قراءة في خطاب الرئيس الإيراني بالأمم المتحدة

بدا روحاني سعيدا بإحباط مجلس الأمن دعوة أمريكا لتشديد العقوبات على إيران رغم إحباط جهوده لرفع العقوبات عن إيران خلال السنوات الماضية.

*     *     *

لقد كان الرئيس الإيراني حسن روحاني منذ أول دورة حضرها للجمعية العامة للأمم المتحدة يبدي اهتماما كبيرا بالمباحثات من أجل إرساء قواعد للتفاهم حول المشروع النووي الإيراني، ولكنه بعد أن حقق هدفه بمفاوضات مع الدول الكبرى، والوصول إلى اتفاق دولي حول البرنامج النووي عمل على متابعة العمل من أجل إلزام أطراف الاتفاق بالقيام بتعهداتها في الاتفاق.

من ثم بدأ أول خطاب له في الجمعية العامة بقوله: إن عالمنا اليوم مليء بالخوف والأمل، الخوف من الحرب وعلاقات السلبية الإقليمية والعالمية، الخوف من المواجهات مع الجماعات الإرهابية الدينية والقومية والوطنية، الخوف من مؤسسات العنف والتطرف، من خشية الفقر والتفرقة وتدمير مصادر الحياة، وعدم احترام حقوق الإنسان وكرامته، وسوء الأخلاق.

لكنه عند حديثه عن الأمل تناول نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية مؤكدا أنها أوضحت رغبة الشعب الإيراني في الأمل والتدبير والاعتدال في السياسة الخارجية، والاستعداد للتعاون الثنائي والعام مع كل اللاعبين الدوليين، باعتبار أن إيران قوة إقليمية مسئولة عن أمن المنطقة والعالم، من ثم فهي تسعى لحل المشكلات وليس خلق المشكلات.

كانت كلمة الرئيس الإيراني في حضوره الثاني اجتماع الجمعية العمومية لمنظمة الأمم المتحدة في ظل اتفاق جنيف الذي تم التوصل إليه خلال العام، وهو ما جعله يشير إلى أن إيران قد أوجدت بابتكارات جديدة في المباحثات النووية ظروفا جديدة لحل الموضوع، وكان اتفاق جنيف إنجازا في المرحلة الحالية، وهو ما يبشر بحدوث نجاح كامل في التعاون الإقليمي والعالمي، والتركيز على حل مشكلة التطرف والعنف.

أما في جلسة العام الثالث التي حضرها فقد أبدى استياءه بقوة من حادث الحرم ووقوع عدد من الضحايا الإيرانيين، متهما السعودية بالتقصير وسوء الإدارة، وكان هذا الهجوم استنادا إلى الإنجاز الذي حققه في مفاوضات البرنامج النووي، حيث أشار في نفس الخطاب إلى أن إيران قد بدأت فصلا جديدا في علاقاتها مع العالم. بل إنه تجاوز ذلك القدر بأن أعلن عن ضرورة النظر في إعادة تشكيل النظام العالمي، مطالبا بحركة جادة وفعالة من أجل تنفيذ ذلك الأمر.

في الجلسة الرابعة التي حضرها روحاني للجمعية العامة للأمم المتحدة أكد روحاني على أن الاتفاق النووي بين إيران والدول الست يعتبر نموذجا لتحسين العلاقات الدولية، وهو ما يجب الاستفادة منه، فقد منع التوتر ورفع العقوبات الظالمة وفتح مجال الاستثمار.

كذلك ركز في جلسة العام الخامس على أن الاتفاق النووي أوجد تعاملا جديدا في العلاقات الجديدة على المستوى الدولي، يقوم على المشاركة والبناء الاستثمار المشترك.

أما في الجلسة السادسة التي حضرها الرئيس روحاني فقد كان خطابه متأثرا بخروج أمريكا من الاتفاق النووي وعدم قيام الدول الأوربية بتعهداتها في الاتفاق النووي، حيث أكد أن منظمة الأمم المتحدة ليست إحدى الإدارات الأمريكية، ولا ينبغي أن تسمح باتخاذ قرارات وفقا للعبة بعض أعضائها الانتخابية والدعائية، لأن قرارات الأمم المتحدة ليست ورقة قابلة للتمزيق، إن الأمن الدولي أصبح لعبة السياسة الداخلية الأمريكية.

كان خروج أمريكا من الاتفاق النووي فرصة سانحة للرئيس روحاني بوضع قناع البراءة والجدية في نفس الوقت، وهو ما جعله يعلن موقفا حادا لإيران، فقال: إن موقفنا واضح وهو الالتزام أمام الالتزام والنقض أمام النقض والتهديد أمام التهديد والخطوة أمام الخطوة والكلام في مواجهة الكلام، إننا ندعم السلام والديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، ونعتبر السلاح النووي حراما.

عندما لم يجد الرئيس روحاني رد فعل إيجابي إزاء موقفه الذي اتخذه حمل معه إلى جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة السابعة اقتراحا بمعاهد سلام مضيق هرمز، وتضمنت المعاهدة أن تدخل الدول المستفيدة من مضيق هرمز في ائتلاف الأمل، فإذا كان لدى هذه الدول الاستعداد تبدأ إيران المفاوضات فورا.

من خلال خطاب الرئيس الإيراني حسن روحاني في السنوات السبع الماضية يمكن أن ندرك ملامح خطابه الأخير قبل أن يغادر موقعه كرئيس لجمهورية إيران الإسلامية، فهو يريد أن يترك ذكرى طيبة للشعب الإيراني بعد أن فشلت سياسته الاقتصادية بسبب عدم الحصول على جدوى حقيقية للاتفاق النووي الذي أبرمه مع الدول الكبرى في العالم، من ناحية فضلا عن ترك بصمة له في اجتماعات الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة.

لقد بدأ خطابه الأخير هذا العام بتهنئة المندوب التركي برئاسة الدورة الخامسة والسبعين للجمعية العمومية لمنظمة الأمم المتحدة، واصفا تركيا بالصديق والأخ، ومتمنيا للأمين العام ولمعاونيه التوفيق في مسيرتهم نحو تحقيق أهداف المنظمة الدولية، وربما تكون هذه المقدمة روتينية إلا أنها تضمنت إظهار نوع التعاطف الإيراني تجاه تركيا.

لم يكتف الرئيس روحاني بجلب تعاطف رئيس المنظمة، بل إنه استغل أزمة فيروس الكرونا كفرصة لجلب تعاطف وفود العالم، فبعد المقدمة نبه روحاني إلى أن العالم غافل عن نعمتين عظيمتين هما السلامة والأمن، وهو يواجه فجأة فيروس الكرونا ليستيقظ، فلقد أصبحت الكورونا تحديا للإدارة الدولية والإدارة الداخلية للدول.

هذا الفيروس الصغير الحجم الذي يمثل ألما مشتركا للإنسانية جعل التقدم العلمي والتقني والإعلامي لا يمثل شيئا أمامه، وهو ما يجعل الجميع يتواضع أمام الله وحقيقة الخلق، كما أنه ينبه بانتشاره في العالم جميع أعضاء المجتمع البشري إلى أنه لا يمكن مواجهة القضايا الدولية المشتركة إلا عن طريق المشاركة الجماعية الدولية.

مؤكدا أن العالم أجمع يواجه فترة صعبة، وأن شعب إيران بدلا من أن يتمتع بتعاون العالم يواجه أقسى عقوبات في التاريخ، تتناقض تناقضا واضحا وأساسيا مع ميثاق الأمم المتحدة وقرار مجلس الأمن رقم 2231.

ثم اتجه روحاني إلى التشنيع على الولايات المتحدة الأمريكية خصم إيران اللدود، حيث عرض صورة لجندي أمريكي يضع حذاءه على رقبة مواطن معترض، مؤكدا أن هذه الصورة تكررت لتعبر عن أن قدم الاستكبار فوق عنق الشعوب المستقلة، ولقد دفع شعب إيران الكثير عشرات السنين من أجل الحرية والتخلص من الاستبداد.

وجعل استمراره في الصمود في دوره التاريخي والحضاري على أساس محورية السلام والاستقرار والكفاح ضد الاحتلال والتطرف والإرهاب، وأن مواقف إيران في المؤتمرات الدولية ومساندة السلام والاستقرار تشهد بذلك.

ومع وقوفها مع الشعوب المستضعفة تعتبر أن تحقيق الاتفاق مع النظام العالمي حول المشروع النووي الإيراني عام 2015، إنجازا تاريخيا يؤكد سعيها للسلام والاستقرار، واستخدام الطاقة النووية في تحقيق التقدم والرفاهية، وأن إيران مازلت متمسكة به رغم نقض أمريكا المستمر للعهود.

لقد أكد الرئيس روحاني إن مثل هذا الشعب لا يستحق العقوبة وليس الرد على السلام هو الحرب، وليست مكافأة الكفاح ضد التطرف هو الاغتيال، وليس الرد على رغبات الشعوب في إيران والعراق ولبنان اتهامها بالتمرد والتعامل معها بغير الديمقراطية، فالادعاءات ليست أساسا لكن العمل هو الأساس.

ثم عاد روحاني لتمثيل دور الاستشهاد، حيث قال: إنهم يتهموننا كذبا بإنتاج الأسلحة النووية وبهذه الحجة يقومون بالعقوبات هنا وهناك، ويتحدثون عن حقوق الإنسان، ولكنهم يضغطون بأقصى حد على معيشة وسلامة وحتى حق الحياة لكل الإيرانيين. إنهم يبيعون السلاح بمليارات الدولارات في منطقتنا ويحولونها إلى مخزن بارود، في الوقت الذي يحرمون فيه إيران من أدنى احتياجاتها للدفاع رغم النص الصريح للقرار رقم 2231.

لم ينس الرئيس روحاني في ختام خطابه أن يقدم الشكر لمن دافع عن إيران في مجلس الأمن إزاء اقتراحات أمريكا بمد العقوبات ضدها، فقال: إنني أشكر هنا رؤساء دورة مجلس الأمن والثلاثة عشر عضوا في هذا المجلس، وخاصة روسيا والصين الذين قالوا لا لأمريكا في استغلالها وسائل غير قانونية ضد إيران.

كما رفع صوته بحماس هذا التأييد فقال: إن أمريكا لا تستطيع أن تفرض علينا المباحثات أو الحرب. إن الحياة مع العقوبات صعبة، ولكن الحياة بدون استقلال أصعب. إن هذا الوقت هو وقت القرار الصحيح.(وكالة أنباء فارس في 23 سبتمبر 2020).

لاشك أن جهود روحاني من أجل رفع العقوبات عن إيران خلال السنوات السبع الماضية قد أحبطت، لكنه بدا سعيدا بإحباط مجلس الأمن دعوة أمريكا لتشديد العقوبات على إيران.

* د. محمد السعيد عبد المؤمن أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس

المصدر | صفحة الكاتب على "فيسبوك"