السبت 19 سبتمبر 2020 08:32 ص

بفواصل إعلامية عديدة وأفلام وثائقية وبرامج تليفزيونية، كثف النظام المصري، خلال الأيام الماضية، عرض محتوى مرئي يحذر المواطنين من "إرهاب" خصمها السياسي الأبرز، جماعة "الإخوان المسلمين"، وتاريخها "الأسود" حتى عبر قنوات الرياضة والدراما، في تطور لافت ليس فقط في مغزاه، بل في توقيته أيضا؛ إذ تزامن مع اشتعال أزمتي ليبيا و"سد النهضة" الإثيوبي، بما لهما من تأثير خطير على الأمن القومي للبلاد.

فهذه هي المرة الأولى في التاريخ المصري الحديث التي تفتح فيها الدولة 3 جبهات، قد يتطور بعضها إلى مواجهات عسكرية، في لحظة واحدة، وهو ما يزداد تأثيره تعقيدا في ظل الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد تفاقمت بفعل تفشي وباء "كورونا".

ويستند هكذا توجه بالأساس إلى فكر "عبدالفتاح السيسي"، حسب تحليل نشره "ماجد عاطف" بمساحة منتدى فكرة على موقع "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى"؛ إذ يعتقد الرئيس المصري أنه بمجرد البدء في تقديم التنازلات للخصوم فإنهم سيبدأون في الشعور بقوتهم ويطمعون أكثر ساعين لمزيد من المكاسب، وينتهي الوضع بموقف أشبه بثورة يناير/كانون الثاني 2011 التي كادت تدمر الدولة المصرية، على حد تعبيره.

ومن هذه المنطلق، يتزامن تصاعد حملات الشيطنة الإعلامية ضد خصوم "السيسي" دائما مع تصاعد الأزمات التي تهدد الأمن القومي المصري، والتي تصدر عن جميع جبهات حدود البلاد تقريبا؛ حيث التداعيات المحتملة للحرب الليبية غربا،  ومخاطر "سد النهضة" الإثيوبي جنوبا، واستمرار الحرب مع التنظيمات المسلحة في شمال شبه جزيرة سيناء شرقا.

وفيما يتعلق بليبيا، وبعد سلسلة هزائم مني بها حليف "السيسي" الجنرال الليبي المتقاعد "خليفة حفتر" واقتراب قوات حكومة الوفاق (المدعومة من قبل تركيا) من الاستحواذ على مدينة "سرت"، أعلن الرئيس المصري "مبادرة القاهرة" بهدف إنهاء الصراع، التي تضمنت إعلانا دستوريا، وتفكيك المليشيات، ووقف لإطلاق النار بين طرفي الأزمة الليبية، وهي المبادرة التي قوبلت بالرفض من قبل حكومة الوفاق التي أصرت على تقدمها صوب سرت باعتبارها الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا؛ ما دفع "السيسي" إلى التهديد بنقل الصدام لمربع المواجهة المباشرة معلنا بوضوح أن محور سرت والجفرة "خط أحمر"، في إشارة لإمكانية التدخل العسكري المصري في ليبيا.

ورغم انخراط طرفي الأزمة الليبية لاحقا في اتفاق هش لوقف إطلاق النار، إلا أن مسألة سرت تظل نقطة خلاف رئيسية مثيرة لقلق عميق بالنسبة للقاهرة؛ إذ أن سيطرة حكومة "الوفاق الوطني" عليها تعني إحكام القبضة التركية على منطقة الهلال النفطي، وقاعدة الجفرة الجوية، ومن ثم "ابتلاع" الشرق الليبي بأسره، وهو ما تعتبره القاهرة تهديدا للأمن القومي المصري في حدوده الغربية الممتدة بطول 1200 كم، في ظل عداء واضح ومعلن مع الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، الداعم الأول للإسلاميين (خصوم السيسي) في الإقليم.

وعليه، فإن موقف "السيسي" بات حرجا، فهو من جانب لا يملك ترف ترك حدوده الغربية في يد خصومه، ومن جانب آخر يخشى التورط في حرب بليبيا يحمل شبح تكرار تجربة حرب اليمن المريرة في 1962 وما عانته مصر فيها من خسائر فادحة.

لكن حتى مع تجنب الحرب، تظل المصالح المصرية في ليبيا حاضرة ومتعارضة أحيانا في نقاط متفاوتة، حتى مع مصالح لاعبين آخرين، من بينها أولئك الذين يعتبرون من أقوى داعمي "السيسي" وحلفائه، وعلى رأسهم قادة الإمارات.

وإذا كانت الأزمة في ليبيا تمثل تهديدا للأمن القومي المصري، فإن أزمة "سد النهضة" تمثل "أزمة وجود" للمصريين؛ فإثيوبيا من جانبها ترى أن من حقها بناء السد على أراضيها والاستفادة منه في أغراض التنمية، والقاهرة ترى أن ذلك حق لإثيوبيا "شريطة ألا يؤدي إلى تقليل حصة مصر من المياه"، وحتى الآن لم تتوافق الدولتين على نقاط كثيرة في السد، لكن النقطة الجوهرية الأبرز هي تلك المتعلقة بموعد ملئه وكمية المياه التي سيمررّها. 

فإثيوبيا تعلن بوضوح عن إقدام أحاديّ على ملء السد في عملية يُتوقع لها أن تستغرق نحو 7 سنوات، وهو ما ترفضه القاهرة تماما.

وتكتسب أزمة السد بعدا شخصيا ضاغطا على "السيسي" بشكل مباشر؛ حيث يحمله معارضوه المسؤولية كاملة إزاء ذلك الموقف المعقد الذي وصلت إليه مصر نتيجة قراره بالتوقيع على إعلان المبادئ في 2015، مؤكدين أن ذلك الإعلان هو الذي سمح لإثيوبيا بالمضيّ قُدما في انتهاكاتها.

والمؤكد أنه حال الفشل المستمر للمفاوضات واستنفاذ كروت الضغط السياسي لن يكون أمام القاهرة سوى الاحتكام لمجلس الأمن، باعتبار أن قرار كهذا سيعرض استقرار الإقليم بأسره للخطر.

ورغم أن الخيار العسكري، الذي يطالب به الكثيرون في مصر، يظل صعبا ويحمل تبعات شديدة الخطورة والتعقيد، إلا أنه يظل مطروحا ولا يمكن استبعاده نهائيا من أجندة "السيسي".

وبإضافة الإرهاب المتفاقم في سيناء كأحد التحديات الرئيسة التي يواجهها "السيسي"؛ حيث أدت عمليات المسلحة إلى انهيار صناعة السياحة وتدهور الوضع الاقتصادي والأمني، يمكن التأكيد على أن شمال سيناء تحديدا يظل منطقة ملتهبة، خاصة مع قرع طبول الحرب على طول الجبهة الليبية، في إشارة تحذير واضحة لـ"السيسي" مفادها أنه قبل أن يفكر في التعبئة في الغرب، يجب أن يتذكر أن الشرق ليس آمنًا.

ويمثل "الإخوان المسلمون" عامل التهديد الأبرز لتوجه "السيسي" القائم على "التعبئة" ضد الأزمات التي يواجهها دفعة واحدة، ليس بسبب نشاطهم الذي توقف تقريبا بعد تلقيهم ضربات أمنية استئصالية، بل بسبب تواجدهم الأبرز على صفحات التواصل الاجتماعي، وتأثيره الكبير على الرأي العام المصري.

ويساهم في تعظيم ذلك الدور، تردي الوضع الاقتصادي في مصر وشكوى الطبقات الوسطى والدنيا الدائمة من تداعيات القرارات الاقتصادية الصعبة التي اتخذها "السيسي" على حياتهم، بدءا من قرار تعويم الجنيه وما نجم عنه من تضاعف في الأسعار، مرورا برفع جزء كبير من الدعم، الذي أضر منه قطاعات عدة في المجتمع، وانتهاء بقرار وقف البناء وفرض غرامات وإزالة على المباني المخالفة والتي استقر قاطنيها فيها لعقود.

وليس أمام "السيسي" إزاء ذلك سوى مسارين؛ الأول أن يأخذ خطوة للخلف ويعمل على تهدئة جبهته الداخلية بإخراج بعض المعارضين من السجون، وفتح مساحات للحريات، وإيقاف برنامجه الاقتصادي لحين تجاوز أزماته الخارجية، والثاني أن يقرر الهروب للأمام، فيحكم قبضته الأمنية أكثر، ويستمر في برنامجه الاقتصادي غير عابئ بالأصوات المناوئة له، في نفس الوقت الذي يخوض فيه معاركه الخارجية.

وبات واضحا أن الرئيس المصري قرر تبني المسار الثاني دون تقديم أي تنازلات لمعارضيه، مستندا في ذلك بالأساس إلى إحكام قبضة أجهزته الأمنية على الأمور.

لكن مشكلة هكذا مسار أنه يعني قرارا بخوض جميع المعارك مرة واحدة، وهي مقامره شديده الخطورة، قد تصنع أسطورة لزعيم يستمد صورة شبيهة لتلك التي قدمها التاريخ للرئيس المصري الأسبق "جمال عبد الناصر" أو تقود لنهاية نظام الحكم وشرعيته. فهل تنجح مقامرة "السيسي"؟

المصدر | الخليج الجديد + متابعات