق، تمكّن أهل غزة من إنشاء اقتصاد الأنفاق، وإنشاء سوق منتظمة تحت الأرض. وكانت هنالك أيضاً أنفاق تمتد ليس إلى مصر فحسب، ولكن داخل إسرائيل نفسها.

 

مُفاجعات وطبعنة

ولو ذهبت إلى شرق أفريقيا، لرأيت شبكاتٍ من الشركات اللبنانية الإسرائيلية واليهودية في الدول ذات الثروة من الأحجار الكريمة، خصوصا الألماس والذهب وغيرهما.

ولو ذهبت مع المهاجرين في أواخر الحكم العثماني إلى القارة الأميركية وما بعدها، لرأيت كثيرين منهم إما ينافسون التجار الإسرائيليين أو اليهود، أو أنهم داخلون معهم في شراكات كبيرة.

وإذا اطلعت على النشاط العلمي والبحثي والتدريسي في مجالات المال، والصناعة، والتجارة، والشحن، والمصارف والتأمين، لرأيت أن أعداد مَنْ أتوا مِن دول المشرق العربي، المنافسين والمتعاونين مع نظرائهم الإسرائيليين واليهود كبيرة في دول المهجر.

من البداهة أن نستنتج، إذن، أن الشعب العربي في بلاد المشرق، وبعض دول المغرب العربي، أقدر بكثير على الدخول في شراكات ومساهمات وتعاونات مع يهود العالم، إسرائيليين كانوا أم لم يكونوا.

وإذا حصل السلام، فإن حكم الجغرافيا والثقافة سيجعل إسرائيل ميالة إلى التعاون مع المشرق العربي على حساب دول الخليج. لكن العقبة الأساسية دون الوصول إلى هذا التبادل غياب الحل العادل الذي يؤمّن للفلسطينيين حقوقهم، ويعيد هضبة الجولان المحتلة إلى سورية، ومزارع شبعا إلى لبنان.

ويقنع الإسرائيليين المتطرّفين بأن السلام الفعلي الطبيعي لا يبدأ من أبوظبي، ولا من المنامة، وإنما من القدس ورام الله وتل أبيب وعمّان ودمشق وبيروت...

هذه القضايا الساخنة هي التي تُوقّع من أجلها اتفاقيات سلام، أما الممارسات الأخرى فهي مجرد مُفاجعات وطبعنة.

* د. جواد العناني سياسي وخبير اقتصادي، نائب رئيس الوزراء ورئيس الديوان الملكي الأردني الأسبق.

المصدر | العربي الجديد