الأربعاء 23 سبتمبر 2020 07:16 ص

في ما وراء إحجام الكويت عن التطبيع

التجربة الكويتية حذرة ودرسها يمنحها الحكمة! فهل يلغي ذلك إيمان الكويت بقضية فلسطين؟ لا.

علينا قراءة المشهد بصورة أعمق: إيمان الكويتيين بعدالة قضية فلسطين لا يلغي الحاجة لقراءة سياسية خاصة لحالة الكويت.

خلاصة المشهد أن تجربة الكويت المُرّة تدفعها إلى أن لا تكون ضدّ الفلسطينيين الذين هم في نظر عموم العرب ضحايا لإسرائيل.

*     *     *

سأحاول هنا تقديم مقاربة قد تبدو مختلفة، في محاولة تفسير عدم التحاق دولة الكويت بقطار التطبيع البائس مع الصهاينة. وسأُركّز في كلامي على سبب جوهري - لا يلغي جوانب أخرى قد لا أتناولها - أراه يقبع في قلب هذا الموقف، وأعني به «النكبة الكويتية» التي تَسبّب بها غزو جيش صدام حسين للكويت في صيف عام 1990 والتي مرّت ذكراها الثلاثون أخيراً، وما زالت تداعياتها محفورة في الذهنية الكويتية، ومفاعليها بادية لنظرة حكومة الكويت إلى نفسها وإلى المشهد الإقليمي المضطرب والمتغيّر.

الموضوع معقد كثيراً، وليس بعض الشيء. وقد يقول البعض إن الكويت يُفترض أن تكون أكثر استعداداً من غيرها للتطبيع مع المحتلّين، بالنظر إلى الجرح الكويتي الغائر والذي لم يلتئم بعد، على عكس ما يسوّق، من موقف بعض الأطراف الفلسطينية النافذة من ذاك الغزو الذي محا الكويت من الخارطة، قبل أن يتمّ استردادها قسراً، اعتماداً على القوة الأميركية التي دخلت الخليج، وحَوّلت بعض دوله إلى حاملات طائرات عملاقة.

لقد نشأ عن ذلك الغزو انكفاءٌ كويتي، وخلخلةُ في إيمان الكويت بمحيطها العربي، ما دام هذا الجوار لا يتردّد في شطب الدولة، «التي لم تُقصّر في خدمة العرب وقضاياهمض»، كما يرى الكويتيون أنفسهم. ما ضاعف الجرح الكويتي أن ذلك الشطب قد تمّ عبر الغزو العسكري، ومن قِبَل جار عربي، قَدّمت له الكويت دعماً هائلاً في حربه العدائية والمفتعلة تجاه طهران في ثمانينيات القرن المنصرم. ثمّ إن الغزو قد تمّ في ظلّ تأييد أو تفهّم أطراف رسمية وشعبية فلسطينية وأردنية ويمنية وسودانية، وهي البلدان التي سُمّيت في الكويت «دول الضدّ».

نقرأ كلاماً «جميلاً» عن تجاوز الكويت لذلك الحدث المدوّي، ولا أتفق مع ذلك. وأرى أن الجرح الكويتي إزاء الفلسطينيين عميق جدّاً، وربما أكثر نزفاً من أيّ دولة أخرى عَتَبت على الفلسطينيين، مثل لبنان الذي مارس فيه بعض الأطراف الفلسطينية ما كان يتوجّب تفاديه، أو الأردن حيث التباين مع النظام الملكي المضطرب أدّى إلى مقتلة «أيلول الأسود». والجرح الكويتي أكثر إدماءً مما تقول حكومة دمشق إنه أصابها من موقف «حماس» المتورّط في المشهد الداخلي بعد 2011.

قد يقال إن بعض تلك الأحداث ملتبسٌ وحمّال أوجه، بما في ذلك الحدث السوري، في لحظته الأولى على الأقلّ، مع أنه لم يعد كذلك منذ تدخل الأميركيين والسعودية و«الدواعش» الذين يتفقون على العداء للديمقراطية ولا يجدون في التحرر الوطني غاية تستحق النضال. أمّا الحدث الكويتي في مطلع التسعينيات من القرن العشرين، فقد كان قضية واضحة وضوح الشمس، حيث قام الجيش العراقي بغزو بربري لدولة عربية معترَف بها في الأمم المتحدة. احتلّها واستباح الحرمات، دونما مسوّغ، فالخلافات تُحلّ عبر النقاشات.

من وجهة نظر الكويتيين، يُفترض بالفلسطينيين، الذين يعانون من الاحتلال، أن يدركوا جرم «صَدّام» أكثر من أيّ طرف عربي أو إقليمي أو دولي آخر.

بيد أن قطاعات فلسطينية ليست قليلة، بقيادة ياسر عرفات، صُنّفت من وجهة نظر الكويت مؤيّدة لصدام وغزوه. وحتى حين قال بعض الفلسطينيين إنهم ضدّ الغزو، لكنهم ضدّ التدخل الأميركي العسكري في الخليج، لاحظت حكومة الكويت أن ذلك مبرّر لبقاء الاحتلال جاثماً على صدور أهلها.

إضافة إلى ما سبق، فإن العتب الكويتي ينطلق بالنظر إلى وجود نحو 400 ألف فلسطيني يعيشون في الكويت، في لحظة الاحتلال، حيث تحتضن العاصمة الخليجية الغنية أكبر تجمّع فلسطيني في الخليج، يعيش أهله حياة رفاه، غالباً، بعرق جبينهم، صحيح، لكن في ظلّ احتضان الدولة وشعبها.

كما تَميّزت الكويت بعلاقة خاصة مع القضية الفلسطينية، وفيها نشأت حركة «فتح»، وعلى صفحات جرائدها أبدع ناجي العلي رسوماته الخالدة.

في ظلّ هذا الجرح، لماذا لم تُطبّع الكويت؟

حسناً، المسألة - في ظني - تكمن في أن الكويت اتخذت، منذ إخراج القوات العراقية من أراضيها، سياسة أقرب إلى النأي بالنفس عن الخلافات الإقليمية، ولعبة المحاور. اختارت العاصمة الخليجية الصغيرة مساراً يلتقي مع «الجميع»، من عرب ومسلمين عموماً، بما يجعلها داعماً للقضايا العربية في الخطوط المتفق عليها.

ولعلنا نلحظ، مثلا، الحذر الكويتي في التعامل مع القصة اليمنية المريرة؛ إذ تمايزت الكويت في موقفها، بحيث تستطيع نيل رضى الأطراف اليمنية والسعودية والإيرانية والأممية على السواء، من خلال إرسال قوات عسكرية استجابة للسعودية، مع تفادي الالتحام بجيش صنعاء، إلى جانب فتح أراضيها للحوار اليمني - اليمني، وتزويد الدولة الأشدّ فقراً بالدعم المالي الوفير.

وفي 2011، كمثال آخر، اختارت الكويت أن ترسل قوات إلى البحرين، ضمن ما قيل إنه تدخل لقوات «درع الجزيرة»، لكن تلك القوات كانت بحرية، فلم تلتحم مع المحتشدين في دوار اللؤلؤة، بينما أرسلت السعودية والإمارات قوات عسكرية فتكت بالعُزّل.

على أننا نلحظ أن الأميركي لا يتفهّم ذلك. ونرى جاريد كوشنر، مستشار الرئيس دونالد ترامب، ينتقد الكويت، معتبراً موقفها منحازاً للفلسطينيين.

قد يقال إن لدى الكويت أكثر من مبرّر للانضمام إلى قطار التطبيع، بيد أن القيادة الكويتية، بخبرتها الطويلة، حيث شغل صباح الأحمد منصب وزير الخارجية لنحو ثلاثة عقود، تدرك مدى حجم الخطأ في ذلك، والأعباء التي يلقيها على الدولة التي تقع في مثلث عراقي- إيراني- سعودي ساخن، ولم تستعِد عافيتها بعد من غزو يظلّ يطارد صاحب القرار.

وما التصريحات التي يدلي بها رئيس مجلس الأمة الكويتي، مرزوق الغانم، إلّا تعبير عن موقف الأمير صباح الأحمد، الراغب في إبقاء الكويت داخل «الحصن» العربي والإسلامي العام، مهما كان هذا الحصن هشّاً.

في اللحظة الراهنة، يمكن تسجيل النقاط التالية التي تدفع الكويت إلى تأجيل ملف التطبيع لفترة طويلة إلى محطّة لا بدّ أنها قادمة، إذا ظلّ السياق العربي على هذه الوتيرة المنحطة:

أولاً: لا تريد الكويت أن يُنظَر إليها على أنها تغرّد خارج السرب العربي، على بؤسه.

ثانياً: تسعى الكويت إلى التمايز عن المحور السعودي - الإماراتي - البحريني، المندفع نحو التطبيع.

ثالثاً: تعمل الكويت على تفادي أن تُحسَب على أنها تنحاز إلى المرشّح الجمهوري دونالد ترامب، ضدّ المرشح الديمقراطي جو بادين.

رابعاً: تأخذ الكويت في الاعتبار علاقاتها الجيّدة مع الجانب الإيراني، القلِق من موجة التطبيع الحالية، التي تُفسَّر على أنها حلف عسكري موجّه ضدّ طهران.

وبالمناسبة، فإني أرجّح أن عُمان قد لا تذهب، هي الأخرى، إلى التطبيع في الوقت الراهن، مع أن لا شيء مضموناً، لأنها لا تريد أن يُفسّر موقفها على أنه انحياز للسعوديين.

وأقدّر أن عُمان ربما كانت تتمنى لو ذهبت إلى التطبيع في لحظة سابقة، أو أن تختار لحظتها بنفسها، في ظلّ خطابها الذي «يفتح خطوطاً مع الجميع»، ويرفض أن يكون ساحة اقتتال، بيد أن القصة العمانية تحتاج إلى معالجة خاصة.

لقد نالت الكويت «قتْلة» على يد صدام، وتعرف أن التورّط أكثر مما ينبغي في قضايا الآخرين يعني احتمال التعرّض لـ«قتْلة» أخرى، وهذا ما لا يدركه الإماراتيون، وأدركه القطريون قبل فوات الأوان، في زحمة «الربيع العربي».

التجربة الكويتية حذرة. درسها يمنحها الحكمة. فهل يلغي ذلك إيمان الكويت بالقضية الفلسطينية؟ لا. لكن علينا قراءة المشهد بصورة أعمق. إيمان الكويتيين بعدالة قضية فلسطين لا يلغي الحاجة إلى القراءة السياسية الخاصة لحالة الكويت.

خلاصة المشهد أن تجربة الكويت المُرّة تدفعها إلى أن لا تكون ضدّ الفلسطينيين الذين هم في نظر عموم العرب ضحايا لإسرائيل.

والحدث الكويتي درس بارز للفلسطينيين، وفي هذا لنا كلام آخر.

* عباس بوصفوان كاتب صحفي بحريني

المصدر | الأخبار اللبنانية