الأربعاء 30 سبتمبر 2020 08:25 ص

مصر الهوامش: من ميدان التحرير إلى الـ"توك توك"

أيعود سبب صمت الأحزاب والقوى السياسية إلى "بعبع" التحريض الإخواني المزعوم خلف الحراك الشعبي؟

أم تنزيه الذات عن أيّ تورّط مع محمد علي المقاول؟ أم ترفع عن حراك الهوامش لصالح (خرافة) معارضة مدينية مدنية؟

أم أنه مرض عضال أصاب جمهرة معارضين صفقوا لانقلاب السيسي قبل أن يتكفل "الريّس" بكمّ أفواههم.. قبل أبصارهم وبصائرهم!

*     *     *

إجحاف شديد، فضلاً عن كونه قصر نظر فادحاً، أن تُعزى الاحتجاجات الشعبية الراهنة في مصر إلى التحريض الذي عاد إليه مؤخراً المقاول المصري محمد علي، في جولة ثانية لاح أنها تبني على جولة مماثلة قبل عام؛ أو إلى دعوات جماعة الإخوان المسلمين؛ أو إلى مزيج من العاملين.

صحيح، بالطبع، أنّ قسطاً من الحراك تأثر بهذا أو ذاك من أطراف التعبئة الخارجية، وهو أمر طبيعي ومنتظَر؛ إلا أنّ الجوهر يتجاوز بكثير هذا السطح المرئي إلى مستويات أعمق تجذراً في واقع مصر الاجتماعي – الاقتصادي والسياسي والطبقي والمعاشي، خاصة بعد انقلاب عبد الفتاح السيسي، حين ترافق القهر المعاشي مع القمع السياسي.

ثمة سمتان طبعتا الاحتجاجات الشعبية الراهنة، أسوة بسابقتها في العام الماضي، وغير بعيدة عنهما درجة متقدمة من التكامل الوظيفي: أنّ غالبية مسارح هذه التحركات هي الهوامش، أو أطراف المحافظات في السويس وأسوان والفيوم ودمياط؛ وأنّ المراكز المدينية الكبرى، أي نماذج ميدان التحرير 2011، شبه غائبة تارة، أو غائبة تماماً تارة أخرى، وعلى نحو لافت.

والأرجح أنّ التفسير الأول خلف هذه الظاهرة هو استمرار نظام السيسي في اعتماد سياسة اقتصادية ومعاشية مزدوجة الاستهداف: طمأنة، أو حتى دغدغة، الطبقة الوسطى وموظفي الدولة والقطاع العام والجيش، من جهة أولى؛ وإراحة، بل خدمة، الفئات العليا الغنية ورجال المال الأعمال، من جهة ثانية.

تلك، من دون أية مفارقة، هي سياسة حسني مبارك على وجه التحديد، مع فارق أوّل أنّ السيسي أدخل عليها بعض عمليات التجميل الشكلية؛ وفارق ثان هو أنّ صندوق النقد الدولي أبلى بلاء حسناً في ترسيخها، ولكن مع نتائج جانبية كارثية ألحقت الأذى الشديد بالفئات الفقيرة، وفي الهوامش على وجه التحديد.

ورغم أنها حافلة بأخطاء منهجية متعمدة، فإنّ إحصائيات النظام ذاتها  تشير إلى أنّ 32,5% من سكان مصر وقعوا تحت خطّ الفقر في عام 2018، مقابل 27,8% عام 2015، و16,7% عام 2000 (معدّل الفقر هنا هو 1,45 دولار أمريكي يومياً).

ورغم المليارات التي تلقاها نظام السيسي من الإمارات والسعودية، فإنّ عجز الميزانية ظلّ أعلى من 14%، وبقيت وطأته الأثقل جائثمة على عاتق الفئات المهمشة ذاتها.

وفي دراسة هامة بعنوان “التعبئة على خطوط الهوامش: ستراتيجيات البقاء لدى سائقي التوك توك في مصر”، تتوقف الباحثة المصرية نيرة عبد الرحمن سليمان عند حالة تمثل نصف مليون عامل في هذه المهنة، يقدمون خدمة يستفيد منها 30 مليون مصري يومياً.

وهذه ظاهرة تجمع بين أبعاد مختلفة من التهميش، مثل العمل متدني الدخل وغير الآمن، والتربية المحدودة، والخدمات الرخيصة، وانحطاط البنى التحتية. الأهم من هذا أنّ الـ"توك توك" ولد للمرة الأولى في قرى الدلتا، لكنه سرعان ما انتقل إلى المدن، كما في القاهرة عبر حيّ إمبابة.

ومن الواضح أنّ نموذج سائق الـ"توك توك"، مثل راكبه في الواقع، هو المتضرر الأوّل من إجراءات السلطة الخاصة برفع الدعم عن المواد الأساسية، واستشراء الغلاء، وتدني قيمة العملة الوطنية..

وإذا كانت مفهومة، على نحو أو آخر، الاعتبارات الطبقية خلف ضعف مشاركة الفئات الوسطى في الاحتجاجات الراهنة، رغم أنها ضحية بدورها لسياسات السلطة في القهر المعاشي والقمع السياسي؛ فإنّ ما لا يُفهم، حقاً، هو صمت أحزاب المعارضة والقوى السياسية والاجتماعية التي لا تسير في ركاب النظام. أيعود السبب إلى "بعبع" التحريض الإخواني المزعوم خلف الحراك الشعبي؟

أم تنزيه الذات عن أيّ تورّط مع محمد علي المقاول؟ أم هو الترفع عن حراك الهوامش لصالح (خرافة) المعارضة المدينية المدنية؟

أم، كما يُرجّح، ذلك المرض العضال الذي أصاب جمهرة المعارضين ممّن صفقوا لانقلاب السيسي، قبل أن يتكفل "الريّس" بكمّ أفواههم… قبل الأبصار والبصائر!

* صبحي حديدي كاتب صحفي سوري مقيم بفرنسا

المصدر | القدس العربي