الأربعاء 30 سبتمبر 2020 01:43 م

تمثل وفاة أمير الكويت "صباح الأحمد الصباح"، وفاة دبلوماسي محنك وسياسي ماكر وشخصية إنسانية مهمة. ولكن هل يحافظ خليفته على الثقافة الديمقراطية في الكويت وسياستها الخارجية المستقلة؟

يقال إن أفضل الصيادين يتمتعون بالصبر والمثابرة واليقظة على حد سواء. وقد عاش "صباح الأحمد"، الذي أُعلن عن وفاته في 29 سبتمبر/أيلول، حياة كاملة في قلب السياسة الكويتية -كوزير خارجية، ورئيس وزراء، وأخيراً أميرًا- وكان صيادًا بارعًا.

وبصفته دبلوماسيًا ورجل دولة في دولة خليجية صغيرة ولكن تفتخر بنفسها، فقد عمل "صباح الأحمد" بصبر على الاستفادة من النفط الكويتي والمزايا التجارية ومهارات الوساطة لتحقيق تأثير أكبر في المنطقة وعلى المسرح العالمي.

وكان هذا الإصرار نفسه مطلوبًا في الداخل حيث غالبًا ما تمثل السياسات الخلافية للأحزاب السياسية الكويتية تحديا للإجماع الوطني، وتغري بتدخل زعماء الدول المجاورة غير المستريحين للنموذج البرلماني الكويتي.

الدبلوماسي الكويتي

حفلت حياة "صباح الأحمد" بمسيرة دبلوماسية طويلة، حيث أظهر خلال السنوات الأربعين التي قضاها وزيراً لخارجية الكويت، براعة في التعامل مع صغر حجم الكويت من خلال تفعيل أجندة نشطة لتعويض ذلك.

وكان "صباح الأحمد" رائداً في الحفاظ على علاقات جيدة مع مجموعة واسعة من الدول، وتحقيق التوازن بين القوى العظمى وتأييد الحركات العربية وحركات عدم الانحياز. وتحتفظ وزارة الخارجية الكويتية التي أقيمت في عهد "صباح الأحمد" ببعثات خارجية كبيرة بالنسبة لحجم الدولة.

ولطالما روج "صباح الأحمد" للدبلوماسية الإنسانية للكويت. وفي الآونة الأخيرة، ساهمت الكويت في استقرار المنطقة من خلال استضافتها لمؤتمرات دولية للمانحين لسوريا والعراق، إضافة إلى تقديم أشكال أخرى من المساعدات المباشرة. وقد دفع ذلك الأمين العام السابق للأمم المتحدة "بان كي مون" لتكريم "صباح الأحمد" كقائد إنساني في عام 2014.

ومع ذلك، فإن التواصل الفعال للكويت لم يقضِ على ضعفها، وهو ما تجلى بوضوح في غزو "صدام حسين" للكويت في عام 1990. وقد عززت هذه التجربة المؤلمة تقدير "صباح الأحمد" للولايات المتحدة والمجتمع الدولي الذين جاءوا للدفاع عن الكويت، حيث عمقت الكويت تعاونها العسكري والسياسي مع الولايات المتحدة.

وعزز "صباح الأحمد" مشاركة الكويت في المؤسسات المتعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة. كما لعب إيمانه بالتعددية كوسيلة لتعزيز أمن الكويت دورًا بارزًا على المستوى الإقليمي، حيث كانت جهوده وراء إنشاء مجلس التعاون الخليجي في عام 1981.

وقد تعزز هذا الالتزام بالتعددية من خلال الوساطة الكويتية النشطة لحل النزاعات الإقليمية. ففي مواجهة التوترات الخليجية المتصاعدة مع إيران المجاورة، واصل "صباح الأحمد" البحث عن انفتاح دبلوماسي، حيث سافر شخصيًا في عام 2014 وأطلق حوارًا مع الجمهورية الإسلامية في عام 2017.

كما شعر "صباح الأحمد" بقلق عميق بسبب الحصار الذي قادته السعودية والإمارات ضد قطر، وقد كافح أكثر من أي شخص آخر لإيجاد صيغة من شأنها إنهاء هذا النزاع الذي يهدد مجلس التعاون الخليجي.

والد الكويت

عهد الأمير "جابر الأحمد الصباح" في عام 2003، إلى "صباح الأحمد" بقيادة الحكومة، لينتقل من التوسط بين الدول إلى إدارة الفصائل السياسية المتنافسة في الكويت. وقد أثبت أنه سياسي ماهر.

لعب "صباح الأحمد" في عام 2005 دورًا محوريًا في إقرار حق المرأة في التصويت في الانتخابات البرلمانية، بعد 6 سنوات من رفض مجلس الأمة منح المرأة الحقوق السياسية بفارق صوتين. وقد ظهرت هذه المهارة السياسية نفسها، حين نجح في اجتياز المداولات العائلية والبرلمانية ليخرج كأمير في عام 2006. وقد حدثت هذه الخلافة غير التقليدية بعد أن اعتبر ولي العهد، "سعد عبد الله السالم الصباح"، غير لائق. 

وبصفته أميرًا، تولى "صباح الأحمد" دورًا أكبر في التوازن الداخلي، حيث كان يدير المعركة بين منافسيه من الجيل التالي ويحد من التوترات الاجتماعية والسياسية المتزايدة بين التجار والشعبويين والليبراليين والإسلاميين والشيعة والسنة.

وعلى مدى العقد الماضي، كان هناك ترسيخ للمصالح المالية في البلاد وعودة العائلات التجارية البارزة إلى البرلمان، بالتزامن مع صعود الشعبوية. واكتسبت احتجاجات الشباب التي بدأت في عام 2006 زخما أكبر في 2010-2012، حيث انتقد الناشطون الأمير لبعض السلبية في مكافحة الفساد داخل النخبة الحاكمة وعدم الاهتمام بمواجهة التحدي المتمثل في مستقبل ما بعد النفط.

ومع ذلك، مع تهديد الاضطرابات الإقليمية للإمارة الصغيرة، حظيت نداءات الأمير المتكررة بضبط النفس السياسي والحفاظ على الوحدة الوطنية بقبول أكبر. كان هذا أكثر وضوحا في عام 2015 عندما تعرضت الكويت لأسوأ هجوم منذ حرب الخليج، وهو تفجير انتحاري من قبل تنظيم "الدولة الإسلامية" في مسجد الإمام الصادق والذي خلف 27 قتيلا.

كان وصول الأمير إلى المسجد وإظهار تعاطفه مع المصلين الشيعة الذين سقطوا باعتبارهم أبناء له، من أعظم أعماله القيادية، حيث أقيمت الصلاة في المسجد الكبير بالكويت تجسيدًا للوحدة الوطنية في وجه العنف الطائفي الذي يسمم المنطقة.

وتزايد هذا التقدير للفطنة السياسية للأمير أكثر مع تعامله مع الأزمة الخليجية، حيث قرر عدم الانحياز لطرفي النزاع ليتولى دور المدافع عن التضامن الخليجي والخليجي.

مستقبل الكويت

يدفع رحيل "صباح الأحمد" الكويت إلى عدد من التحولات المحفوفة بالمخاطر. فبدون دور الأمير المتوازن، يظهر خطر خروج بعض الخصومات المحلية والإقليمية عن نطاق السيطرة.

تولى ولي العهد الأمير"نواف الأحمد الصباح" القيادة وقد يوفر ذلك فترة ترحيب بالوحدة في المرحلة الانتقالية. ومع ذلك، فإن الأمير "نواف" يبلغ من العمر 83 عامًا وليس لديه أي برنامج وطني واضح. ومن غير المرجح أن يردع حكمه المنافسة الشديدة الجارية بالفعل على لقب ولي العهد.

كان هذا الصراع جاريًا في البداية بين أبناء إخوة الأمير المتنافسين، رئيس الوزراء السابق "ناصر المحمد الصباح" ووزير التخطيط السابق "أحمد الفهد الصباح". ويُعتقد أن صراعهم العلني أضر بهما، بالرغم أن "ناصر المحمد" أنشأ شبكة هائلة من المؤيدين في الدوائر العائلية والسياسية ولا يزال على اتصال نشط مع المجتمع الدبلوماسي الدولي. واليوم، من المرجح أن يكون منافسه الرئيسي هو الأكبر في عائلة "الصباح" الحاكمة، نائب رئيس الحرس الوطني، "مشعل الأحمد الجابر الصباح".

وسيكون للبرلمان رأي في هذا الانتقال حيث يمنح الدستور الكويتي البرلمان الحق في الموافقة على اختيار الأمير لولي العهد. وفي حالة الرفض، يتم الاختيار من بين 3 مرشحين آخرين على الأقل يقترحهم الأمير. وينقل هذا التأثير إلى رئيس البرلمان صاحب الشخصية الكاريزمية، "مرزوق الغانم"، وكذلك ربما رئيس الحكومة الحالي وزير الخارجية السابق "صباح الخالد الصباح". وقد كان الاثنان في بعض الأوقات على خلاف.

وبغض النظر عن الفائزين في المنافسة، سيكون للكويت أمير وولي عهد يزيدان عن 70 عامًا.

ويتناقض ذلك مع طموح الشباب في الكويت ويضع الكويت خارج نطاق الصعود الإقليمي للأمراء الشباب في الإمارات وقطر والسعودية. وقد أظهر هؤلاء القادة قدرًا أقل من الاحترام للمارسة التقليدية وعزمًا أكبر على تأكيد المصالح الوطنية خارج مظلة الأمن الأمريكية.

وقد شمل ذلك الاستعداد لتحدي العائلات الحاكمة في دول الجوار بشكل مباشر، وهو ما يتجلى في الحصار الذي تقوده السعودية والإمارات ضد قطر.

كانت هذه المنافسات الإقليمية تهدد بسقوط الكويت في هذا الفخ، وكان الأمر الأكثر وضوحًا في حملات وسائل التواصل الاجتماعي، حيث لم تتراجع الحسابات المقربة من السلطة في دول الحصار عن التعليقات الناقدة للسياسة الكويتية.

يثير هذا النوع من التدخل الإعلامي، الذي يأتي في وقت حساس، شبح حملات التأثير الخليجي في الكويت، وهو احتمال يسهله انفتاح النظام السياسي الكويتي.

من المؤكد أن الكويتيين يلتفون حول "نواف الأحمد"، الشخصية الشعبية التي يُنظر إليها خارج الخصومات السياسية السائدة. ولكن مع احتدام المنافسة على خليفته، يبقى أن نرى ما إذا كانت القيادة الكويتية ستحافظ على المساحة السياسية المحلية، والمهارات اللازمة لتنفيذ نهج مستقل يزيد من امتيازات الكويت في الشؤون الخارجية دون استفزاز جيرانها الأقوياء.

المصدر | كريستين سميث ديوان - معهد دول الخليج العربية – ترجمة وتحرير الخليج الجديد