السبت 17 أكتوبر 2020 11:09 م

بعثت اتفاقيات التطبيع الأخيرة التي أبرمتها الإمارات والبحرين مع (إسرائيل) موجات من الصدمة في جميع أنحاء العالمين العربي والإسلامي، وانتقدها القادة الفلسطينيون باعتبارها خيانة للفلسطينيين.

وتسعى إدارة "دونالد ترامب" بقوة إلى المزيد من اتفاقيات التطبيع من قبل الدول العربية الأخرى، لذلك تضغط على السودان وتغازل السعودية.

وقد يأتي المزيد من الإعلانات عن اتفاقيات جديدة قبل الانتخابات الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني.

وحتى بعد الانتخابات وبغض النظر عن النتيجة، فقد كسرت الاتفاقيات الإماراتية والبحرينية أحد المحرمات التي قد تدفع الآخرين للسير على خطاهما.

وفي الآونة الأخيرة، أطلق الأمير السعودي "بندر بن سلطان"، السفير السابق لدى الولايات المتحدة، حملة انتقاد علنية ضد القيادة الفلسطينية في مقابلة انتشرت على نطاق واسع.

ويواصل "بندر" لعب دور قيادي في جهاز الأمن القومي في السعودية، وهو ذو علاقات جيدة على الصعيدين الإقليمي والدولي، ما يجعل هجماته شديدة التأثير. لذلك فإن تعليقاته وانتقاداته تطرح السؤال التالي، بينما تبتعد الأنظمة الخليجية عن الفلسطينيين، أين تتجه القيادة الفلسطينية بعد ذلك؟

  • أهمية الخليج لقادة فلسطين

وبينما سعت القيادة الفلسطينية إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع العالمين العربي والإسلامي، كان دور الخليج مهما بشكل خاص.

وتوجد 3 أسباب جعلت العلاقة مع دول الخليج ذات أهمية خاصة للقيادة الفلسطينية.

الأولى هي التأكيد على الإجماع في جامعة الدول العربية. ومن المهم أن نضع في اعتبارنا أن الجامعة، بدعمها لمنظمة التحرير الفلسطينية في وقت مبكر، منحت المنظمة درجة من الشرعية الدولية من خلال الاعتراف بها على أنها "الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني".

وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل هجوم "بندر" خطيرا بشكل خاص على الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" والقادة الآخرين من حوله.

وتحت تأثير الرياض، يمكن لجامعة الدول العربية ممارسة ضغوط كبيرة على منظمة التحرير الفلسطينية لتغيير موقفها من السلام مع (إسرائيل)، إما جزئيا أو كليا.

وتلعب دول الخليج، وخاصة السعودية، دورا حاسما في إحداث الإجماع العربي. وفي العقود الأخيرة مع تضاؤل ​​نفوذ مصر في العالم العربي وبعد توقيع معاهدة سلام منفصلة مع (إسرائيل) عام 1979، بدأ مركز الثقل في العالم العربي في التحول.

وبعد حرب الخليج الأولى لإنهاء احتلال العراق للكويت عام 1991، ثم غزو العراق عام 2003، مارست دول الخليج، بقيادة السعودية، نفوذا أكبر في جامعة الدول العربية مما كان عليه في السابق.

وبعد الربيع العربي في عام 2011، ظهرت دول الخليج باعتبارها الأكثر ثباتا واستقرارا في العالم العربي.

وغالبا ما تم تعويض عدم الاستقرار في البلدان العربية الأخرى بدعم مالي من دول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات، ما سمح لهؤلاء المستفيدين الأغنياء ببسط المزيد من النفوذ عبر المنطقة.

وبدون الخليج، وخاصة السعودية، لن يكون هناك إجماع من جامعة الدول العربية ولن يكون موقف منظمة التحرير الفلسطينية ذا قيمة دولية كبيرة.

والسبب الثاني لأهمية الخليج للقادة الفلسطينيين هو الدعم المالي. وتاريخيا، جاء هذا الدعم من 3 مصادر رئيسية، الأنظمة الخليجية، والمواطنون الخليجيون، والفلسطينيون الذين يعملون في دول الخليج.

وتعتبر المملكة هي أكبر ممول للسلطة الفلسطينية، حيث تقدم 20 مليون دولار شهريا منذ عام 2013. كما تسمح الأموال السعودية باستمرار عمليات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا".

ومع انسحاب الولايات المتحدة من تمويل "الأونوروا"، أصبحت السعودية ثالث أكبر مانح للوكالة، حيث قدمت 160 مليون دولار من الدعم في عام 2018.

ووفقا للسفير السعودي لدى الأمم المتحدة، فعلى مدى عقدين من الزمن، قدمت المملكة للفلسطينيين 6 مليارات دولار على شكل مساعدات إنسانية وتنموية، ومليار دولار إضافية للاجئين الفلسطينيين.

ثالثا، وهو ذو أهمية كبيرة، كانت دول الخليج مهمة للفلسطينيين جزئيا بسبب علاقاتها القوية مع واشنطن.

وبالرغم من الاختلافات بين بعض دول الخليج في نهجها تجاه مختلف القضايا، فقد حافظت جميعها تقريبا على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، وكانت حليفة راسخة لأمريكا.

وبالنسبة للقادة الفلسطينيين، عملت هذه العلاقات الثنائية على المساعدة في نقل الرسالة الفلسطينية إلى واشنطن حتى في اللحظات التي كانت فيها العلاقة الفلسطينية مع واشنطن في الحضيض، كما كان الحال خلال إدارة "ترامب".

ولهذه الأسباب الرئيسية الثلاثة، كان للحفاظ على علاقة جيدة مع دول الخليج أهمية كبيرة لدى القادة الفلسطينيين.

ومع ذلك، فإن التحولات التي تحدث الآن تختبر تلك الروابط بطرق غير مسبوقة.

  • الخليج يتغير

وبالرغم أن فكرة التغيير في الخليج ربما تكون واحدة من أكثر الموضوعات المبتذلة في التحليل السياسي في واشنطن، إلا أن هناك بعض الحقيقة في ذلك.

وبينما جادل البعض بأن المنطقة تزداد دفئا تجاه (إسرائيل) وتبتعد أكثر فأكثر عن الفلسطينيين، فإن الأدلة من الرأي العام الثابت تشير إلى خلاف ذلك.

وتظهر الأرقام المأخوذة من أحدث استطلاع للرأي العربي، وهو الاستطلاع الأكثر شمولا في العالم العربي، أن المستطلعين يعارضون بأغلبية ساحقة تطبيع بلدانهم مع (إسرائيل) دون اتفاق سلام فلسطيني إسرائيلي.

علاوة على ذلك، لا يزال المستطلعون يعتقدون بقوة أن القضية الفلسطينية هي قضية تهم جميع العرب. وجاءت هذه النتائج حتى في دول الخليج التي تم مسحها، وهي السعودية والكويت وقطر.

لكن ما يتغير هو مصالح النظام ومواقفه، حتى لو لم تتغير الجماهير العربية بشكل كبير. ومع ذلك، من المرجح أن يكون للرسائل التي يقودها النظام بمرور الوقت، خاصة في البيئات التي لا توجد بها وسائل إعلام مستقلة، تأثير على الرأي العام.

وبالنسبة لبعض الأنظمة الخليجية التي تخشى على شرعيتها الداخلية وأمنها، فإن هذا القلق هو الأهم.

ولهذه الأسباب، وخاصة بعد الربيع العربي، شددت دول الخليج مثل الإمارات والسعودية تركيزها على إيران وعلى الحركات المعارضة في العالم العربي.

ولا تري هذه الدول في (إسرائيل) تهديدا لأمن النظام. وبدلا من ذلك، يرون أنها ميزة في هذا الصدد، لأنها يمكن أن تكون بمثابة شريك في القمع وأيضا بسبب علاقتها القوية مع واشنطن.

وبالإضافة إلى التغييرات في تصورات الخليج عن التهديدات، تحدث تغييرات مهمة أخرى في القيادة. ومرت العديد من الأنظمة الملكية، أو تمر، بتحولات في القيادة مع انتقال السلطة إلى الجيل التالي. وجاءت وفاة سلطان عُمان وأمير الكويت هذا العام بعمر 79 و91 على التوالي لتبدأ هذه التحولات.

ولعب كل من هؤلاء القادة دورا دبلوماسيا مهما. وفي اللحظات الحاسمة، وحدوا الأدوار الدبلوماسية في الخليج

وفي الرياض وأبوظبي، يتصرف كل من "بن سلمان" و"بنزايد" على نحو متزايد كحكام فعليين. ويأتي هذا التحول في القيادة كتحول عن حقبة اكتسب فيها أسلافهم الوعي السياسي من فترة الحروب بين 1948 و1967، وهي لحظات حاسمة في تشكيل السياسة العربية.

ويبلغ "محمود عباس"، الذي أُجبر على الفرار من منزله عام 1948، 85 عاما من العمر الشهر المقبل، وسيجد نفسه قريبا كأكبر رجل دولة على طاولة جامعة الدول العربية.

وبالنظر إلى النهج المتغير لبعض الأنظمة الخليجية ومدى تأثيرها في جميع أنحاء العالم العربي، قد يجد "عباس" مقعده على الطاولة غير مريح بشكل متزايد.

  • لكن إلى أين يتجه "عباس" إذا أعطى الخليج ظهره له؟

وإذا استمر مركز الثقل في الخليج في الابتعاد عن القيادة الفلسطينية، وهو تطور سيكون له تداعيات في منطقة الخليج والعالم العربي الأكبر وفي جامعة الدول العربية، فكيف يستجيب القادة الفلسطينيون؟ هناك بالطبع عدة خيارات، لكن لكل منها مزايا وعيوب.

قد يكون الاستمرار في العمل كالمعتاد والمضي قدما بنفس النهج أحد الخيارات، على أمل الحفاظ على ما تبقى من الإجماع العربي، كشكل من أشكال النفوذ في مواجهة (إسرائيل).

وتوجد القليل من المزايا، إن وجدت، في هذا المسار. وبالرغم أن هذا الخيار سيكون مألوفا ولن يتطلب أي تحول استراتيجي كبير، فإن العيوب كبيرة. فسوف تزداد الخسائر مع تطبيع المزيد من الدول العربية مع (إسرائيل).

وقد يكون هناك خيار آخر وهو مضاعفة الجهود للعمل من خلال المؤسسات الدولية لمحاسبة (إسرائيل) على سياساتها غير العادلة أو السعي لإقامة دولة أو الاثنين معا.

وتعد المحكمة الجنائية الدولية واحدة من عدة مؤسسات دولية يمكن للقيادة الفلسطينية العمل من خلالها.

لكن في حين أن الحكم في المحكمة الجنائية الدولية سيكون مهما لأسباب تاريخية وأخلاقية، فمن غير المرجح أن يكسر الجمود السياسي، على الأقل على المدى القصير.

وسيتطلب التقدم في المبادرات في المؤسسات الدولية الأخرى أيضا دفعة منسقة من قبل الحلفاء الدوليين، وعادة ما يكون أعضاء جامعة الدول العربية من بينهم.

ولم تظهر بعد نتائج العلاقات التي تطورها (إسرائيل) مع دول عربية مثل الإمارات والبحرين، ومدى التعاون على المستوى الدبلوماسي الدولي، لكن من الصعب تخيل كيف يمكن أن يقدم شيئا للفلسطينيين.

ويمكن للقادة الفلسطينيين الرد على هذا التحول في الخليج بالتحول نحو محور مختلف، وتحديدا محور تركيا وإيران وقطر.

وفي حين أن القيام بدور محوري واضح في هذا الاتجاه قد يكون مرجحا اليوم، وبينما قد تكون الخطوات التي اتخذتها الإمارات للتطبيع مع (إسرائيل) قد ساهمت في ذلك، فإن مثل هذا التحول سيأتي بمخاطر هائلة على الفلسطينيين.

أولا، سيعزز الفكرة القائلة بأن دعم القضية الفلسطينية هو نتيجة التنافس الجيوسياسي الإقليمي، وهذه فكرة خطيرة للغاية بالنسبة للفلسطينيين حيث يمكن لهذه التحالفات أن تتغير بمرور الوقت.

ثانيا، سيؤكد على الفجوة المتزايدة بين القيادة الفلسطينية ودول الخليج التي تطبع أو ترحب بالتطبيع مع (إسرائيل).

ثالثا، من شأنه أن يزيد من تعقيد العلاقة الفلسطينية مع واشنطن، ومن المؤكد أن الإسرائيليين سيستغلون هذا الضعف أيضا.

أخيرا، بالتوجه نحو القوى غير العربية في المنطقة مثل تركيا وإيران، سيخلق الفلسطينيون نقاط ضعف غير ضرورية لشرعيتهم في عيون العرب، ما يجعلهم أكثر عرضة لمبادرات تغيير النظام المدعومة من العرب.

وفي هذه اللحظة الانقسامية المفرطة في المنطقة، من الأفضل أن يبذل القادة الفلسطينيون قصارى جهدهم للحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الدول العربية والإسلامية، حتى لو لم يتم تبادل الجهود بشكل كامل.

وفي خيار آخر، يمكن للقادة الفلسطينيين اختيار الانعطاف إلى الداخل والتركيز عليه وإعادة بناء المؤسسات التي من شأنها تعزيز الشرعية والتمثيل.

وفي حين أن مثل هذا التغيير في التوجه لن يقدم إجابات فورية عن كيفية الاستجابة للتغييرات على المستوى الدبلوماسي، إلا أنه قد يكون أفضل استخدام لوقت القيادة وطاقتها في هذه اللحظة السياسية الخاصة.

وبالنظر إلى الاتهامات الصادرة من دول خليجية تجاه القادة الفلسطينيين باعتبارهم فشلوا في إدارة القضية، سيكون المرء محقا في الحذر من الجهود الرامية إلى إعادة تشكيل القيادة الفلسطينية من الخارج.

وفي هذه اللحظة، فإن المهمة الأكثر أهمية للقادة الفلسطينية ليست في جامعة الدول العربية أو في عاصمة أجنبية، بل في الداخل، من خلال ضمان حصول الشعب الفلسطيني نفسه على فرصة لتوحيد دفة نضاله.

المصدر | يوسف منير/المركز العربي واشنطن دي سي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد