السبت 17 أكتوبر 2020 02:08 م

بعد مرور عام وشهرين على تصديق الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" على قانون ممارسة العمل الأهلي، وافق مجلس الوزراء، مبدئيا، على إصدار اللائحة التنفيذية للقانون، دون الإعلان عن بنودها.

ومن المقرر أن يتم التوافق بين الوزارات المعنية بشأن بعض البنود، لإقرار اللائحة بصورة نهائية.

هذا الإعلان يهدد العمل الأهلي في مصر، وقد يؤدي إلى شطب العشرات من الجمعيات والمنظمات الأهلية.

ولعل التأخير في إصدار اللائحة التنفيذية، يعود إلى مشاورات الجهات السيادية والرقابية، بالإضافة لمستشارة السيسي لشؤون الأمن القومي "فايزة أبو النجا"، لما يشكله هذا القانون من أزمة مرتقبة بين مصر والغرب.

وكانت السفارات الغربية في القاهرة، أبلغت الحكومة بأن المنظمات والمؤسسات الغربية الكبرى، المهتمة بتمويل العمل التنموي في البلاد، والتي كانت أوقفت سابقا تمويل مشاريع عديدة، لن تعود لتمويل الأنشطة التنموية والثقافية والصحية والدراسية في مصر، بسبب القانون.

وتخشى هذه المؤسسات من مشاكل عدة عانت منها سابقا في الفترة بين عامي 2013 و2017، بينها التضييق على التمويل الذي كانت ترسله إلى المنظمات والهيئات التعليمية والحقوقية المصرية، واحتجازه لفترات طويلة لدى وزارة التضامن، ومنع إتمام بعض المشاريع التي حازت على موافقات حكومية بالفعل.

ووفق القانون الجديد، فإنه على جميع الجمعيات والمؤسسات الأهلية والاتحادات والمنظمات الإقليمية والأجنبية غير الحكومية والكيانات التي تمارس العمل الأهلي أن تقوم بتوفيق أوضاعها خلال سنة من تاريخ العمل باللائحة التنفيذية للقانون وإلا قضت المحكمة المختصة بحلها.

وتعود المحاولات لسن قانون جديد ينظم العمل الأهلي في مصر، بدلًا من القانون الصادر في عام 2002، إلى عام 2013، عندما أعدت لجنة من ممثلي المجتمع المدني بتكليف من وزير التضامن الاجتماعي آنذاك "أحمد البرعي"، مشروع قانون.

هذا القانون وصفه مدير مكتب مصر لمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان "محمد زارع"، أنه أحد أفضل القوانين التي خرجت عن الحكومة، إلا أنه لم ير النور.

وفي سبتمبر/أيلول 2016، تجاهلت الحكومة مشروع القانون الذي صاغه ممثلو المجتمع المدني، ووافقت على مشروع قانون أعدته وزارة التضامن الاجتماعي، وأرسلته لمجلس الدولة لمراجعته قبل عرضه على مجلس النواب، إلا أنه واجه اعتراضات حقوقية لأسباب عدة بينها صعوبة شروط تأسيس الجمعيات.

وفي خطوة مفاجئة، ناقش البرلمان في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 مشروع قانون لتنظيم عمل الجمعيات الأهلية مقدم من 204 نواب، بقيادة رئيس ائتلاف "دعم مصر" "عبدالهادي القصبي"، متجاهلًا مشروع الحكومة.

واعتبر حقوقيون مشروع "القصبي" أكثر سوءًا من مشروع وزارة التضامن الاجتماعي، و"يتخطى كل الحدود"، بحسب تعبير "زارع".

وفي هذا القانون، تغيرت العقوبات التي يقرها مشروع القانون على المخالفات، لتصبح الحبس بدلًا من الغرامة التي نص عليها قانون الحكومة.

فيما اعترضت وزيرة التضامن الاجتماعي السابقة "غادة والي"، حينها على قانون "القصبي"، وظهر ذلك في عدم حضورها للمناقشات حوله.

ووافق البرلمان سريعًا على القانون، إلا أنه تأخر في إرساله إلى الرئاسة، حتى مايو/أيار 2017، حين صدّق عليه "السيسي"، إلا أن لائحته التنفيذية لم تصدر.

هذا التأخير برره عضو مجلس النواب "محمد أبو حامد"، بأن ذلك "يعكس أن مؤسسة الرئاسة كانت تُخضع الأمر للدراسة قبل تنفيذ القانون".

وواجه القانون مطالبات بتعديله، إلا أن "السيسي" رفضها في ديسمبر/كانون الأول 2017، لكن في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، غيّر الرئيس رأيه وطالب بتعديله، بعد طلب إحدى المشاركات في منتدى شباب العالم حينها بذلك، وفي الخلفية ضغوط مورست بالتغيير، أبرزها من أعضاء بالكونجرس الأمريكي.

بعد ذلك، دعت الحكومة إلى جلسات حوار مجتمعي بشأن تعديل القانون، وأُجريت التعديلات بالفعل في يناير/كانون الثاني 2019، وكان أبرزها إلغاء العقوبات السالبة للحرية، والاكتفاء بغرامات مالية لتلقي أموال من جهة أجنبية أو محلية أو جمع التبرعات، دون أخذ موافقة من الجهة الإدارية.

كما شملت إلغاء مواد الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية، الذي نص القانون الحالي على تشكيله من ممثلي وزارات الدفاع والداخلية والخارجية والعدل، فضلًا عن ممثل عن جهاز المخابرات العامة والبنك المركزي والرقابة الإدارية للبت في كل ما يتعلق بتأسيس وعمل ونشاط المنظمات الأجنبية.

وتقرر استبدالها بمادة لإنشاء وحدة مركزية للجمعيات والعمل الأهلي والوحدات الفرعية التابعة لها بوزارة التضامن.

ويحظر القانون الجديد في بعض بنوده ممارسة عدة أنشطة بدعوى إخلالها بـ"الأمن القومي"، كما يمنح السلطات صلاحية حل المنظمات جراء وقوع "مخالفات"، ويفرض غرامات تصل إلى مليون جنيه (نحو 60 ألف دولار).

من جانبه، يرى مدير المفوضية المصرية للحقوق والحريات "محمد لطفي"، أن صدور اللائحة التنفيذية للقانون لن يعود بالإيجاب على تنظيم العمل الأهلي.

ولفت إلى أن العشرات من الجمعيات والمنظمات يواجه أزمة كبيرة في توفيق أوضاعها حسب القانون، ما يعرضها للشطب.

وقال إن القانون نفسه، يُقيد العمل الأهلي في مصر "فإذا نجحت في التسجيل، الذي لن يكون بمجرد الإخطار، يصعب عليّ القيام بأي خطوة أخرى دون تصريح".

وأضاف: "أي خطوة تحتاج إلى موافقات، وإلا سنواجه عقوبات وغرامات باهظة".

وتابع: "العمل الأهلي عمل مجتمعي يحتاج إلى أن يكون المجتمع حر، يستطيع القيام بما هو مطلوب منه، وفي حالة كان المجتمع حرًا لا حاجة لقانون ينظم عمله الأهلي".

وزاد "لطفي": "أما محاسبة الجمعيات الأهلية تكون فقط عند ارتكاب أي جريمة أو مخالفة قانونية، وقانون العقوبات به ما يكفي، للمحاسبة على ذلك".

وأشار إلى وجود مواثيق دولية تخص ذلك العمل، ينص عليها الدستور المصري، يجب أن تطبق، لكن القانون نفسه قيّدها.

فيما قال "أحمد البرعي" إن "القانون يتعارض في كثير من مواده مع المبادئ العامة الدولية لحق الأفراد في تكوين منظمات المجتمع المدني والانضمام إليها".

ونفى أي تشابه بين القانون وبين المسودة التي أعدها وقت وجوده في الوزارة عام 2013، واصفًا التعديلات بأنها استبدلت مهام وصلاحيات الأجهزة الأمنية على العمل الأهلي برقابة الموظفين.

وتتعرض مصر لانتقادات من جهات محلية ودولية بسبب الوضع الحقوقي فيها، وهو ما اعتادت أن تنفيه السلطات، مؤكدة أنها "تدعم حرية التعبير عن الرأي، والمؤسسات الحقوقية واستقلال القضاء".

المصدر | الخليج الجديد